التضخم والقوة الشرائية في مصر خلال 8 سنوات.. صدمات الأسعار ومحاولات استعادة التوازن
الإثنين، 17 أغسطس 2026 01:59 م
التضخم والقوة الشرائية في مصر
مي المرسي
منذ تولي الدكتور مصطفى مدبولي رئاسة مجلس الوزراء في يونيو 2018، مر الاقتصاد المصري بمسار شديد التقلب في معدلات التضخم والقوة الشرائية، بدأ بانحسار تدريجي لموجة التضخم التي أعقبت تحرير سعر الصرف في 2016، ثم شهد هدوءًا نسبيًا خلال 2020 و2021، قبل أن يدخل في واحدة من أعنف موجات ارتفاع الأسعار منذ عقود، مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وخروج الاستثمارات الأجنبية من الأسواق الناشئة، ونقص العملة الأجنبية، وتراجع قيمة الجنيه.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجل متوسط التضخم الحضري 14.4% في 2018، قبل أن ينخفض إلى 9.2% في 2019، ثم إلى 5% في 2020 و5.2% في 2021. لكن الاتجاه انقلب بقوة بداية من 2022، عندما ارتفع التضخم إلى 13.9%، ثم قفز إلى نحو 33.9% في 2023، قبل أن يسجل 28.3% في 2024، وتُظهر بيانات البنك الدولي السلسلة السنوية نفسها تقريبًا، مع تسجيل التضخم 14.4% في 2018، و9.2% في 2019، و5% في 2020، و5.2% في 2021، و13.9% في 2022، و33.9% في 2023، و28.3% في 2024.
خريطة التضخم في عهد حكومة الدكتور مدبولي
السنة | معدل التضخم السنوي | ماذا حدث؟ |
|---|---|---|
| 2018 | 14.4 % | استمرار آثار إصلاحات ما بعد تعويم 2016 |
| 2019 | 9.2 % | عودة التضخم إلى خانة الآحاد |
| 2020 | 5.0 % | جائحة كورونا وانخفاض الطلب |
| 2021 | 5.2 % | استقرار نسبي قبل موجة الصدمات العالمية |
| 2022 | 13.9 % | الحرب الروسية الأوكرانية وخروج رؤوس الأموال وضغوط العملة |
| 2023 | 33.9 % | انفجار التضخم مع أزمة العملة والاستيراد |
| 2024 | 28.3 % | استمرار آثار خفض قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار |
| 2025 | 14.1 % | تراجع كبير في التضخم السنوي وفق بيانات البنك الدولي |
| 2026 | 14.3 % في يونيو | تباطؤ تدريجي مع بقاء التضخم مرتفعًا |
2018 و2019.. مرحلة احتواء التضخم
عندما بدأت حكومة مدبولي عملها في 2018، لم تكن مصر تبدأ من نقطة صفر؛ فقد كانت البلاد خارجة من موجة تضخم ضخمة أعقبت قرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016، والتي دفعت التضخم إلى 29.5% في 2017.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ التضخم الحضري 14.4% في 2018، ثم تراجع إلى 9.2% في 2019، ووفق المركز الإعلامي لمجلس الوزراء في عرضه لبيانات 2019 فإن متوسط التضخم هبط إلى خانة الآحاد لأول مرة منذ سنوات، مع إرجاع التحسن آنذاك إلى استمرار تحسن المؤشرات الاقتصادية واستقرار أسعار عدد من السلع الغذائية.
وفي 2019 اتجهت الحكومة أيضًا إلى زيادة الدخول الاسمية؛ إذ أعلنت الدولة رفع الحد الأدنى لأجور العاملين بالجهاز الإداري من 1200 جنيه إلى 2000 جنيه شهريًا اعتبارًا من العام المالي 2019 /2020، ووفقًا لرئاسة الجمهورية، جاءت الزيادة ضمن حزمة شملت أيضًا العلاوات وزيادات المعاشات وبرامج الحماية الاجتماعية.
هذه كانت أول معادلة أساسية في عهد حكومة مدبولي؛ تتمثل في خفض التضخم من ناحية، ورفع الدخول من ناحية أخرى، لكن الزيادة الاسمية في الأجر لا تعني تلقائيًا زيادة مماثلة في القوة الشرائية؛ فالمعيار الحقيقي هو مقدار ارتفاع الدخل مقارنة بمعدل ارتفاع الأسعار.
