الأربعاء، 02 سبتمبر 2026

11:53 ص

فاتورة الشحن الأخضر.. النقل البحري يدخل عصر "عقوبات الكربون" الإلزامية

الأربعاء، 02 سبتمبر 2026 10:30 ص

انبعاثات السفن

انبعاثات السفن

إيمان البصيلي

رحلة من التحول البيئي دخلها قطاع النقل البحري خلال السنوات الماضية، خاصة بعدما انتقلت إجراءات خفض الانبعاثات الكربونية من إطار الأهداف بعيدة المدى إلى مرحلة التنفيذ الفعلي وعمل قواعد تنظيمية بدأت تلقي بظلالها على قرارات تشغيل السفن.

وتأتي المنظمة البحرية الدولية "IMO" والاتحاد الأوروبي في مقدمة الجهات التي تقود هذا التحول من خلال مجموعة من المتطلبات التي تهدف خفض كثافة الانبعاثات الكربونية ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، إلى جانب التوسع التدريجي في استخدام الوقود منخفض أو شبه منعدم الانبعاثات. 

ويعتبر الوقود الأخضر البديل الأفضل للوقود الأحفوري، فهو ينتج من مصادر طاقة متجددة مثل الهيدروجين الأخض، والأمونيا الخضراء، والوقود الحيوي، ويعتمد إنتاجه على استخدام الكهرباء النظيفة المولدة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتحليل الماء أو معالجة المواد العضوية للمساهمة في خفض الانبعاثات الكربونية. 

كما يساهم الوقود الأخضر في خفض الانبعاثات الكربونية في قطاعات يصعب إلغاء الكربون منها مثل الطيران، والشحن البحري، والصناعات الثقيلة، بالإضافة إلى أنه يعزز فكرة أمن الطاقة، ويحمي من تقلبات أسعار النفط والغاز، التي تحدث بين الحين والآخر نتيجة التوترات الجيوسياسية والصراعات والحروب بين الدول، بالإضافة إلي فتح أسواق استثمارية جديدة وتوفير فرص عمل متخصصة.

النقل البحري

وتستهدف استراتيجية المنظمة البحرية الدولية لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، التي اعتمدت عام 2023، خلال الدورة الثمانين للجنة حماية البيئة البحرية (MEPC 80) في لندن، خفض كثافة الكربون في النقل البحري الدولي، أي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل وحدة من أعمال النقل، بنسبة لا تقل عن 40% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2008، على أساس متوسط القطاع الدولي.

كما تستهدف الاستراتيجية وصول انبعاثات الغازات الدفيئة من النقل البحري الدولي إلى صافي الصفر بحلول عام 2050 أو بالقرب منه، مع السعي إلى أن تمثل التقنيات والوقود ومصادر الطاقة ذات الانبعاثات الصفرية أو شبه الصفرية ما لا يقل عن 5%، مع الطموح للوصول إلى 10% من الطاقة المستخدمة في النقل البحري الدولي بحلول 2030.

ولتحقيق صافي انبعاثات صفري للغازات الدفيئة من خلال النقل بالسفن بحلول عام 2050، وضعت الاستراتيجية أهداف وسيطة منها خفضًا بنسبة لا تقل عن 20% من القيمة المطلقة للانبعاثات بحلول عام 2030، مع السعي لإيصالها إلى 30%،  وخفضًا بنسبة لا تقل عن 70% من القيمة القصوى للانبعاثات بحلول عام 2040 ، مع السعي لإيصالها إلى 80%، ومن أجل تنفيذ هذه الأهداف توفر الاستراتيجية جدولًا زمنيًا طموحًا لإدخاله حيز التنفيذ في عام 2027.

