الخميس، 27 أغسطس 2026

04:32 م

قبل زيارة الرئيس الصيني لمصر.. 20.8 مليار دولار حجم المصالح التجارية والاستثمارية بين البلدين

الخميس، 27 أغسطس 2026 02:30 م

العلاقات المصرية الصينية

العلاقات المصرية الصينية

مي المرسي

تستعد مصر لاستقبال الرئيس الصيني شي جين بينج، في زيارة رسمية مرتقبة خلال الأيام المقبلة، في محطة جديدة للعلاقات المصرية الصينية التي تحتفل هذا العام بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

 وتأتي الزيارة في وقت دخلت فيه الشراكة الاقتصادية بين القاهرة وبكين مرحلة مختلفة، لم يعد الرهان خلالها على زيادة حجم التجارة فقط، وإنما على جذب الاستثمارات، وتوطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، ورفع الصادرات المصرية إلى السوق الصينية. 

وتكشف قراءة بيانات التجارة عن مفارقة رئيسية؛ التبادل التجاري بين البلدين ضخم ومتنامٍ، لكن الميزان التجاري لا يزال يميل بقوة لمصلحة الصين، ففي عام 2025 بلغ حجم التجارة بين مصر والصين نحو 20.8 مليار دولار، منها حوالي 19.9 مليار دولار صادرات صينية إلى مصر، مقابل 819 مليون دولار صادرات مصرية إلى الصين. 

وبحساب هذه الأرقام، فإن الصادرات المصرية إلى الصين مثلت نحو 3.9% فقط من إجمالي التجارة الثنائية في 2025، بينما استحوذت الصادرات الصينية إلى مصر على نحو 96.1%.

أما الفجوة التجارية فبلغت حسابيًا نحو 19.1 مليار دولار لصالح الصين، وهو الرقم الذي يوضح لماذا أصبحت زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية أحد الملفات الرئيسية في الشراكة الاقتصادية بين البلدين

431 مليار دولار حجم التجارة بين الصين والدول العربية | سكاي نيوز عربية

2026.. هل بدأ الميزان يتحرك؟

رغم اتساع الفجوة التاريخية، فإن بيانات 2026 تحمل مؤشرًا لافتًا على نمو الصادرات المصرية.

فخلال النصف الأول من 2026 بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 11.8 مليار دولار، بزيادة تقارب 23% على أساس سنوي، وفي الفترة نفسها قفزت الصادرات المصرية إلى الصين بنسبة 111% لتصل إلى نحو 600 مليون دولار، مقابل حوالي 284 مليون دولار خلال النصف الأول من 2025. 

وهنا تظهر أهمية قراءة النسبة إلى جانب القيمة، فزيادة الصادرات بنسبة 111% تبدو كبيرة، لكنها جاءت من قاعدة منخفضة نسبيًا؛ إذ ارتفعت الصادرات من 284 مليون دولار إلى 600 مليون دولار، أي بزيادة فعلية تقترب من 316 مليون دولار.

وهذا يعني أن الاتجاه إيجابي، لكنه لا يزال بحاجة إلى نمو أكبر بكثير حتى يصبح قادرًا على تقليص فجوة تجارية تتجاوز 19 مليار دولار وفق أرقام 2025.

وبعبارة أخرى، المشكلة لم تعد في قدرة مصر على زيادة صادراتها إلى الصين، وإنما في تحويل هذا النمو إلى مسار مستدام قادر على تغيير هيكل التجارة نفسه.

20.8 مليار دولار.. ماذا يوجد خلف الرقم؟

عند تفكيك رقم التجارة الثنائية البالغ 20.8 مليار دولار في 2025، تظهر بوضوح طبيعة العلاقة الحالية.

الصين تصدر إلى مصر منتجات بقيمة تقارب 19.9 مليار دولار، بينما لا تتجاوز صادرات مصر إلى السوق الصينية 819 مليون دولار، لكن هذه الواردات الصينية لا تعني جميعها سلعًا استهلاكية؛ فجزء مهم منها يرتبط بالآلات والمعدات ومدخلات الإنتاج والمنتجات الصناعية، وهو ما يجعل العلاقة أكثر تعقيدًا من مجرد معادلة "واردات مقابل صادرات".

وهنا تظهر أمام مصر فرصة مختلفة: بدلًا من التعامل مع الواردات الصينية باعتبارها مجرد فاتورة استيراد، يمكن تحويل جزء منها إلى قاعدة لتوطين الصناعة من خلال جذب الشركات الصينية لإنتاج هذه السلع داخل مصر.

وهذا النموذج يمكن أن يحقق ثلاثة أهداف في الوقت نفسه:

أولًا: تقليل الاعتماد على استيراد المنتج النهائي.

ثانيًا: زيادة المكون المحلي وفرص التشغيل.

ثالثًا: استخدام مصر كقاعدة لإعادة تصدير المنتجات إلى الأسواق الأفريقية والعربية وغيرها.

الاستثمار الصيني.. الرقم الذي قد يغير المعادلة

لا تقف العلاقة الاقتصادية عند التجارة، إذ تشير بيانات حديثة إلى وجود نحو 3000 شركة صينية تعمل في مصر باستثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار، فيما تستهدف القاهرة جذب المزيد من الاستثمارات الصينية إلى القطاعات الإنتاجية ونقل التكنولوجيا.

كما كشفت تصريحات اقتصادية حديثة عن استهداف جذب استثمارات صينية جديدة بنحو ملياري دولار خلال النصف الأول من 2026، مع وجود مفاوضات لجذب نحو 50 شركة صينية إلى السوق المصرية. 

وهنا تتغير زاوية قراءة العلاقة، فإذا استثمرت الشركات الصينية في إنتاج السلع التي تستوردها مصر بالفعل، تصبح الصين بالنسبة إلى الاقتصاد المصري شريكًا في الإنتاج وليس موردًا فقط، وهذا هو الفارق بين زيادة حجم التجارة وزيادة القيمة الاقتصادية للشراكة.

قناة السويس.. نقطة تقاطع المصالح المصرية والصينية

تملك مصر ميزة يصعب تجاهلها في الحسابات الصينية؛ الموقع، فقناة السويس تمنح مصر موقعًا محوريًا على خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا، بينما توفر المنطقة الاقتصادية لقناة السويس قاعدة مناسبة للشركات التي تبحث عن الإنتاج بالقرب من الأسواق المستهدفة.

ومن بين الأمثلة على التعاون الصناعي والاستثماري الصيني في مصر مشروعات مرتبطة بالطاقة والصناعة ومكونات الإنتاج، بما يعزز توجه تحويل مصر إلى مركز إنتاج وتصدير.

وتكشف طبيعة بعض الاستثمارات الصينية عن هذا الاتجاه؛ فقد استثمرت شركات صينية في صناعات تستهدف السوق المصرية والأسواق الخارجية، فيما تتجه شركات أخرى إلى الاستفادة من مصر كمنصة للتصدير إلى أفريقيا والشرق الأوسط. 

وبالتالي، فإن قناة السويس ليست فقط ممرًا للبضائع الصينية المتجهة إلى مصر، وإنما يمكن أن تصبح جزءًا من سلسلة القيمة التي تنتج فيها الشركات الصينية داخل مصر ثم تعيد تصدير منتجاتها.

قناة السويس

الصناعة.. من استيراد الآلات إلى توطين التكنولوجيا

تستحوذ المنتجات الصناعية على مساحة كبيرة من التجارة المصرية الصينية، وتشمل الواردات المصرية من الصين قطاعات مثل الآلات والأجهزة الكهربائية، ومعدات النقل والسيارات والجرارات، والبلاستيك، والحديد ومصنوعاته.

وهذه القطاعات تحديداً تحمل فرصة مزدوجة، فمصر تحتاج إلى هذه المنتجات لتوسيع قدرتها الصناعية، وفي الوقت نفسه يمكن للشركات الصينية أن تساعد في إنشاء خطوط إنتاج محلية لها.

وهنا يظهر مفهوم التكامل الصناعي؛ أي ألا تكون العلاقة قائمة على بيع المنتج النهائي فقط، وإنما على توزيع مراحل الإنتاج بين البلدين، مع زيادة نسبة التصنيع والقيمة المضافة داخل مصر.

وهذا الاتجاه يتوافق مع ما يطرحه الجانب المصري والصيني حالياً بشأن توسيع التعاون في التصنيع المتقدم، والطاقة الجديدة والمتجددة، والاقتصاد الرقمي، وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا.

الزراعة.. مصر تبحث عن الدولار من السوق الصينية

القطاع الزراعي يمثل مسارًا آخر يمكن أن يساعد مصر على معالجة الخلل التجاري.

فالسوق الصينية الضخمة تتيح مجالًا للتوسع أمام المنتجات الزراعية المصرية، ونجح الحجر الزراعي المصري بالفعل في إدخال 22 منتجًا زراعيًا مصريًا إلى الصين، مع تسجيل نحو 480 شركة مصرية للتصدير إلى السوق الصينية وفق بيانات الجانب المصري والصيني. 

وتأتي الموالح والعنب والمانجو والتمور والرمان ضمن المنتجات التي تحظى باهتمام في السوق الصينية، بينما يجري العمل على فتح المجال أمام منتجات أخرى مثل الفراولة الطازجة والنباتات الطبية والعطرية، لكن التحدي هنا لا يتعلق فقط بفتح السوق، وإنما بقدرة المصدر المصري على الحفاظ على الجودة، وسلاسل التبريد، وانتظام الإمدادات، وتكلفة النقل، والاشتراطات الحجرية الصينية.

فالوصول إلى السوق مرة لا يعني بناء حصة سوقية دائمة؛ المطلوب هو تحويل النفاذ إلى السوق إلى عقود تصديرية متكررة وقيمة صادرات متزايدة.