2020 و2021.. هدنة مؤقتة مع التضخم
شهد عامَا 2020 و2021 استقرارًا نسبيًا غير مسبوق مقارنة بالسنوات السابقة، إذ بلغ التضخم السنوي نحو 5% في 2020 و5.2% في 2021 وفق بيانات البنك الدولي المستندة إلى بيانات الأسعار الرسمية، وكانت جائحة كورونا أحد العوامل التي كبحت الطلب خلال هذه الفترة، بينما ساعد استقرار أسعار بعض السلع الغذائية على الحد من الضغوط السعرية، لكن هذه الفترة لا يمكن قراءتها باعتبارها نهاية مشكلة التضخم؛ بل كانت أقرب إلى هدوء مؤقت قبل صدمات أكبر.
فمع عودة الاقتصاد العالمي للنشاط، بدأت أسعار الطاقة والغذاء والشحن في الارتفاع، قبل أن تأتي الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022 لتضيف صدمة جديدة إلى الاقتصاد المصري.
2022.. بداية الانقلاب الكبير
كان عام 2022 نقطة التحول الأساسية، وبحسب صندوق النقد الدولي، أدت الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب تشديد الأوضاع المالية العالمية، إلى خروج تدفقات استثمارية من الأسواق الناشئة، من بينها مصر، ما ضغط على الجنيه وسوق الدين المحلي.
ويشير الصندوق إلى أن المستثمرين غير المقيمين سحبوا نحو 20 مليار دولار من السوق المصرية خلال الفترة الأولى من صدمة 2022، بينما انخفضت الاحتياطيات الدولية خلال الفترة من يناير إلى مارس بنحو 12.1 مليار دولار، وفي مارس 2022 سمح البنك المركزي بانخفاض قيمة الجنيه بنحو 15% ورفع أسعار الفائدة، وبحسب بيانات التضخم، ارتفع المتوسط السنوي إلى 13.9% في 2022، بعدما كان 5.2% فقط في 2021.
ماذا حدث للقوة الشرائية؟
الصدمة لم تكن في ارتفاع الأسعار فقط، وإنما في سرعة انتقالها إلى أسعار السلع والخدمات، فمصر تعتمد على استيراد جانب مهم من احتياجاتها ومدخلات إنتاجها، وبالتالي فإن تراجع قيمة الجنيه لا يؤثر فقط على السلع المستوردة، بل ينتقل إلى تكلفة الإنتاج والنقل والتخزين، ثم إلى السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
2023.. عام انفجار الأسعار
إذا كان 2022 هو عام بداية الأزمة، فإن 2023 كان عام انفجار التضخم، فبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ التضخم الحضري 38% في سبتمبر 2023، وهو أعلى مستوى مسجل في تلك الفترة، بينما بلغ التضخم العام في يونيو 35.7% وفق بيانات صندوق النقد والبنك المركزي.
ويربط صندوق النقد الدولي هذه القفزة بمجموعة من العوامل، أبرزها انخفاض قيمة الجنيه، ونقص العملة الأجنبية، ونقص بعض السلع، وارتفاع تكلفة الواردات.
والأهم أن الصندوق قدّر أن تأثير انخفاضات سعر الصرف ساهم بنحو 25% من ديناميكيات التضخم الشهري خلال الفترة من ديسمبر 2022 إلى يونيو 2023، بينما ساهم ارتفاع أسعار السلع العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد في نحو ثلث تحركات التضخم الشهرية خلال الفترة نفسها.
التضخم وأزمة تكلفة معيشة
وهنا ظهر الفارق بين التضخم كرقم اقتصادي والتضخم كما يشعر به المواطن، فعندما يرتفع التضخم من 5% إلى أكثر من 30%، لا يعني ذلك أن الأسعار ارتفعت مرة واحدة بنسبة 30% ثم توقفت؛ بل يعني أن الأسعار أصبحت ترتفع بوتيرة سريعة، بينما يحاول الدخل اللحاق بها.
