الإثنين، 24 أغسطس 2026

07:04 م

كيف يتم حساب الكانز وزجاجات المياه في ماكينة التدوير.. القصة الكاملة وسبب رفض جامعي القمامة وهجوم نجيب ساويرس

الإثنين، 24 أغسطس 2026 04:06 م

تدوير المخلفات _ صورة أرشيفية

تدوير المخلفات _ صورة أرشيفية

محمد ممدوح

بدأت مكينات الذكية لإعادة التدوير في الظهور بشوارع حي الدقي في الجيزة، موفرةً للسكان وسيلة جديدة للتخلص من الزجاجات البلاستيكية وعلب الألومنيوم الفارغة، إذ تتيح لهم وضع هذه المخلفات في الآلة وجمع النقاط، ثم تحويل تلك النقاط إلى رصيد للهاتف المحمول أو مكافآت مالية، طُرحت هذه التجربة في محاولة لتشجيع إعادة التدوير، والحد من تراكم النفايات في الشوارع، والتقليل من ظاهرة النبش العشوائي في حاويات القمامة. 

وقدمت الفكرة باعتبارها  وسيلة أنظف وأكثر تطورا من الناحية التكنولوجية للتعامل مع النفايات القابلة لإعادة التدوير، سرعان ما أثار تسائلا أكبر  حول الجهة التي ينبغي أن تستفيد من القيمة الكامنة في نفايات مصر، ويقع جامعو القمامة التقليديون في القاهرة في قلب هذا الجدل، إذ يرون أن هذه الآلات تسلبهم بعضًا من أكثر المواد قيمةً والتي يعتمدون عليها في كسب الأموال والوصول إلى الثراء.

وكان شحاتة المقدس، رئيس نقابة جامعي القمامة، أبدى اعتراض شديد على المشروع، مجادلاً بأن الزجاجات البلاستيكية وعلب الألومنيوم لا تعد  نفايات بالنسبة للعمال الذين يجمعون القمامة المنزلية، وإنها سلع يمكن فرزها وبيعها وإعادتها في نهاية المطاف إلى المصانع كمواد خام، وتطور النزاع الآن ليصبح مواجهة بين نموذج جديد لإعادة التدوير يعتمد على التكنولوجيا، وبين اقتصاد غير رسمي يعمل في مجال النفايات بمصر منذ عقود.

ما هي قيمة العائد من الزجاجة الواحدة؟

يمنح نظام الماكينات لسكان الدقي (أول تجربة لماكينات جمع القمامة)، نقطة واحدة مقابل زجاجة بلاستيكية صغيرة، نقطتان مقابل زجاجة مياه كبيرة، نقطتان مقابل عبوة ألومنيوم، في حين أن الـ100 نقطة يتم تقييمها بـ 10 جنيهات مصرية كرصيد للهاتف المحمول، ويعني أن 30 زجاجة بلاستيكية صغيرة ستمنح صاحبها 30 نقطة، أي ما يعادل 3 جنيهات مصرية كرصيد للهاتف، لكن جامعي القمامة يعتمدون طريقة حساب مختلفة، وفقًا للحسابات التي يذكرها العاملون في هذا القطاع، يبلغ وزن حوالي 30 زجاجة بلاستيكية صغيرة فارغة نحو كيلو جراما، ويمكن بيع هذه الكمية بنحو 22 جنيهاً مصريًا، وأصبحت هذه المقارنة واحدة من أقوى الحجج المناهضة لاستخدام هذه الآلات.
فبموجب حسابات جامعي القمامة، 30 زجاجة تساوي 1 كيلوجرام مقابل 22 جنيهًا مصريًا، أما بموجب نظام المكافآت الخاص بالآلة، 30 زجاجة، 30 نقطة، 3 جنيهات مصرية أي أن الكيلو يصل إلى 3 جنيهات.

ويرى جامعو القمامة أن هذا الفارق دليل على أن النظام الجديد يبخس قيمة هذه المواد، غير أن هناك جانبًا آخر لهذه الحسابات، إذ يمثل مبلغ الـ 22 جنيهًا قيمة الكيلوجرام الواحد من المواد القابلة لإعادة التدوير ضمن سلسلة التدوير التقليدية، في حين يعد مبلغ الـ 3 جنيهات حافزًا استهلاكيًا صمم لتشجيع السكان على إعادة الزجاجات، وعليه، فإن الخلاف يتعلق بمكان تحقق القيمة الاقتصادية لتلك الزجاجة، ومن يسيطر على سوق النفايات الصلبة في مصر.

