الأحد، 16 أغسطس 2026

02:14 م

حرب إيران تستنزف احتياطي النفط الأمريكي.. مخاوف من تهديد سلامة كهوف التخزين

الأحد، 16 أغسطس 2026 01:26 م

نفط _ صورة أرشيفية

نفط _ صورة أرشيفية

محمد ممدوح

تواجه منظومة الاحتياطي البترولي الاستراتيجي في الولايات المتحدة ضغوطاً متزايدة مع تسارع عمليات إخراج الخام منه لتعويض تداعيات الحرب مع إيران، بعدما اقتربت الكميات المخزنة من مستويات لم تشهدها أمريكا منذ أكثر من أربعة عقود، ويرى المتخصصون في قطاع الطاقة  وفق رويترز، أن استمرار عمليات السحب بوتيرة مرتفعة يمدت تأثيرة إلى البنية الجيولوجية للكهوف الملحية التي تحتفظ بالنفط داخلها، ويثير هذا الاحتمال مخاوف بشأن قدرة واشنطن على استخدام الاحتياطي بكفاءة خلال أزمات إمدادات مقبلة.

ويضم الاحتياطي الأمريكي نحو 60 كهفاً ملحياً موزعة على أربعة مجمعات رئيسية في تكساس ولويزيانا، وتوجد هذه المنشآت على أعماق كبيرة تحت سطح الأرض، حيث جرى الاعتماد عليها لعقود باعتبارها خط الدفاع الرئيسي للولايات المتحدة أمام صدمات سوق النفط.
 

المخزون يهبط دون حاجز 300 مليون برميل


أظهرت أرقام وزارة الطاقة الأمريكية انخفاض حجم الخام المخزن داخل الاحتياطي إلى أقل من 300 مليون برميل، في أول مرة يصل فيها إلى هذا المستوى منذ مرحلة تأسيسه وملئه خلال أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وجاء التراجع بعدما أُخرج نحو 172 مليون برميل بهدف تعويض اضطرابات الإمدادات التي نتجت عن الحرب الإيرانية، فيما تشير التقديرات إلى إمكانية وصول إجمالي المخزون إلى قرابة 243 مليون برميل بعد انتهاء عمليات السحب الحالية، وتعيد هذه المستويات إحياء نقاش قديم حول الحدود التي يمكن عندها مواصلة استخدام الاحتياطي من دون التأثير في سلامة منشآته وقدرته على العمل بكفاءة.

وكانت وزارة الطاقة قد أشارت في وقت سابق إلى ضرورة الاحتفاظ بما لا يقل عن 70 مليون برميل لضمان تشغيل الكهوف بصورة آمنة، إلا أن آموس هوكستين، مستشار الطاقة للرئيس الأمريكي جو بايدن، اعتبر أن التعامل مع هذا الرقم باعتباره حداً عملياً آمناً ليس واقعياً، ويرى هوكستين أن الوصول إلى 70 مليون برميل سيجعل مهمة إعادة بناء المخزون لاحقاً شديدة التعقيد، محذراً في الوقت نفسه من أن استمرار التراجع إلى مستويات أقل من 300 مليون برميل قد يخلق مخاطر مرتبطة بالمنشآت نفسها.

خلاف حول سلامة الكهوف

تدافع وزارة الطاقة عن سلامة منشآت الاحتياطي، مؤكدة أن الكهوف تظل مملوءة باستمرار، وأن التغيير الأساسي يحدث في التوزيع النسبي بين النفط والمياه الموجودة داخلها، وتتعامل الإدارة الأمريكية مع الاحتياطي باعتباره أحد مكونات الأمن القومي، نظراً إلى دوره في مواجهة الصدمات المفاجئة التي قد تهدد سوق الطاقة.

لكن التحذيرات المتعلقة بالبنية التحتية لا تقتصر على تيار سياسي بعينه، إذ أثار أعضاء من الحزب الجمهوري في السابق تساؤلات حول آثار عمليات السحب الكبيرة التي نفذتها إدارة بايدن بعد اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، عندما جرى الإفراج عن نحو 180 مليون برميل، ورغم تمكن الحكومة من رفع المخزون مجدداً إلى قرابة 415 مليون برميل قبل اندلاع الحرب مع إيران، فإن عمليات السحب الأخيرة دفعت الكميات المتاحة إلى الانخفاض بصورة حادة.

دورات السحب قد تؤثر في هندسة الكهوف

أضاف تقرير لمكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي، صدر في مايو، بعداً فنياً إلى المخاوف القائمة، إذ أشار إلى أن تكرار عمليات تفريغ الكهوف ثم إعادة ملئها يمكن أن يؤدي إلى تعرض أجزاء معينة من بنيتها للتآكل بصورة متكررة، وقد ينتج عن هذه العملية تغير في الشكل الداخلي للكهوف لا يتوافق مع التصميم الهندسي المرغوب، خصوصاً مع تكرار دورات التشغيل على مدار سنوات طويلة،  ومع ذلك، أظهر تقييم المكتب أن معظم الكهوف كانت في وضع وصفه التقرير بأنه جيد جداً عقب عمليات السحب التي تمت عام 2022.

