-
واشنطن بين فخ الدين والتضخم.. تريليون دولار سنويًا فوائد تدفعها الخزانة الأمريكية للمستثمرين
-
«هرمز» و«إيران» يعيدان إشعال مخاوف إمدادات الطاقة وبرميل البترول يلامس 94 دولارًا
-
المحسوسة تصل لـ44 درجة.. الأرصاد تحذر من طقس شديد الحرارة غدًا
-
45% طاقة متجددة في 2028.. هل تتحمل شبكة الكهرباء أكبر قدرة في تاريخها؟
د. غادة محمد عامر تكتب.. الذكاء الاصطناعي لم يقتل الوظائف... لكنه غيّر قواعد اللعبة بصمت
الجمعة، 21 أغسطس 2026 05:48 م
د. غادة محمد عامر
قبل أكثر من عام، أطلق قادة كبرى شركات الذكاء الاصطناعي تحذيرات مثيرة للقلق حول مستقبل الوظائف. فمثلا توقع الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" أن يختفي نصف الوظائف الروتينية في القطاعات المكتبية، بينما ذهب نظيره في "أوبن إيه آي" إلى حد التنبؤ بزوال فئات وظيفية بأكملها من الوجود.
هذه التصريحات دفعت شركات إلى ربط قرارات تسريح موظفيها بالذكاء الاصطناعي علنًا، ودفعت طلابًا حول العالم لإعادة التفكير في مساراتهم المهنية من الأساس. لكن بعد مرور عام كامل، لم تتحقق هذه السيناريوهات الكارثية بالشكل الذي رُسم لها.
لم يحدث انهيار جماعي في الوظائف، لكن ما حدث بدلًا من ذلك أكثر مراوغة وأصعب في الرصد، فقد تغيّرت قواعد اللعبة بصمت، دون أن تُعلن الحرب رسميًا.
فالأرقام الفعلية تروي قصة مختلفة عن سردية "الكارثة"، فبحسب تحليل أجراه معهد ستانفورد لأبحاث السياسات الاقتصادية، أنه منذ ظهور ChatGPT عام 2022م لم تشهد الوظائف الأكثر عرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي ارتفاعًا ملحوظًا في نسب البطالة مقارنة بالوظائف الأقل تأثرًا به، صحيح أن معدل البطالة بين خريجي الجامعات الجدد أعلى من المتوسط الوطني الأمريكي، لكن الباحثين يشيرون إلى أن عوامل أخرى، مثل تراجع التوظيف المفرط في مرحلة ما بعد الجائحة وانتشار العمل عن بُعد، ساهمت في ذلك أيضًا وليس الذكاء الاصطناعي وحده.
حتى إن أستاذ الاقتصاد "إنريكو موريتي" من جامعة "كاليفورنيا – بيركلي" يرى أن كثيرًا من المديرين التنفيذيين يفضّلون الإشارة إلى مكاسب كفاءة الذكاء الاصطناعي بدلًا من الاعتراف بأنهم بالغوا في التوظيف سابقًا، أي أن التقنية تُستخدم أحيانًا كغطاء مريح لقرارات كانت ستُتخذ لأسباب اقتصادية بحتة.
لكن هذا لا يعني غياب الأثر الحقيقي؛ فحتى منتصف عام 2026م تم تسريح أكثر من 113 ألف موظف عبر أكثر من 179 إعلانًا صادرًا عن شركات كبرى، بمعدل يقارب 950 وظيفة تُلغى يوميًا.
ولم تعد الظاهرة حكرًا على قطاع التكنولوجيا وحده، رغم استحواذه على النصيب الأكبر منها، بل امتدت إلى المال والتجزئة والاتصالات والتصنيع، في مؤشر على تحول هيكلي لا مجرد تصحيح دوري عابر، مثلا سرّحت شركة أوراكل 30 ألف موظف، أي 18% من قوتها العاملة، لتمويل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وقلّصت شركة ميتا 8 آلاف وظيفة بالتوازي مع رفع استثماراتها في المجال إلى 145 مليار دولار خلال العام نفسه.
كذلك شركة أمازون خفّضت نحو 16 ألف وظيفة، ومايكروسوفت سرّحت أكثر من 15 ألف موظف خلال 2025 وحدها، أي 7% من قوتها العاملة. وفي مارس 2026 وحده، بلغ إجمالي الوظائف الملغاة في الولايات المتحدة أكثر من 60 ألف وظيفة، بارتفاع 25% عن الشهر السابق، وصنّفت شركة Challenger, Gray & Christmas الذكاء الاصطناعي رسميًا كسبب رئيسي في نحو ربع تقارير التسريح المقدمة.