انبعاثات السفن

كما اعتمدت المنظمة "مؤشر كثافة الكربون التشغيلي" (CII) كأداة قانونية ملزمة لتقييم الأداء البيئي للأسطول البحري العالمي، فيقيس المؤشر حجم الانبعاثات الفعلي لكل سفينة بالنسبة لحمولتها والمسافة التي تقطعها سنويًا وبناءً على النتائج، تُفرز السفن ضمن تصنيف دولي يتراوح بين (A) للأعلى كفاءة و(E) للأقل توافقًا مع المعايير البيئية. ويلزم هذا النظام السفن الحاصلة على تقييم (D) لثلاث سنوات متتالية، أو (E) لعام واحد، بتقديم خطة تصحيحية فورية وموثقة لتعديل وضعها البيئي. ومن المتوقع أن يشكل هذا المؤشر ضغطًا تشغيليًا وتجاريًا مباشرًا على الشركات الملاحية، يدفعها نحو خفض سرعات الإبحار، وتحديث هياكل السفن، والاعتماد على الطاقة البديلة لتجنب تراجع القيمة السوقية لسفنها.

وإلى جانب (CII) فرضت المنظمة متطلبات كفاءة الطاقة للسفن القائمة (EEXI) كمعيار تقني وإلزامي يستهدف تقييم التصميم الهندسي وقدرات الدفع للأسطول البحري العالمي. وتشمل هذه اللوائح كافة السفن التي تبلغ حمولتها الإجمالية 400 طن فأكثر والعاملة في الرحلات الدولية، فتُلزم الشركات بحساب البصمة الكربونية المفترضة لتصميم السفينة ومقارنتها بالحدود المسموح بها دوليًا. 

ويجري تقييم (EEXI) لمرة واحدة في العمر التشغيلي للسفينة، وتُمنح بموجبه "الشهادة الدولية لكفاءة الطاقة" (IEEC)، مما يضع ملاك السفن القديمة أمام خيارات تقنية حتمية لتعديل الوضع القانوني لسفنهم، تتركز بشكل أساسي في تركيب أنظمة ميكانيكية لتحديد قدرة المحرك القصوى (EPL) لخفض استهلاك الوقود، أو إدخال تعديلات على الهياكل والمراوح لتقليل الاحتكاك بالمياه.

ودخلت متطلبات EEXI وCII حيز التنفيذ اعتبارًا من يناير 2023 وأصبحت السفن مطالبة بحساب مؤشر كثافة الكربون التشغيلي والحصول على تصنيف سنوي لأدائها.

موانئ الرسو

وفي دول الاتحاد الأوروبي دخلت لائحة (FuelEU Maritime) للنقل البحري المستدام، والصادرة تحت رقم EU 2023/1805، حيز التنفيذ الإلزامي الكامل في يناير 2025، كجزء أساسي من حزمة التشريعات البيئية الأوروبية "Fit for 55" الهادفة للوصول إلى الحياد المناخي بحلول عام 2050، وفرض حدودًا متدرجة على متوسط كثافة غازات الدفيئة للطاقة المستخدمة على متن السفن، ويطبق هذا القانون على جميع سفن الشحن والركاب التي تفوق حمولتها الإجمالية 5000، طن وتقصد الموانئ الأوروبية بغض النظر عن العلم الذي ترفعه.

وبخلاف الأنظمة الدولية للمنظمة البحرية (IMO) التي تقيس كفاءة السفن بشكل عام، وتركز اللائحة الأوروبية تحديدًا على خفض كثافة غازات الاحتباس الحراري للوقود المستخدم على متن السفن بناءً على دورة حياته الكاملة من المصدر إلى التشغيل (Well-to-Wake).

وتفرض اللائحة خفضًا تدريجيًا في كثافة غازات الدفيئة للطاقة المستخدمة على متن السفن تبدأ من 2% لعام 2025، وتتصاعد إلى 6% لعام 2030، و%14.5 في 2035، و30% في 2040، و 62% في 2045، وصولًا إلى خفض جذري بنسبة 80% بحلول 2050 مقارنة بمستويات عام 2020.