لماذا يقاوم عمال جمع القمامة التغيير؟

بالنسبة لجامع القمامة التقليدي، لا يكمن مصدر الدخل الأساسي بالضرورة في المقابل المادي الذي يتقاضاه مقابل جمع النفايات المنزلية، ولكن تكمن القيمة الحقيقية للعمل فيما يمكن استخلاصه واسترداده من تلك النفايات، إذ يمكن فصل مواد مثل الزجاجات البلاستيكية، وعلب الألومنيوم، والورق، والكرتون، وعبوات المشروبات عن خليط النفايات المنزلية وبيعها للتجار ومرافق إعادة التدوير، وتمر هذه المواد بعد ذلك بعدة مراحل، 
إذ يتم جمعها وفرزها، ثم غسلها وكبسها، وتعمل الآلات على تحويلها إلى رزم أو كرات أو حبيبات صغيرة قبل بيعها للمصانع، لتخضع هناك لمعالجة حرارية وكيميائية وتستخدم في النهاية لتصنيع منتجات جديدة، وهذا يعني أن زجاجةً تخلصت منها إحدى الأسر تصبح الحلقة الأولى في سلسلة اقتصادية أوسع بكثير، وتتمثل وجهة نظر جامع القمامة في أن الآلات الجديدة قد تقصيه من هذه السلسلة عند النقطة الأكثر ربحية وقيمة فيها.

خطر التوقف عن العمل في الشوارع

حذر “المقدس” من أن جامعي القمامة قد يتوقفون عن جمع النفايات في المناطق التي تنتشر فيها هذه الآلات على نطاق واسع، فبالنسبة للعمال، لا تكمن المشكلة في دخول التكنولوجيا إلى قطاع النفايات بحد ذاته، ولكن  في إدخال التكنولوجيا دون دمجهم هم أنفسهم في النظام الجديد، وفي تهديد واضح للنقيب قال المكان «اللي فيه مكينات مش هنشتغل فيه»،  ويمكن تلخيص رسالة جامعي القمامة إلى الحكومة في الآتي، إذا أرادت الدولة تحديث منظومة إعادة التدوير، فعليها تحديث وضع القوى العاملة الحالية بالتوازي مع ذلك، بدلاً من انتزاع الجزء الأكثر قيمة من دخلهم.

ودعا «المقدس» إلى إشراك جامعي القمامة في تشغيل النظام الجديد، بما في ذلك عمليات جمع المواد القابلة لإعادة التدوير والتعامل معها، وتكتسب هذه المسألة أهمية لأن عمل هؤلاء يشمل جمع النفايات المنزلية بمجملها، وإذا تم استخلاص المواد القابلة لإعادة التدوير قبل عملية الجمع التقليدية، يخشى العمال أن يقتصر ما يتبقى لهم على الجزء الأقل قيمة والأكثر صعوبة من النفايات، مثل بقايا الطعام، والنفايات الملوثة، الحفاضات، وغيرها من المواد التي لا تكاد تملك أي قيمة عند إعادة بيعها.


تزايد حالة الغضب بين العمال

وتجاوز نطاق الجدل حدود قيادة النقابة انتشرت مقاطع فيديو لأشخاص معنيين بقطاع وعاملين في إعادة التدوير وجمع النفايات، يجادل فيها أصحابها بأن الأسعار التي توفرها الآلات غير عادلة مقارنة بقيمة المواد في سوق إعادة التدوير، وتستند حجتهم إلى نفس الحسابات الأساسية التي يعتمدها جامعو القمامة، فإذا كان من الممكن في النهاية بيع كميات كبيرة من الزجاجات حسب الوزن بسعر يفوق بكثير القيمة التي يحصل عليها السكان عبر نظام النقاط في الآلة، فإن نظام الحوافز لا يعكس بشكل كافٍ قيمة المواد التي يسلمها الناس، وأضافت مقاطع الفيديو بعد جديد على النزاع، فما بدأ كخلاف بين قيادات النقابة ووزارة التنمية المحلية، وبات ينظر إلى الأزمة بشكل متزايد من قِبَل العاملين في القطاع باعتباره صراعًا أوسع حول اقتصاديات إعادة التدوير، وأصبح السؤال حول ما إذا كان الأشخاص الذين عملوا على جمع ومعالجة المواد القابلة لإعادة التدوير سيحتفظون بفرصة الوصول إلى هذه المواد.