لكن التقرير لفت إلى أن كل عملية تفريغ وإعادة تعبئة يمكن أن تزيد الأبعاد الداخلية للكهف، كما تقلل المسافات الموجودة بين التجاويف داخل القباب الملحية، وهو ما قد ينعكس سلباً على قدرتها على الاستمرار لفترات طويلة.
 

الحد الأدنى النظري لا يعني التشغيل الآمن

يفرق سيدهارث ميسرا، أستاذ هندسة البترول في جامعة تكساس إيه آند إم، بين الحد الذي يسمح للمنشأة بالعمل من الناحية الفيزيائية وبين المستوى الذي يمكن عنده تشغيل الاحتياطي بصورة عملية وآمنة، وأوضح أن رقم 70 مليون برميل يرتبط بالحاجة إلى إبقاء أنابيب الإنتاج مغمورة داخل طبقة النفط، بما يمنع وصول المياه إليها، غير أن تقديره للحد التشغيلي الأكثر واقعية يتراوح بين 250 و300 مليون برميل، ما يعني أن مستويات المخزون الحالية تقترب من نطاق قد ترتفع فيه التحديات المرتبطة بالسلامة والقدرة على استخراج الخام بسرعة.

ويشير «ميسرا» إلى أن انخفاض الكمية عن حاجز 300 مليون برميل لا يؤدي فقط إلى تقليص الطاقة المتاحة للاحتياطي أثناء الطوارئ، وإنما يمكن أن يرفع أيضاً احتمالات تعرض أنظمة الضخ والاستخراج للأضرار، ومع تقلص سماكة النفط وارتفاع الرواسب باتجاه مناطق السحب، تصبح الأنابيب والمضخات أكثر عرضة للمشكلات التشغيلية، الأمر الذي قد يحد من سرعة إخراج الخام عندما تكون الحاجة إليه في ذروتها.
 

أربعة عقود من التشغيل ترفع الضغوط
 

تعود المخاوف أيضاً إلى الطريقة التي جرى بها تشغيل الكهوف على مدار العقود الماضية، وبحسب «ميسرا»، يؤدي استخدام المياه العذبة أثناء عمليات الإخراج السريع للخام إلى إذابة أجزاء من الجدران الملحية، الأمر الذي يمكن أن يؤثر في الأعمدة الملحية التي تفصل بين التجاويف ويزيد الضغوط الواقعة على بنيتها، وصُمم الاحتياطي في الأساس للتعامل مع خمس دورات كاملة من السحب، إلا أن الاستخدام الفعلي خلال العقود الأربعة الماضية تجاوز هذا التصور بكثير، بعدما خضع لعشرات العمليات الكبيرة والصغيرة، ويرى ميسرا أن تكرار هذه العمليات ترك آثاراً تراكمية داخل الكهوف، من بينها تغيرات في أشكالها الداخلية، إلى جانب زيادة تساقط الكتل الملحية من الأسقف وتراجع متانة بعض أجزاء الهيكل.
وأظهر تقرير مكتب المحاسبة الحكومي أن مسؤولي وزارة الطاقة يعتمدون في بعض الحالات على إجراءات مؤقتة للحفاظ على المنشآت وتشغيلها، مشيرًا إلى أن أكثر من ربع المخزون لم يكن قابلاً للاستخراج حتى ديسمبر 2025، بسبب أعمال صيانة أو مشكلات عطلت عدداً من الكهوف.


الأعاصير تضيف خطراً جديداً

لا تتوقف المخاطر عند مستوى المخزون أو الحالة الهندسية للكهوف، إذ قد تتفاقم الضغوط في حال تعرض مناطق التخزين والإنتاج لظروف جوية قاسية، وقدّر محللو رابيدان إنرجي ما وصفوه بـالحد الأدنى المرن للاحتياطي بنحو 170 مليون برميل، وهو المستوى الذي قد تبدأ عنده القيود المرتبطة بسلامة الكهوف وطاقة الضخ في منع تنفيذ عمليات سحب إضافية بالسرعة المطلوبة، ويكتسب هذا السيناريو أهمية خاصة مع موسم الأعاصير، نظراً إلى تمركز جزء أساسي من البنية التحتية للاحتياطي في ساحل الخليج.

وحذر هوكستين من أن تعرض لويزيانا أو فلوريدا لإعصار قوي في ظل مستويات التخزين الحالية قد يضع الولايات المتحدة أمام اختبار صعب في إدارة إمدادات الطاقة، ولا يعني انخفاض الاحتياطي إلى ما دون 300 مليون برميل استحالة الاستفادة منه، بحسب هوكستين، لكنه قد يجعل عملية إخراج الخام أبطأ ويرفع مستوى المخاطر المرتبطة بالتشغيل، وبذلك، تتحول أزمة الاحتياطي النفطي الأمريكي من مجرد مسألة تتعلق بحجم المخزون المتاح إلى تحدٍ أكثر تعقيداً يرتبط بسلامة البنية التحتية، وسرعة الاستجابة للطوارئ، وقدرة واشنطن على إعادة بناء مخزونها الاستراتيجي مستقبلاً.

اقرأ أيضًا:

«جي.إم.إس» تحصل على موافقة أمريكية لإعادة تدوير ناقلتي نفط مصادرتين

 

Short Url

search