2024.. التعويم الجديد ومحاولة كسر الحلقة التضخمية
دخل الاقتصاد المصري 2024 وهو يحمل آثار أزمة العملة، قبل أن يأتي 6 مارس 2024 كإحدى أهم نقاط التحول، وبحسب صندوق النقد الدولي، انتقلت مصر في مارس 2024 إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف، وانخفض السعر الرسمي للجنيه بنحو 38% في بداية توحيد سوق الصرف، ما ساهم في إغلاق الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
ويشير الصندوق إلى أن تراكم طلبات العملة الأجنبية لدى البنوك قبل توحيد سعر الصرف بلغ نحو 7 إلى 8 مليارات دولار، وتمت تسوية هذه التراكمات بعد توحيد السوق.
في المقابل، كان لهذا التحول أثر مباشر على الأسعار، وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ متوسط التضخم في 2024 نحو 28.3%، بينما سجل التضخم الحضري ذروة شهرية مرتفعة خلال العام قبل أن يبدأ مسار التراجع تدريجيًا، لكن الحكومة حاولت في الوقت نفسه تعويض جزء من أثر الأزمة على الدخول.
ففي فبراير 2024 أُعلنت حزمة حماية اجتماعية بقيمة 180 مليار جنيه، تضمنت رفع الحد الأدنى لأجور العاملين بالدولة بنسبة 50% إلى 6000 جنيه، وزيادات للعاملين في قطاعات التعليم والصحة، وزيادة المعاشات 15%، وزيادة مخصصات «تكافل وكرامة».
2025.. التضخم يتراجع.. لكن الأسعار لا تعود إلى الوراء
هنا تظهر واحدة من أهم النقاط التي يجب التوقف عندها؛ انخفاض معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، وإنما يعني فقط تباطؤ وتيرة ارتفاعها، فعلى سبيل المثال، إذا ارتفع سعر سلعة من 100 جنيه إلى 200 جنيه، ثم تراجع معدل التضخم من 30% إلى 10%، فهذا لا يعني أن سعر السلعة عاد إلى 100 جنيه، بل يعني أن السعر سيواصل الارتفاع ولكن بوتيرة أبطأ.
وبحسب بيانات البنك المركزي المصري، بلغ معدل التضخم الحضري نحو 24% في يناير 2025، قبل أن يتراجع تدريجيًا إلى 12.3% في ديسمبر من العام نفسه، وفي المقابل، اتجهت الدولة إلى رفع مستويات الدخول في محاولة لتحسين قدرة المواطنين على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة؛ فوفقًا لبيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، ارتفع الحد الأدنى لأجور العاملين بالقطاع الخاص من 2400 جنيه في يناير 2022 إلى 2700 جنيه في يناير 2023، ثم 3000 جنيه في يوليو 2023، و3500 جنيه في يناير 2024، وصولًا إلى 6000 جنيه في مايو 2024، ثم 7000 جنيه اعتبارًا من مارس 2025.
مسار الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص
التاريخ | الحد الأدنى |
|---|---|
| يناير 2022 | 2400 جنيه |
| يناير 2023 | 2700 جنيه |
| يوليو 2023 | 3000 جنيه |
| يناير 2024 | 3500 جنيه |
| مايو 2024 | 6000 جنيه |
| مارس 2025 | 7000 جنيه |
| يوليو 2026 | 8000 جنيه |
وفقًا لبيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، شهد الحد الأدنى للأجور زيادات متتالية خلال السنوات الأخيرة، في محاولة لمواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة وتحسين مستويات الدخول، لكن قراءة هذه الزيادات بمعزل عن تطورات الأسعار قد تعطي صورة غير مكتملة؛ فارتفاع الدخل الاسمي لا يعني بالضرورة ارتفاعًا مماثلًا في الدخل الحقيقي أو تحسنًا في القدرة الشرائية.
كم فقد الجنيه من قوته الشرائية؟
هنا تأتي أهمية تحويل سلسلة معدلات التضخم من نسب سنوية إلى أثر تراكمي يمكن للمواطن فهمه، فالتضخم لا يُحتسب كل عام بمعزل عن العام السابق، وإنما تتراكم الزيادات في الأسعار بمرور الوقت، وهو ما يجعل تأثيرها على القوة الشرائية أكبر بكثير مما توحي به قراءة معدل التضخم في عام واحد.
