السبت، 29 أغسطس 2026

11:22 م

د.غادة عامر تكتب: كيف صارت التكنولوجيا أخطر أسلحة هذا العصر؟ (عقلك هو الهدف)

السبت، 29 أغسطس 2026 08:18 م

د. غادة محمد عامر

د. غادة محمد عامر

في صباح يوم عادي، تفتح هاتفك فتستقبل عشرات المنشورات خبر يثير غضبك، فيديو يشعل حماسك، تعليق يؤكد لك أنك على صواب دائمًا، وتشعر أنك تتصفح بحرية، تختار بنفسك ما تقرأ وما تصدق، لكن الحقيقة أعقد من ذلك بكثير؛ فما يصل إليك ليس مصادفة، بل نتيجة معادلة دقيقة صُممت لتبقيك متابعًا أطول وقت ممكن، ولتشكّل رأيك من دون أن تشعر، هذا هو الاختراق الحقيقي الذي تعيشه المجتمعات اليوم، اختراق لا يحتاج إلى كسر كلمة سر، بل إلى معرفة ما يخيفك وما يغضبك وما تحب أن تسمعه.

لعقود طويلة، كانت الحرب تُخاض بالجيوش والدبابات، أما اليوم فقد وُلد ميدان جديد لا يقل خطورة، هو ميدان العقول، أطلق عليه حلف الناتو رسميًا مصطلح "الحرب الإدراكية"، ووصفه بأنه قد يصبح "المجال السادس" للحرب إلى جانب البر والبحر والجو والفضاء والفضاء السيبراني، الفكرة ببساطة أنك لا تحتاج إلى هزيمة جيش خصمك إذا استطعت أن تجعله يشك في قضيته، ويفقد الثقة في قيادته، وينقسم على نفسه من الداخل، والأداة الأمثل لتحقيق ذلك ليست الصواريخ، بل البيانات والخوارزميات.

خذ مثالًا واحدًا كافيًا لفهم حجم المشكلة: فضيحة "كامبريدج أناليتيكا" التي انفجرت عام 2018، حين تبيّن أن شركة استخراج بيانات استطاعت الوصول إلى معلومات ما يقارب 87 مليون مستخدم على فيسبوك من دون علمهم الكامل، وبنت عليها ملفات نفسية دقيقة استخدمتها حملات سياسية في استفتاء "بريكست" والانتخابات الأمريكية عام 2016، لم تكتفِ هذه العملية بإرسال رسالة دعائية واحدة للجميع كما كانت تفعل الدعاية التقليدية منذ عقود، بل صمّمت لكل شخص رسالة مختلفة تخاطب مخاوفه هو تحديدًا، هذا هو الفارق الجوهري بين الدعاية القديمة والحرب الإدراكية الحديثة، فالأولى تبث فكرة واحدة لجمهور عريض، والثانية تعرف بالضبط أي زر تضغط في كل عقل على حدة.

في ساحات الحروب المفتوحة اليوم، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة مساندة، بل سلاح قائم بذاته، ففي عام 2010 اكتُشف فيروس "ستكسنت"، وهو برنامج خبيث معقد استهدف أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز النووية الإيرانية ودمّر جزءًا كبيرًا منها فعليًا، من دون طلقة رصاص واحدة أو غارة جوية، في أول مثال موثق عالميًا على سلاح سيبراني يحدث دمارًا ماديًا حقيقيًا، وفي المجال الاستخباراتي، كشفت تحقيقات دولية عن برنامج التجسس "بيغاسوس" الذي طوّرته شركة إسرائيلية، والقادر على اختراق الهاتف بالكامل من دون أن يفعل الضحية أي شيء، وقد استُهدف به صحفيون وناشطون في عدة دول عربية، في قضية أثارت أسئلة كبرى عن حدود الخصوصية في عصر المراقبة الرقمية.

وفي النزاعات المسلحة المستمرة اليوم، من السودان إلى ليبيا وغزة، تدور معركة موازية على المحتوى بقدر ما تدور معركة على الأرض؛ شبكات تضليل منظمة تنشر مجازر وانتصارات وهمية لتوجيه الرأي العام، وحسابات وهمية تؤجج الانقسامات الطائفية والمناطقية القائمة أصلًا، ومنصات تُتهم بقمع محتوى طرف لصالح آخر، وهذه هى بالضبط الآلية النفسية التي تجعل الشعوب تُخدع لتنفيذ أجندة ليست أجندتها ألا وهي تبسيط أي قضية معقدة إلى خيارين متطرفين لا ثالث لهما، وتحويل أي خلاف سياسي إلى خلاف هوياتي يدافع فيه الناس بعاطفة أعمى من دفاعهم عن مصلحتهم الحقيقية، مع الاستفادة من حقيقة نفسية بسيطة، هى أن الكذبة إذا تكررت من عشرات الحسابات في يوم واحد، يميل العقل البشري إلى تصديقها لمجرد التكرار، بصرف النظر عن صحتها.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي على الخط، انتقلت اللعبة إلى مستوى جديد تمامًا؛ فمقاطع الفيديو والصور المزيفة "الديب فيك" لم تعد خيالًا علميًا، بل واقعًا وثّقته دراسات عام 2025 التي حذّرت من أن الخطر الأكبر ليس فيديو واحدًا مزيفًا يقلب انتخابات، بل أن يفقد الناس الثقة في كل شيء حقيقي أيضًا، فتصبح كل صورة وكل خبر موضع شك دائم.

فهل نحن إذن بلا حيلة أمام كل هذا؟ الإجابة أن التكنولوجيا نفسها بدأت تتحول أيضًا إلى درع، ولو أصغر بكثير من السيف الموجّه إلينا، هناك العديد من البرامج للتربية الإعلامية التي تحاول أن تزرع في الأجيال الجديدة عادة بسيطة لكنها ثورية وهي التوقف لحظة قبل التصديق، والسؤال دائمًا عن الجهة التي تستفيد لو صدّقنا هذا الخبر بالتحديد الآن، فالتكنولوجيا في النهاية ليست خيّرة ولا شريرة بذاتها، إنها مرآة تعكس نية من يمسك بها، والمعركة الحقيقية ليست على الأجهزة التي نحملها، بل على القدرة التي نملكها، أو نفقدها، على التفكير بحرية داخل عقولنا نفسها.

 ولعل أول خطوة في هذه المعركة ليست معرفة تقنية معقدة، بل عادة يومية بسيطة، أن نتوقف ثانية واحدة قبل أن نضغط زر المشاركة، ونسأل أنفسنا من صاغ هذه الفكرة، ولماذا وصلتنا نحن تحديدًا في هذه اللحظة بالذات.

Short Url

search