الخميس، 13 أغسطس 2026

12:56 م

«من الحقل للمصنع».. كيف ينقذ التصنيع الزراعي المحاصيل من الهالك ويضاعف القيمة المضافة؟

الخميس، 13 أغسطس 2026 11:35 ص

التصنيع الزراعي

التصنيع الزراعي

هدير جلال

لم يعد التحدي أمام القطاع الزراعي مرتبطًا فقط بزيادة حجم الإنتاج، وإنما أصبح الحفاظ على المحصول بعد خروجه من الأرض وتحويله إلى قيمة اقتصادية حقيقية أحد الملفات المهمة، خاصة مع ارتفاع معدلات الفاقد في المحاصيل سريعة التلف.

إطالة العمر التسويقي للمحاصيل

وتبرز قيمة التصنيع الزراعي كإحدى الأدوات التي يمكن أن تساهم في تقليل خسائر ما بعد الحصاد، واستيعاب جزء من فائض الإنتاج، وإطالة العمر التسويقي للمحاصيل، فضلًا عن خلق منتجات جديدة ذات قيمة مضافة وفرص عمل مرتبطة بالصناعات الغذائية.

التصنيع الزراعي

ووفقًا لأحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، بلغ متوسط الفاقد الغذائي عالميًا خلال المراحل التي تبدأ بعد الحصاد مرورًا بالنقل والتخزين وتجارة الجملة والتجهيز نحو 13.3% في عام 2023، مقابل 13% في عام 2015.

الفاكهة والخضروات في صدارة مجموعات السلع الغذائية من حيث الفاقد

وتكشف بيانات المنظمة عن تفاوت كبير بين أنواع المنتجات، إذ جاءت الفاكهة والخضروات في صدارة مجموعات السلع الغذائية من حيث الفاقد، بنسبة بلغت 25.4% في عام 2023، مقارنة بـ23.2% في عام 2015، وهو ما يرتبط بطبيعتها سريعة التلف واحتياجاتها المرتفعة في عمليات التداول والمناولة.

أهمية التصنيع الزراعي

وهنا تبرز أهمية التصنيع الزراعي، خاصة للمحاصيل التي يصعب تخزينها لفترات طويلة، إذ يمكن توجيه جزء من الإنتاج إلى التصنيع بدلًا من طرح كامل الكميات في الأسواق خلال فترة قصيرة، بما يساعد على الحد من الفاقد والاستفادة من المحصول بدلًا من تعرضه للتلف.

وتوضح منظمة «فاو» أن الفاقد الغذائي لا يرتبط بمرحلة واحدة، وإنما يمكن أن يحدث خلال سلسلة طويلة تبدأ من الحصاد، ثم عمليات ما بعد الحصاد والتخزين والنقل، وصولًا إلى التجهيز وتجارة الجملة.

وترى المنظمة أن الحصول على بيانات دقيقة عن كل مرحلة من مراحل سلسلة القيمة يساعد في تحديد نقاط الفاقد وتوجيه الاستثمارات والحلول إلى الأماكن الأكثر احتياجًا.

وفي مصر، تكشف بيانات ومشروعات منظمة الأغذية والزراعة عن حجم التحدي المرتبط بفقد المحاصيل الزراعية، خاصة الفاكهة والخضروات.

ووفقًا لمنظمة «فاو»، فإن تقديرات أحد مشروعاتها في مصر تشير إلى أن نسب الفاقد من الخضروات والفاكهة تتراوح بين 45% و55% من الإنتاج السنوي، فيما قدرت المنظمة الفاقد الكمي في محصول العنب بأكثر من 45%، بينما تجاوزت النسبة 50% في محصول الطماطم عبر مراحل الإنتاج والتجارة بالجملة والتجزئة، إلى جانب خسائر مرتبطة بجودة المنتج.

تطوير سلاسل القيمة والتصنيع الزراعي

وكشفت هذه الأرقام عن حجم الفرصة التي يمكن يوفرها تطوير سلاسل القيمة والتصنيع الزراعي، خاصة في المحاصيل التي تشهد إنتاجًا موسميًا وفائضًا خلال فترات الذروة.

وتقدم الطماطم نموذجًا عمليًا على إمكانية استخدام التصنيع في الحد من الفاقد، حيث أوضحت منظمة «فاو» أنه تم إنشاء وحدة لتجفيف الطماطم في النوبارية ضمن مشروع الحد من الفاقد والهدر الغذائي وتطوير سلاسل القيمة في مصر.

وأشارت المنظمة إلى أن تجفيف الطماطم يمثل وسيلة للحد من الخسائر وخلق قيمة مضافة محلية، كما يمكن أن يسمح بإطالة فترة تخزين المنتج بدلًا من ارتباط تسويقه بفترة الحصاد والإنتاج.

ووفقًا لـ«فاو»، يمكن أن تصل فترة تخزين الطماطم المجففة إلى عامين، وهو ما يتيح التعامل بصورة أفضل مع فائض الإنتاج وتقليل تأثير زيادة المعروض على الأسعار، إلى جانب فتح قنوات وأسواق تسويقية جديدة.

كما نفذت منظمة الأغذية والزراعة بالتعاون مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي مشروعًا للحد من الفاقد والهدر الغذائي وتطوير سلاسل القيمة في مصر خلال الفترة من 2015 إلى 2019، بميزانية بلغت نحو 2.3 مليون دولار.