وبالاعتماد على معدلات التضخم السنوية خلال الفترة من 2018 إلى 2025، وحساب أثرها بصورة تراكمية، يتضح أن مستوى الأسعار ارتفع إلى أكثر من ثلاثة أمثال مستواه في 2018، وهذا الرقم هو حساب تحليلي مبني على تراكم معدلات التضخم السنوية، وليس رقمًا منشورًا بهذه الصيغة من مؤسسة رسمية.
ماذا يعني ذلك في حياة المواطن؟
بمعنى أكثر بساطة، إذا كانت أسرة تنفق 10 آلاف جنيه في عام 2018 لشراء سلة محددة من السلع والخدمات، فإن شراء سلة مماثلة من حيث الأوزان والأسعار في عام 2025 قد يتطلب أكثر من 30 ألف جنيه تقريبًا.
وفي الاتجاه العكسي، فإن 10 آلاف جنيه في 2025 لا تملك القوة الشرائية نفسها التي كانت تتمتع بها في 2018؛ إذ تعادل، بصورة تقريبية، نحو 3.2 آلاف جنيه بأسعار 2018 وفق هذا الحساب التراكمي، لكن هذا الحساب يظل تقديريًا؛ لأن معدل التضخم الرسمي يعكس متوسط تغير أسعار سلة واسعة من السلع والخدمات، بينما تختلف أنماط الإنفاق من أسرة إلى أخرى، فأسرة تنفق الجزء الأكبر من دخلها على الغذاء، على سبيل المثال، ستواجه أثرًا مختلفًا عن أسرة تنفق نسبة أكبر على التعليم أو السكن أو النقل.
لماذا قد يشعر المواطن بتضخم أعلى من الرقم الرسمي؟
وهنا تظهر فجوة مهمة بين التضخم المقاس إحصائيًا والتضخم الذي يشعر به المواطن في حياته اليومية، فمؤشر أسعار المستهلكين يقيس تغير تكلفة سلة من السلع والخدمات وفق أوزان محددة، بينما لا تستهلك كل الأسر السلة نفسها بالنسب ذاتها.
فالأسر الأقل دخلًا، على سبيل المثال، يذهب جزء أكبر من إنفاقها عادةً إلى الغذاء والمشروبات والسكن والنقل والطاقة والعلاج والتعليم. وبالتالي، فإن ارتفاع أسعار بند واحد يمثل نسبة كبيرة من ميزانية الأسرة يمكن أن يكون تأثيره عليها أكبر بكثير من تأثيره على متوسط التضخم العام.
ولهذا السبب، فإن انخفاض التضخم إلى 12% أو 14% لا يعني أن الأسعار انخفضت، ولا يعني بالضرورة أن المواطن شعر بتحسن مماثل في مستوى معيشته؛ بل يعني أن الأسعار ما زالت ترتفع، ولكن بوتيرة أبطأ من السابق.
والفارق هنا جوهري؛ التضخم يقيس سرعة ارتفاع الأسعار، بينما القوة الشرائية تقيس ما يستطيع الدخل فعليًا شراءه بعد احتساب هذه الزيادات، لذلك، فإن الحكم على تحسن معيشة المواطن لا يمكن أن يعتمد على انخفاض التضخم وحده، وإنما يجب أن يُقرأ إلى جانب تطور الأجور والدخل الحقيقي وأسعار السلع والخدمات الأساسية.
2026.. التضخم يهدأ ولكن المعركة لم تنتهِ
دخلت مصر 2026 بمسار تضخمي أفضل بكثير من 2023 و2024، فبحسب البنك المركزي المصري، تراجع التضخم الحضري من 12.3% في ديسمبر 2025 إلى 11.9% في يناير 2026، قبل أن يرتفع إلى 13.4% في فبراير، ثم 15.2% في مارس، ويعود إلى 14.9% في أبريل، و14.6% في مايو، و14.3% في يونيو.
التضخم الحضري خلال 2026
الشهر | التضخم السنوي |
|---|---|
| يناير | 11.9 % |
| فبراير | 13.4 % |
| مارس | 15.2 % |
| أبريل | 14.9 % |
| مايو | 14.6 % |
| يونيو | 14.3 % |
| يوليو | 14.9 % |
المصدر: البنك المركزي المصري، استنادًا إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
واللافت أن يونيو شهد انخفاضًا شهريًا في الأسعار بنسبة 0.4% في المدن، بينما ظل التضخم السنوي عند 14.3%، وهذه نقطة مهمة جدًا؛ فالأسعار في يونيو انخفضت مقارنة بمايو، لكن مستوى الأسعار ظل أعلى بنحو 14.3% من مستواه قبل عام.