وتلزم اللائحة سفن الحاويات والركاب بالاتصال الإجباري بمصادر الطاقة الكهربائية الساحلية أثناء الرسو في الموانئ الرئيسية بحلول عام 2030 ، لضمان خفض الانبعاثات في المرافئ، مع فرض غرامات مالية صارمة على الشركات غير الممتثلة تُوجّه عوائدها لدعم مشروعات تكنولوجيا الطاقة البحرية.

التلوث البيئي الناتج عن السفن

كما تم إدراج النقل البحري ضمن نظام الاتحاد الأوروبي لتداول حصص الانبعاثات (EU ETS)، في إطار حزمة التشريعات البيئية الأوروبية، ويعد (EU ETS) الأداة المالية الأكثر تأثيرًا لخفض الانبعاثات، فتُلزم شركات الملاحة بشراء "حقوق انبعاثات" تغطي بصمتها الكربونية عند الرسو أو الإبحار من وإلى الموانئ الأوروبية للسفن التي تزيد حمولتها عن 5000 طن.

ولضمان انتقال سلس للقطاع، يطبق النظام آلية تسعير تصاعدية بدأت عمليًا عام 2024، حيث يتوجب على الشركات تغطية 40% فقط من انبعاثات عام 2024، ويتم سدادها في 2025، ترتفع إلى 70% من انبعاثات عام 2025، وتُسدد في 2026، وصولًا إلى التغطية الكاملة بنسبة 100% لجميع الانبعاثات الموثقة اعتبارًا من عام 2027.

ويفرض هذا الجدول الزمني الحاسم على الشركات دمج كلفة الكربون تدريجيًا في أسعار الشحن والخدمات اللوجستية، مما يجعل الاستثمار الفوري في الطاقة المستدامة ضرورة تجارية حتمية لتفادي الغرامات وضمان التنافسية مع اكتمال تطبيق

ويفرض هذا النظام تغطية كاملة وشاملة لـ 100% من انبعاثات الكربون الموثقة، مع توسيع نطاق الرقابة ليمتد إلى غاز الميثان وأكسيد النيتروز. وبموجب القوانين الحالية، يتعين على الشركات سداد كلفة 100% من الرحلات البينية داخل أوروبا، و50% من الرحلات الدولية التي تبدأ أو تنتهي في مرافئها، كما يفرض هذا الواقع المالي على الخطوط الملاحية دمج كلفة الكربون مباشرة في أسعار الشحن والخدمات اللوجستية، مما يجعل خفض الانبعاثات والتحول نحو الطاقة المستدامة ضرورة تجارية لتفادي الغرامات وضمان التنافسية في الأسواق العالمية

انبعاثات السفن

ويضع هذا التوسع في الالتزامات التنظيمية، شركات الملاحة أمام معادلة معقدة، فأصبح خفض الانبعاثات لا يرتبط فقط بتحديث السفن أو تحسين كفاءة المحركات، وإنما يرتبط أيضًا بتوافر الوقود البديل، وتكلفته، والبنية التحتية اللازمة لتخزينه، وتزويد السفن به.

وهناك مشكلة أخرى للتحول الأخضر، وهي اختلاف كثافة الطاقة بين أنواع الوقود، فالتحول من الوقود البحري التقليدي إلى أنواع وقود بديلة مثل الميثانول يتطلب التعامل مع حقيقة أن كمية الطاقة التي يوفرها كل كيلوجرام من الوقود تختلف باختلاف نوعه، ولذلك فإن مقارنة أسعار الوقود على أساس سعر الطن وحده قد تعطي صورة مضللة عن التكلفة الفعلية للتشغيل، لأنه يجب النظر أيضًا إلى كمية الطاقة التي يوفرها الوقود، وإلى كفاءة المحرك والتجهيزات المستخدمة.

لم يعد اختيار الوقود قرارًا مرتبطًا بالسعر في سوق الطاقة فقط، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بالامتثال التنظيمي، وتوافر الوقود في الموانئ، وكفاءة السفينة، وتكلفة تعديل الأسطول، ومدى توافر البنية التحتية اللازمة للتزويد.

سفن الركاب

وأصبحت الموانئ مطالبة بتطوير شبكاتها الكهربائية ومنشآتها الخاصة بتداول وتخزين أنواع الوقود الجديدة، إلى جانب توفير البنية اللازمة لتغذية السفن بالكهرباء أثناء وجودها في الأرصفة، وبالتأكيد يختلف حجم الاستثمارات المطلوبة من ميناء إلى آخر وفقًا لقدرة الشبكة القائمة، وعدد الأرصفة، ونوع السفن، وحجم الطلب على الكهرباء والوقود البديل، لذلك لا يمكن تعميم رقم واحد باعتباره تكلفة تجهيز «الميناء الأخضر» دون تحديد المشروع ونطاقه وبنيته التحتية.

ووسط كل هذه المتطلبات التي يجب مراعاتها والالتزام بها تحول خفض الانبعاثات في الشحن البحري من قضية بيئية إلى ملف اقتصادي متكامل، فكل زيادة في المتطلبات التنظيمية تعني استثمارات جديدة في السفن والموانئ والوقود، بينما تظل قدرة الشركات والدول على تحمل هذه التكلفة مرتبطة بمدى توافر الوقود البديل وأسعاره وقدرة البنية التحتية على مواكبة الطلب.

سفن

وتستند تكلفة الوقود في الشحن البحري إلى المقارنة العلمية لمحتوى الطاقة أو ما يُعرف بـ "الكثافة الحرارية للوقود"، وفقًا للبيانات  التقديرية لمنصة مؤشرات أسعار الوقود البحري "MABUX" و"Ship & Bunker" لشهر أغسطس 2026، يُسجل الوقود الأحفوري منخفض الكبريت (VLSFO) متوسطًا يبلغ حوالي 785.50 دولار للطن، بكثافة حرارية 40 ميجاجول/كجم، بينما يبلغ سعر طن الميثانول الأخضر وفق "Methanex" نحو 1,480 دولارًا بكثافة 19.9 ميجاجول/كجم فقط،  وبحساب التكلفة لكل وحدة طاقة حرارية مفيدة، تضطر السفينة لاستهلاك ضعف الوزن والحجم من الميثانول الأخضر لقطع نفس المسافة، مما يجعل التكلفة التشغيلية الفعالة للطاقة أعلى بـ 3.7 أضعاف، مقارنة بالوقود الأحفوري.

وهناك أيضًا ضريبة الكربون (EU ETS) وفقًا للجدول الزمني للاتحاد الأوروبي وتغطية 70% من الانبعاثات لعام 2026، ومع تسجيل سعر طن الكربون 82.10 يورو في البورصة الأوروبية لشهر أغسطس 2026، فإن سفينة حاويات تخرج 10,000 طن كربون في رحلة بين آسيا وأوروبا، يخضع 50% منها للضريبة تتحمل فاتورة كربون إضافية بـ 287,000 يورو للرحلة الواحدة، وتصل إلى 410,000 يورو بحلول 2027 مع التغطية الكاملة بنسبة %100.

يتطلب بناء سفينة جديدة تعمل بالمحركات المزدوجة زيادة رأسمالية تتراوح بين 12% إلى 15% بما يعني إضافة 25 إلى 35 مليون دولار لسفينة سعة 15,000 حاوية، بينما تتراوح تكلفة تعديل المحركات القائمة بين 10 إلى 15 مليون دولار للسفينة، ويؤدي كبر حجم خزانات الوقود الأخضر إلى اقتطاع 4% إلى 6% من المساحة التشغيلية، مما يُخفض الطاقة الاستيعابية لشحن البضائع ويقلل الإيرادات الفعلية للرحلة.

اقرأ أيضًا:

الصناعة منخفضة الكربون في 2026.. مصر تستعد لعصر جديد من الإنتاج النظيف

50 صناعة تدخل فيها «الصودا آش».. وإعادة التوطين يوفر أكثر من 6 مليارات جنيه

Short Url

search