الأثر الأعمق للذكاء الاصطناعي لا يظهر في أرقام البطالة وحدها، بل في إعادة تعريف الإنتاجية ذاتها. تشير تقارير عديدة أنه في مطلع 2026 حدث ارتفاع في إنتاجية تطوير البرمجيات بنسبة 26%، وقفزة في مخرجات التسويق والإبداع بنسبة 50%، وتحسن في سرعة حل مشكلات العملاء بنسبة 15%. وفي القطاع الطبي، انخفض وقت كتابة الملاحظات الإكلينيكية بنسبة تصل إلى 83%، مع عائد استثمار وصل في إحدى منظومات المستشفيات إلى 112%.
وكنموذج مصغّر لهذه الظاهرة تجسّد في شركة Bolt.new، حيث تمكّن فريق من ثلاثة أشخاص فقط من بناء نظام آلي لتحليل البيانات وفّر عليهم أكثر من 12 ساعة عمل أسبوعيًا، بإنتاجية عادلت فريقًا يضم ما بين 30 و40 موظفًا.
لكن المفارقة أن هذا النوع من القفزات في الكفاءة يحمل وجهًا آخر أقل احتفاءً، فكلما ارتفعت إنتاجية الفرد الواحد، قلّت حاجة الشركات لتوظيف أعداد كبيرة لإنجاز المخرجات نفسها.
فبحسب مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي 2026، يتوقع ثلث المؤسسات تقليص قوتها العاملة خلال العام المقبل بسبب الذكاء الاصطناعي، بينما توقع نحو نصفها فقط تغييرًا طفيفًا أو معدومًا.
هذا التحول لا يحدث في فراغ، بل فوق سوق عمل عالمي يعاني أصلًا من هشاشة بنيوية. فمعدل البطالة العالمي استقر ظاهريًا عند 4.9% خلال عام 2025، لكنه يخفي خلفه نحو 186 مليون عاطل عن العمل، إضافة إلى 408 ملايين شخص آخرين يعانون مما تسميه منظمة العمل الدولية فجوة العمل، أي راغبون في العمل فعليًا لكنهم لا يجدون فرصًا لائقة.
وبين الشباب تحديدًا، ارتفعت البطالة عالميًا إلى 12.4%، بما يعادل 67 مليون شاب وشابة عاطلين عن العمل. والمنطقة العربية، على وجه الخصوص، تسجل أعلى معدل بطالة شباب في العالم عند 26.2%، أي أكثر من ضعف المعدل العالمي، بينما يقع شاب واحد من كل ثلاثة في الدول العربية وشمال أفريقيا خارج نطاق العمل أو التعليم أو التدريب تمامًا.
وسط هذا المشهد، يحذّر الباحث "بول أوسترمان" من معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا من اتجاه أكثر مراوغة من فقدان الوظائف المباشر، وهو تزايد اعتماد أصحاب العمل على العاملين المستقلين والمتعاقدين بدلًا من التوظيف الدائم، وهو ما قد يترك شريحة واسعة من العمال دون مسار وظيفي واضح أو استقرار طويل الأمد.
وتشير أبحاثه إلى أن نحو 35% من القوى العاملة الأمريكية معرّضة بالفعل لسهولة الاستبدال، وأن الذكاء الاصطناعي قد يفاقم هذا الوضع مستقبلًا.
وتتوقع دراسات شركة "ماكنزي" أن يضطر واحد من كل سبعة موظفين حول العالم (نحو 14%) إلى تغيير مهنته بالكامل قبل نهاية العقد الحالي. والملاحظ أن أكثر القطاعات التي سيُتوقع فيها تقليص الوظائف هي نفسها القطاعات التي استفادت أكثر من غيرها من زيادة الإنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي، وهي: خدمات العمليات، وسلسلة التوريد، وهندسة البرمجيات!
نتيجة لهذه المخاوف المتصاعدة، بدأ عدد متزايد من العمال بالمطالبة بإدراج بنود خاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي ضمن اتفاقيات التفاوض الجماعي، في محاولة لحماية جودة وظائفهم قبل أن تتآكل تدريجيًا حتى وإن لم تختفِ دفعة واحدة. فالسؤال الذي يشغل العمال اليوم لم يعد "هل سأفقد وظيفتي؟" بقدر ما أصبح "كيف ستتغير شروط وظيفتي، ومن يقرر ذلك؟".
الذكاء الاصطناعي، إذن، لم يقتل بعض الوظائف التقليدية فقط ، لكنه بدأ فعلًا في إعادة كتابة قواعدها من حيث من يُوظَّف، وبأي شروط، وبأي مهارات، وإلى متى ؟ أسئلة لم تُطرح بصوت عالٍ، لكنها تتشكل إجاباتها الآن، بصمت، داخل كل قرار تسريح وكل عقد عمل مؤقت جديد.
أ.د غاد عامر
أستاذ بكلية الهندسة - جامعة بنها
Short Url
دكتورة نوران الرجال تكتب: من قناة عبور إلى منصة بحرية.. كيف تصنع مصر القيمة حول السفينة؟
17 أغسطس 2026 01:16 م
أكثر الكلمات انتشاراً