لماذا قد يعود التضخم للارتفاع في النصف الثاني من 2026؟
وفقًا للبنك المركزي المصري، من المتوقع أن يتسارع التضخم السنوي خلال الربع الثالث من 2026، قبل أن يعود إلى مسار هبوطي تدريجي، ويرجع البنك المركزي ذلك جزئيًا إلى أثر سنة الأساس، إلى جانب استمرار المخاطر المرتبطة بأسعار الطاقة والصدمات الجيوسياسية وسعر الصرف.
ويستهدف البنك المركزي الوصول بالتضخم إلى 7% ±2 نقطة مئوية في المتوسط خلال الربع الرابع من 2026، مع توقع الوصول إلى المعدلات المستهدفة خلال النصف الثاني من 2027 وفق مساره المعلن في يوليو 2026.
لكن صندوق النقد الدولي كان أكثر حذرًا في تقييم مسار 2026، ففي اتفاق الخبراء الخاص بالمراجعة السابعة، قال الصندوق إن التضخم الحضري بلغ 14.6% في مايو 2026، وتوقع ارتفاعه إلى 15.8% بنهاية السنة المالية، مشيرًا إلى تأثير ارتفاع أسعار الطاقة وأثر سعر الصرف، إضافة إلى تأثيرات سنة الأساس.
الطاقة.. الحلقة التي تهدد مكاسب خفض التضخم
أحد أهم مصادر الضغط على القوة الشرائية خلال المرحلة المقبلة هو إصلاح أسعار الطاقة، ووفقًا لصندوق النقد الدولي، اتجهت الحكومة إلى إزالة الدعم عن عدد من منتجات الوقود والعودة إلى آلية تسعير تلقائي تهدف إلى وصول الأسعار إلى مستويات استرداد التكلفة، مع استمرار إجراءات حماية الفئات الأكثر تعرضًا لتداعيات ارتفاع الأسعار.
وأوضح الصندوق أن الحكومة تدرك الضغوط التي تحملتها الأسر الأكثر احتياجًا نتيجة انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع التضخم وإصلاحات دعم الوقود والكهرباء، كما أشار الصندوق في مراجعاته إلى أن زيادات أسعار الوقود والكهرباء جزء من الإصلاح المالي، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تولد ضغوطًا تضخمية مباشرة وغير مباشرة، لأنها ترفع تكلفة النقل والإنتاج والخدمات.
ماذا فعلت الحكومة لمواجهة تآكل القوة الشرائية؟
يمكن تقسيم تدخلات حكومة مدبولي إلى 4 أدوات رئيسية:
الأداة | الهدف | أمثلة |
|---|---|---|
| رفع الأجور | تعويض جزء من ارتفاع الأسعار | رفع الحد الأدنى للقطاع الخاص إلى 7000 جنيه في 2025 |
| زيادة المعاشات | حماية أصحاب الدخول الثابتة | زيادة المعاشات 15% ضمن حزمة 2024 |
| الدعم والحماية الاجتماعية | تخفيف أثر التضخم | تكافل وكرامة، دعم الغذاء والطاقة |
| السياسة النقدية | كبح الطلب والتضخم | رفع الفائدة ثم الإبقاء عليها عند مستويات مقيدة |
وفي موازنة 2024 /2025، خصصت وزارة المالية 635.9 مليار جنيه للدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، مقابل 529.7 مليار جنيه في العام السابق، بزيادة سنوية تقارب 20%، وشملت المخصصات 134.2 مليار جنيه لدعم الغذاء و154.5 مليار جنيه لدعم المنتجات البترولية.
وفي 2025 /2026، ارتفعت مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في مشروع الموازنة إلى 742.6 مليار جنيه، بحسب وزارة المالية، مع تخصيص 160 مليار جنيه لدعم الغذاء والخبز، و75 مليار جنيه لدعم المنتجات البترولية، و75 مليار جنيه لدعم الكهرباء.
لكن هل نجحت هذه الإجراءات في استعادة القوة الشرائية؟، الإجابة تحتاج إلى فصلين: نعم جزئيًا في الدخل الاسمي، ولا بالكامل في القوة الشرائية.