مليون عامل وآلاف الأطنان من النفايات

وفقاً للأرقام التي أوردها «المقدس»، يعمل نحو مليون شخص في مجال جمع ونقل النفايات في منطقة القاهرة الكبرى، وتشير تصريحاته إلى أن جامعي القمامة يتعاملون مع ما يقرب من 18 ألف طن من النفايات يوميًا، بما في ذلك حوالي 8 آلاف طن من المواد الصلبة القابلة لإعادة التدوير، مثل البلاستيك والورق والكرتون وعبوات المشروبات، ويشير المقدس إلى أن كمية مماثلة تقريبًا من النفايات تنتج عن محافظات مصر مجتمعة، ويتم جمعها وفرزها عبر شبكة البلاد التقليدية لجمع القمامة وإعادة تدويرها.

وفي النهاية، تصل هذه المواد إلى مناطق إعادة التدوير، إذ تغسل وتكسب وتعالج قبل بيعها للمصانع، وتسلط هذه الأرقام على سبب تحول الجدل حول بضع زجاجات توضع داخل آلة في حي الدقي إلى قضية أكبر مما بدت عليه في البداية، يتعلق  الأمر بمنظومة اقتصادية متكاملة قائمة على قطاع النفايات.

البلاستيك يتسبب في أزمة 

وأدى تزايد الطلب على البلاستيك القابل لإعادة التدوير إلى رفع قيمة المواد التي يجمعها عمال جمع القمامة، ووفقاً لتصريحات نقيب العاملين في قطاع القمامة، وتسببت زيادة الطلب على البلاستيك في ارتفاع الطلب القادم من ليبيا.

وأشار “المقدس” إلى أن المصانع أصبحت تحجز كميات الإنتاج مسبقًا، وهو ما يختلف عن الوضع السابق حين كان يتعين على جامعي القمامة إقناع المصانع بشراء ما يجمعونه من مواد، وأنتجت مصر نحو 1.5 مليون طن من البلاستيك المعاد تدويره خلال العام المالي 2022-2023، وذلك استناداً إلى أرقام صادرة عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار.

ويقدم هذا الرقم دليلاً إضافياً على التحول الكبير في مكانة النفايات القابلة لإعادة التدوير، إذ لم تعد مواد مهملة، وأصبحت مدخل صناعي جديد، وعليه، فالزجاجة البلاستيكية بالنسبة لجامعي القمامة  تمثل بداية لدورة جديد في التصنيع.

جدل حول الجهة التي ينبغي أن تتولى تشغيل الآلات

شدد المقدس على ضرورة عدم استبعاد جامعي القمامة بالضرورة من منظومة التكنولوجيا الجديدة، ويرى أن على الحكومة بناء نظام متكامل تندمج فيه القوى العاملة الحالية ضمن البنية التحتية الجديدة لإعادة التدوير، ويعني ذلك إشراك جامعي القمامة في مهام مثل جمع النفايات وتفريغ الآلات، ونقل المواد المسترجعة، وفرزها، أو المشاركة في عملية إعادة التدوير بمفهومها الأوسع، أما البديل من وجهة نظر العمال فيتمثل في نظام يضع فيه السكان المواد القيمة داخل الآلات، بينما يترك لجامعي القمامة التعامل مع ما تبقى من نفايات، وهذا ما يرى المقدس أنه لن ينجح.

ويرى النقيب، أن هذه الآلات أكثر ملاءمة للبلدان التي تقوم فيها الأسر بفرز النفايات من المصدر، أما في مصر، فالوضع مختلف، على حد قوله، إذ لا يتم عادةً فرز النفايات المنزلية قبل جمعها، مما يتيح لجامعي القمامة العاملين في القطاع غير الرسمي استرجاع المواد القابلة لإعادة التدوير من بين النفايات المختلطة، وبالتالي، فإن استبدال هذا النظام بآلات دون إيجاد دور بديل للعمال يؤدي إلى تعطيل سلسلة جمع النفايات بأكملها.

شبح مبادرة بع نفاياتك

يشير المقدّس إلى صراع مماثل وقع عام 2015، وأن هذا النزاع الحالي ليس الأول من نوعه، إذ  حين طرحت أكشاك لجمع النفايات في مناطق من القاهرة تحت شعار بع نفاياتك، ووفقاً لروايته، توقف جامعو القمامة آنذاك عن جمع النفايات في أجزاء من حي مصر الجديدة “هيليوبوليس” إلى أن أزيلت تلك الأكشاك، بعد إضراب العاملين في القطاع، وبالنسبة لنقيب جامعي القمامة، فإن الدرس المستفاد واضح، وهو أن  فصل المواد القيمة القابلة لإعادة التدوير عن نظام الجمع التقليدي قد يخلق صرا ع مع العمال الذين يعتمدون على تلك المواد في معيشتهم، وأعادت آلات حي الدقي ذلك النزاع القديم إلى الواجهة، ولكن في صورة أكثر تطورًا من الناحية التكنولوجية.

معركة منفصلة حول شاحنات القمامة

يتزامن النزاع مع مشكلة أخرى تتعلق بنظام جمع القمامة التقليدي، وأبدى المقدّس قلقه إزاء مصادرة مركبات جمع القمامة عقب توجيه اتهامات لها بإلقاء النفايات بشكل غير قانوني على الطرق العامة، ويذكر أن نحو 350 شاحنة قمامة محتجزة حاليًا، علمًا بأن كل مركبة تخدم ما يقرب من 1000 وحدة سكنية، وطالب بضرورة التمييز بوضوح بين مركبات جمع القمامة والشاحنات التي تُستخدم لإلقاء مواد البناء أو الأتربة بشكل غير قانوني.

نجيب ساويرس وشحاتة المقدس في مواجهة شخصية

وتجاوز النزاع في نهاية المطاف حدود الجدل الاقتصادي حول إعادة التدوير،  فقد انتقد رجل الأعمال نجيب ساويرس المقدّس عبر منصة إكس، واصفاً إياه بأنه نقابي غير منتخب فرض نفسه على المنصب، ورد المقدس بأنه سيكشف هوية الجهة التي تقف وراء نشر آلات جمع البلاستيك والعلب المعدنية، معتبراً أن منتقديه قد تكون لهم مصالح في هذا المشروع، في اتهام مباشر للشركة التي أهدت حي الدقي هذه الماكينات، وأكد عزمه على مواصلة الدفاع عن الأشخاص الذين وضعوا ثقتهم فيه، تحول السجال الذي بدأ حول تكنولوجيا إدارة النفايات إلى مواجهة علنية حول قضايا التمثيل والمصالح ومستقبل جامعي القمامة في مصر.

ما يريده جامعو القمامة فعليًا 

ورغم حدة اللغة المستخدمة في هذا النزاع، فإن المطلب الرئيسي للمقدّس لا يندرج تحت خانة رفض إعادة التدوير، ودعا إلى إقامة نظام متكامل لإدارة النفايات يضم جامعي القمامة بدلاً من استبدالهم، وتتمثل وجهة نظره في أنه لا يمكن التعامل مع إعادة التدوير باعتبارها المشكلة الوحيدة،إذ يجب أن يعالج النظام الشامل نفايات الطعام، والمواد الملوثة، والنفايات الطبية، والحفاضات، وغيرها من المواد التي تتخلص منها الأسر، قائلًا «صحيح أن الآلات قادرة على جمع الزجاجات، لكنها لا تستطيع بمفردها جمع بقية النفايات المنزلية».
 

المعركة الحقيقية في حي الدقي

وطرحت الآلات في حي الدقي مصحوبة بوعود جذابة، تسهيل عملية إعادة التدوير، ومكافأة السكان، والحد من تراكم النفايات في الشوارع، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن واقعٍ غير مريح، ففي نفايات مصر تكمن قيمة مالية، إذ يمكن لزجاجة بلاستيكية أن تنتقل من المنزل إلى جامع القمامة، ومنه إلى مرحلة الفرز، ثم إلى منشأة إعادة التدوير، لتصل في النهاية إلى المصنع، وفي كل مرحلة من هذه المراحل، تزداد قيمة المادة، وبدأت هذه الآلات الذكية تفرض وجودها في مستهل تلك السلسلة، فهي تقدم للسكان مكافأة مالية بسيطة، وتوفر لمشغليها إمدادًا مباشرًا بمواد قابلة لإعادة التدوير.
أما بالنسبة لجامعي القمامة، فقد تعني هذه الآلات فقدانهم لجزء من المواد التي تجعل من عملية جمع النفايات التقليدية نشاطًا مجديًا اقتصاديًا، وتتصاعد حالة الغضب، لهذه الأسباب، وتسائل عدد من العاملين في القطاع عدد من الأسئلة والتي جاء منها من يتولى جمع المواد القابلة لإعادة التدوير، ومن سيتقاضى المقابل المادي عنها، وما إذا كان التحديث التكنولوجي سيقود جامعي القمامة في مصر نحو المستقبل، أم سيدفع بهم خارج المنظومة التي ساهموا هم أنفسهم في بنائها.

وكان السؤال الأهم للعاملين في هذا المجال من يتقاضى فروق الأسعار بين السعر العادل للمواد القابلة للتدوير وبين الأسعار التي وصفوها بأنها أسعار وهمية.

اقرأ أيضًا:

ساويرس: شحاتة المقدس «عمل نفسه نقيب بالعافية».. و«الزبالين» أكثر الفئات معاناة

Short Url

search