وركز المشروع على مراحل ما بعد الحصاد والتسويق والتصنيع، بهدف جعل سلاسل القيمة أكثر تنظيمًا وشمولًا لصغار المزارعين وأكثر قدرة على توليد القيمة المضافة وخلق فرص عمل في الصناعات الزراعية والأنشطة المرتبطة بها.

واستهدف المشروع بصورة رئيسية سلاسل قيمة الطماطم والعنب في مناطق بالنوبارية والشرقية، مع تقديم دعم فني وتسويقي وبنية أساسية للجهات العاملة في هذه السلاسل.

وكشفت «فاو» في ختام المشروع عن تدريب 7895 مزارعًا وعاملًا وتاجرًا إلى جانب فئات أخرى على آليات تقليل الفاقد والهدر خلال مرحلة ما بعد الحصاد.

وشملت البرامج 4513 مستفيدًا في سلسلة الطماطم و2157 مستفيدًا في سلسلة العنب، إلى جانب إنشاء وحدة لتصنيع الطماطم المجففة ووحدة لمعالجة العنب والزبيب.

وتؤكد هذه التجربة أن التصنيع لا يعمل منفصلًا عن الزراعة، وإنما يحتاج إلى تطوير السلسلة بأكملها، بدءًا من طريقة الإنتاج والحصاد، مرورًا بالفرز والتداول، وانتهاءً بالتصنيع والتسويق.

ووفقًا لمنظمة «فاو»، فإن الخسارة الاقتصادية لا تعني بالضرورة اختفاء المحصول بالكامل، فقد يصل المنتج إلى السوق بكميات كبيرة لكنه يفقد جزءًا من جودته نتيجة سوء التداول أو النقل أو التخزين، وبالتالي تنخفض قيمته السعرية.

ومن هنا يصبح التصنيع إحدى الأدوات التي تسمح بتحويل المنتج إلى صورة أكثر استقرارًا وأطول عمرًا، بدلًا من ارتباط تسويقه بفترة قصيرة.

فالطماطم يمكن تحويلها إلى منتجات مصنعة أو مجففة، والعنب إلى زبيب ومنتجات أخرى، كما يمكن توجيه العديد من الفاكهة والخضروات إلى التجميد أو التجفيف أو العصائر والمركزات وغيرها من الصناعات.

ولا تقتصر جهود الحد من الفاقد على إنشاء وحدات التصنيع، إذ اتجهت منظمة الأغذية والزراعة أيضًا إلى استخدام التكنولوجيا والبيانات لتحديد أماكن الخسائر.

ووفقًا لـ«فاو»، أطلقت المنظمة في عام 2023 تطبيق «FLAPP»، وهو أداة مجانية تعتمد على البيانات لمساعدة المزارعين والشركات والجمعيات والتعاونيات في تحديد وتحليل الفاقد عبر سلسلة القيمة.

وتستخدم الأداة حاليًا في أكثر من 38 دولة وتدعم 13 محصولًا رئيسيًا، من بينها الطماطم والذرة والأرز والقمح والفاصوليا والفول السوداني.

وتسمح الفكرة بتحديد المرحلة التي يحدث فيها الفاقد، سواء داخل الحقل أو بعد الحصاد أو أثناء النقل والتخزين، بما يساعد على توجيه الحلول والاستثمارات بصورة أكثر دقة.

لكن التصنيع الزراعي لا يعني تلقائيًا أن أرباح المزارع ستتضاعف، إذ تتوقف استفادته على شكل العلاقة التعاقدية مع المصنع، وسعر شراء المحصول، وتكاليف الإنتاج والنقل، وجودة المنتج، ونسبة المزارع من القيمة التي تتحقق بعد التصنيع.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام مصر لا يتمثل فقط في زيادة عدد المصانع، وإنما في بناء سلسلة قيمة متكاملة تربط المزارع بالمصنع، وتضمن مواصفات واضحة للمحصول وأسعارًا عادلة وآلية توريد مستقرة.

وتوضح التجربة المصرية التي وثقتها منظمة «فاو» أن مواجهة الفاقد يمكن أن تتحول إلى فرصة اقتصادية، إذا جرى التعامل مع المحصول باعتباره جزءًا من سلسلة تبدأ في الحقل ولا تنتهي عند بيع المنتج الخام.

فكل طن يتم إنقاذه من التلف يعني الحفاظ على جزء من تكلفة الإنتاج والمياه والأسمدة والطاقة التي استُخدمت لإنتاجه، بينما تحويله إلى منتج مصنع يفتح الباب أمام التخزين لفترة أطول، والتسويق في أسواق مختلفة، وخلق وظائف وصناعات مرتبطة به.

وبالتالي، فإن شعار «من الحقل للمصنع» لا يعني مجرد نقل المحصول من المزرعة إلى خط الإنتاج، وإنما يعني الانتقال من مفهوم «كم أنتجنا؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «كم حافظنا على قيمته وحولناه إلى دخل وفرص عمل وقيمة مضافة؟».

وهنا يصبح التصنيع الزراعي أحد المفاتيح المهمة لتقليل الهالك، وتحقيق استفادة أكبر من الإنتاج الزراعي، ودعم المزارع والاقتصاد في الوقت نفسه.

Short Url

search