فالحد الأدنى لأجور القطاع الخاص ارتفع من 2400 جنيه في 2022 إلى 7000 جنيه في 2025، أي بزيادة اسمية تقارب 192%، وفقًا لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، لكن في المقابل، شهد الاقتصاد خلال الفترة نفسها موجات تضخم ضخمة، خصوصًا في 2022 و2023 و2024.
وبالتالي، فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس: هل زاد الأجر؟ وإنما: هل زاد الأجر بوتيرة أسرع من ارتفاع الأسعار؟ فزيادة الأجور من الناحية الاسمية لا تعني بالضرورة تحسنًا في مستوى معيشة المواطن، إذ يتوقف أثرها الحقيقي على قدرتها على مواكبة الارتفاع المتراكم في أسعار السلع والخدمات. ومن هنا، فإن قياس تحسن القوة الشرائية يتطلب مقارنة نمو الدخول بمعدل ارتفاع الأسعار، وليس النظر إلى الزيادة في الأجور بمعزل عن التضخم.
صندوق النقد: الاقتصاد استعاد الاستقرار.. لكن المواطن ما زال تحت الضغط
في أحدث تقييماته للاقتصاد المصري، يرى صندوق النقد الدولي أن مصر قطعت شوطًا مهمًا في استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي، مدفوعة بتحسن تدفقات النقد الأجنبي، ومرونة أكبر في سوق الصرف، وتشديد السياسة النقدية، إلى جانب تراجع معدلات التضخم عن المستويات القياسية التي سجلتها خلال السنوات السابقة.
وبحسب تقييم الصندوق، أسهم تشديد السياسة النقدية في خفض التضخم والحد من الضغوط المرتبطة بارتفاع تكلفة المعيشة، بينما ساعدت مرونة سعر الصرف وتحسن تدفقات النقد الأجنبي في تخفيف الاختلالات التي عانى منها سوق الصرف وتحسين الوضع الخارجي للاقتصاد، لكن استعادة الاستقرار على مستوى المؤشرات الكلية لا تعني أن الضغوط على الأسر انتهت. فالتضخم، رغم تراجعه، لا يزال عند مستويات مرتفعة نسبيًا، ما يعني استمرار ارتفاع المستوى العام للأسعار، وإن بوتيرة أبطأ من ذروة التضخم.
وفي الوقت نفسه، يشير صندوق النقد الدولي في تقييمه لعام 2026 إلى استمرار ارتفاع مستويات الدين العام وتكلفة خدمته، وهو ما يحد من المساحة المالية المتاحة أمام الحكومة لتوسيع الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية والدعم الموجه للفئات الأكثر احتياجًا.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في المشهد الاقتصادي المصري: المؤشرات الكلية تتحسن، لكن المواطن لا يشعر بالضرورة بالتحسن بالسرعة نفسها. فالاقتصاد قد يستعيد توازنه من خلال ضبط التضخم وسوق الصرف والمالية العامة، بينما تحتاج القوة الشرائية للأسر إلى فترة أطول حتى تستعيد جزءًا مما فقدته، خصوصًا بعد موجات ارتفاع الأسعار المتتالية.
لذلك، فإن نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي لا يُقاس فقط بتراجع التضخم أو استقرار سوق الصرف، وإنما أيضًا بمدى انعكاس هذا الاستقرار على الدخل الحقيقي، والقدرة الشرائية، وتكلفة المعيشة، ومستوى الخدمات والحماية الاجتماعية.
الخط الزمني للأزمة
المرحلة | التضخم | العامل الأساسي | الأثر على المواطن |
|---|---|---|---|
| 2018–2019 | 14.4 % ← 9.2 % | استقرار بعد إصلاحات 2016 | تحسن نسبي |
| 2020–2021 | نحو 5% | كورونا وضعف الطلب | استقرار سعري نسبي |
| 2022 | 13.9 % | حرب أوكرانيا وخروج الأموال الساخنة | بداية ضغط قوي |
| 2023 | 33.9 % متوسطًا و38% في سبتمبر | العملة ونقص الدولار والواردات | تآكل حاد للدخل الحقيقي |
| 2024 | 28.3 % | خفض قيمة الجنيه وإصلاحات الأسعار | استمرار فقدان القوة الشرائية |
| 2025 | تراجع واضح | تحسن سوق الصرف وتشديد نقدي | بداية استقرار نسبي |
| 2026 | 14.3 % في يونيو | انحسار الضغوط مع استمرار مخاطر الطاقة | التضخم يهدأ لكن الأسعار مرتفعة |
المصادر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، البنك المركزي المصري، صندوق النقد الدولي، البنك الدولي.