الصادرات المصرية.. من المواد الخام إلى القيمة المضافة

تضم الصادرات المصرية إلى الصين منتجات مثل خامات المعادن والأحجار، والوقود والزيوت المعدنية، والنحاس ومصنوعاته، والألياف النسيجية والأسمنت.

لكن زيادة قيمة الصادرات لا ترتبط فقط برفع الكميات، وإنما أيضًا بتغيير تركيبتها، فكلما انتقلت مصر من تصدير المادة الأولية إلى تصدير المنتج المصنع أو شبه المصنع، ارتفعت القيمة المضافة التي تحصل عليها الصناعة المصرية.

وهنا يمكن للشراكة الصينية أن تلعب دورًا مهمًا؛ إذ تستطيع الاستثمارات الصينية توفير التكنولوجيا والتمويل والخبرة الصناعية اللازمة لتحويل بعض الخامات والموارد المصرية إلى منتجات ذات قيمة أعلى.

70 عامًا من العلاقات.. ومرحلة اقتصادية جديدة

وتكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني أهمية إضافية مع احتفال البلدين هذا العام بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية.

وكانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع جمهورية الصين الشعبية، فيما تطورت العلاقات لاحقاً إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة منذ 2014، مع توسع التعاون ليشمل مبادرة الحزام والطريق ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي «فوكاك»، إلى جانب أطر تعاون أخر، لكن اختبار الشراكة في المرحلة المقبلة لن يكون سياسياً فقط، وإنما اقتصاديًا بالدرجة الأولى.

فالأرقام تضع أمام البلدين مجموعة من الأهداف الواضحة:

المؤشر

الرقم

التبادل التجاري 202520.8 مليار دولار
الصادرات الصينية لمصر 202519.9 مليار دولار
الصادرات المصرية للصين 2025819 مليون دولار
الفجوة التجارية 2025نحو 19.1 مليار دولار
التبادل التجاري في النصف الأول 202611.8 مليار دولار
صادرات مصر للصين في النصف الأول 2026600 مليون دولار
نمو صادرات مصر للصين في النصف الأول 2026111 %
الشركات الصينية في مصرنحو 3000 شركة
الاستثمارات الصينية في مصرأكثر من 8 مليارات دولار
المنتجات الزراعية المصرية المسموح بتصديرها للصين22 منتجًا

جذب استثمارات صينية تستهدف التصنيع المحلي

تقول البيانات إن العلاقات المصرية الصينية تتوسع بالفعل، لكن اتساع التجارة لا يعني تلقائيًا توازنها، فانتهى عام 2025 بتبادل تجاري بلغ 20.8 مليار دولار، لكنه حمل في داخله فجوة ضخمة؛ إذ لم تمثل الصادرات المصرية سوى نحو 4% من التجارة الثنائية.

وفي المقابل، تظهر بيانات النصف الأول من 2026 إشارة أكثر إيجابية، مع قفزة الصادرات المصرية إلى 600 مليون دولار ونموها 111%، لكن التحدي الحقيقي هو الحفاظ على هذا المعدل وتحويله من قفزة استثنائية إلى اتجاه مستدام.

وتحتاج مصر لتحقيق ذلك إلى العمل على ثلاثة مسارات متزامنة: زيادة المنتجات المصرية التي تدخل السوق الصينية، جذب استثمارات صينية تستهدف التصنيع المحلي والتصدير، ورفع القيمة المضافة للصادرات المصرية بدلًا من الاعتماد على المواد الأولية.

أما الصين، فتستفيد من سوق مصرية كبيرة، وموقع جغرافي استراتيجي، وقاعدة يمكن من خلالها الوصول إلى أسواق المنطقة، فضلاً عن فرص استثمارية في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.

وبالتالي، فإن زيارة الرئيس الصيني المرتقبة تأتي في لحظة تتجاوز فيها العلاقات المصرية الصينية سؤال "كم نتاجر؟" إلى سؤال أكثر أهمية؛ "ماذا ننتج معًا، وماذا يمكن أن نصدره من مصر إلى العالم؟"

وهنا تحديدًا يمكن أن تتحول الشراكة من علاقة تجارية تميل كفتها بوضوح إلى الجانب الصيني، إلى شراكة إنتاجية واستثمارية أكثر توازنًا، يكون فيها المصنع المصري جزءًامن سلاسل القيمة الصينية، وتصبح مصر في الوقت نفسه سوقًا وقاعدة إنتاج وتصدير.

اقرأ أيضًا:

مشتريات الصين من الذهب تتجاوز البيانات الرسمية وتعكس استمرار الطلب العالمي

تحسن طفيف في حركة الملاحة بمضيق هرمز تزامنًا مع محادثات إيران وعُمان

العراق يطرح خام البصرة للتحميل خارج مضيق هرمز وسط اضطراب الملاحة

Short Url

search