يمكن اختصار تجربة التضخم والقوة الشرائية خلال سنوات حكومة مدبولي في ثلاث مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى: 2018–2021 ـ الاستقرار.
نجحت السياسات الاقتصادية في خفض التضخم من 14.4% في 2018 إلى نحو 5% في 2020، وظل التضخم منخفضًا نسبيًا في 2021.
المرحلة الثانية: 2022–2024 ـ الصدمة.
الحرب الروسية الأوكرانية، وخروج رؤوس الأموال، وأزمة العملة، وانخفاض قيمة الجنيه، ونقص مستلزمات الإنتاج، ثم إعادة ضبط سعر الصرف في مارس 2024، دفعت التضخم إلى مستويات تاريخية، ووصل التضخم الحضري إلى 38% في سبتمبر 2023.
المرحلة الثالثة: 2025 ـ النصف الثاني من 2026 ـ استعادة السيطرة دون استعادة كاملة للقوة الشرائية.
انخفض التضخم من مستويات تتجاوز 30% إلى 12.3% في ديسمبر 2025 ثم 14.3% في يونيو 2026، مع تحسن سوق الصرف وتشديد السياسة النقدية، لكن انخفاض التضخم لم يمحُ الارتفاعات السعرية التي حدثت خلال السنوات السابقة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الاقتصاد المصري؛ الحكومة نجحت بدرجة كبيرة في الانتقال من أزمة ارتفاع سريع جدًا في الأسعار إلى مرحلة تباطؤ في التضخم، لكن المواطن لا يزال يتعامل مع مستوى أسعار أعلى بكثير مما كان عليه قبل موجة 2022– 2024.
وهنا تكشف هذه الأرقام أن قصة التضخم في مصر خلال الفترة من 2018 وحتى النصف الثاني من 2026 ليست قصة ارتفاع ثم تراجع في معدلات التضخم، وإنما قصة تغير عميق في القوة الشرائية، فانتقال التضخم من 33.9% في 2023 إلى 14.3% في يونيو 2026 يمثل تحسنًا واضحًا في سرعة ارتفاع الأسعار، لكنه لا يمحو الزيادات التي تراكمت على مدى سنوات، ولذلك، فإن المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بخفض التضخم، وإنما بترجمة الاستقرار الاقتصادي إلى تحسن ملموس في الدخل الحقيقي وقدرة المواطن على شراء احتياجاته الأساسية، فنجاح السياسات الاقتصادية لا يُقاس فقط بانخفاض رقم التضخم، بل بهل أصبح الجنيه الذي يحصل عليه المواطن اليوم قادرًا على شراء المزيد، أم أن الأسعار لا تزال تلتهم الجزء الأكبر من أي زيادة في دخله؟
اقرأ أيضًا:
ارتفاع أسعار الفضة اليوم في مصر وعيار 999 يسجل 103.75 جنيهًا
أسعار الذهب اليوم في مصر.. عيار 21 يسجل 6,255 جنيهًا
إنفيديا تدرس استثمار 3 مليارات دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
سعر خام برنت يرتفع لـ88.60 دولار.. ومكاسب أسبوعية تقترب من 6%
تقارير: التضخم يجمّد خفض الفائدة في مصر.. والتثبيت خيار أمثل حتى نهاية 2026
Short Url
المغرب في مقدمة أكبر الدول امتلاكا لاحتياطي استراتيجي من الفوسفات ومصر في المركز الثالث
17 أغسطس 2026 12:00 م
5.32 مليار دولار.. صناعة زراعة الأسنان تواصل النمو بدعم من كبار السن
17 أغسطس 2026 10:26 ص
«أنثروبيك» تكشف سر العلامات المائية في «كلود» وكيف يمكن إزالة أثر الذكاء الاصطناعي
16 أغسطس 2026 01:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً