السبت، 08 أغسطس 2026

01:08 م

أزمات البحر الأحمر و«هرمز» تغير قواعد المحيطات.. «تأجير السفن» يواجه اختبار الأسعار

السبت، 08 أغسطس 2026 11:36 ص

سفن _ صورة أرشيفية

سفن _ صورة أرشيفية

محمد ممدوح

يمثل استئجار السفن، أحد أهم النماذج التشغيلية في صناعة النقل البحري، رغم أن الصورة الشائعة عن شركات الشحن الكبرى ترتبط غالبًا بامتلاك أساطيل ضخمة من السفن، والحقيقة أن صناعة النقل البحري لا تقوم على نموذج واحد، فالشركة يمكن أن تمتلك سفنًا، أو تستأجر سفنًا من ملاك آخرين، أو تستخدم مزيجًا من الملكية والتأجير، بحسب طبيعة نشاطها، وحجم الطلب على خدماتها، والأسواق التي تعمل فيها، وتوقعاتها لأسعار الشحن.

أهم طرق التجارة والطاقة في العالم

وتزداد أهمية هذا النموذج في الشرق الأوسط، الذي يقع عند تقاطع عدد من أهم طرق التجارة والطاقة في العالم، من الخليج العربي ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر وقناة السويس، وجعلت الاضطرابات الجيوسياسية وتغير طرق الملاحة وتقلب أسعار الشحن قرار امتلاك السفينة أو استئجارها مسألة استراتيجية، وليست قرار تشغيلي.

السفن الذاتية القيادة قد تغير عالم البحار إلى الأبد - BBC News عربي

السفن المملوكة والسفن المستأجرة 

وتشير بيانات حديثة لـUNCTAD، المتخصصة في تحليل حركة السفن إلى أن شركات إقليمية كبرى تستخدم بالفعل مزيجًا من السفن المملوكة والمستأجرة، فعلى سبيل المثال، تقول شركة ADNOC Logistics & Services الإماراتية، إنها تمتلك أكثر من 340 سفينة، بينما تشغّل وتستأجر أكثر من 600 سفينة إضافية سنويًا.

وفي السعودية، تظهر تجربة شركة البحري نموذجًا مختلفًا، إذ تمتلك الشركة أسطول، لكنها تستخدم أيضًا التأجير المرن لتلبية احتياجات العملاء وتغيرات حركة التجارة، وفي الربع الأول من 2026، أعلنت البحري أن أسطولها التشغيلي بلغ 107 سفن، منها 104 مملوكة وثلاث سفن مؤجرة بعقود طويلة الأجل، مع استمرارها في استخدام التأجير المرن لتلبية الطلب،  أما قطر، فتقدم واحدة من الحالات في قطاع الغاز الطبيعي المسال، إذ تستخدم QatarEnergy عدد ضخم من ناقلات الغاز بموجب عقود تأجير طويلة الأجل مع ملاك عالميين، بدل أن تكون ملكية جميع السفن مباشرة لدى الشركة. 

ماذا يعني استئجار سفينة؟

وشملت صناعة التأجير البحري عدة أشكال رئيسية للتأجير، إذ عرّفت المنظمة البحرية الدولية «IMO»، ثلاثة نماذج رئيسية، هي التأجير لرحلة واحدة، والتأجير الزمني، والتأجير العاري (Bareboat)، مع اختلاف طريقة استئجار السفينة في الصناعة البحرية عن الطريقة التي يستأجر بها شخص سيارة.

التأجير لرحلة Voyage Charter

وحددت الشركة في هذا النموذج، رحلة معينة بين موانئ محددة، مثل نقل شحنة نفط من الخليج إلى الهند، فاتّفقت بدلًا من امتلاك ناقلة نفط مع مالك سفينة على تنفيذ الرحلة، وحصل المالك على أجرة النقل، بينما تحملت الشركة المستأجرة عادةً مسؤوليات مرتبطة بالشحنة والتحميل والتفريغ وفق العقد، وشبّهت المنظمة البحرية الدولية هذا النموذج باستئجار سيارة أجرة لرحلة واحدة.

التأجير الزمني Time Charter

وهنا تستأجر الشركة السفينة لمدة محددة، مثل عدة أشهر أو سنوات، وتدفع عادةً سعرًا يوميًا متفقًا عليه، في هذا النموذج يحتفظ المالك بمسؤوليات مثل الطاقم والتشغيل الفني والتأمينات المتفق عليها، بينما يحصل المستأجر على قدر أكبر من السيطرة التجارية على استخدام السفينة ومكان تشغيلها ضمن شروط العقد، وهذا النموذج مهم جدًا للشركات التي تريد سفينة متاحة لفترة طويلة دون تحمل تكلفة شرائها بالكامل.

التأجير العاري Bareboat Charter

في هذا النموذج أقرب إلى استئجار السفينة كأصل كامل، الشركة المستأجرة تتولى مسؤوليات أكبر بكثير، ومنها الطاقم والصيانة والإصلاحات وبعض المتطلبات التنظيمية، وكأنها أصبحت المشغل الفعلي للسفينة، وتشير IMO إلى أن عقود الـBareboat تكون عادة طويلة الأجل وأقل شيوعًا من التأجير لرحلة أو التأجير الزمني.

لماذا لا تشتري الشركة السفينة ببساطة؟

تبدأ الإجابة من نقطة واحدة، السفينة أصل رأسمالي ضخم، فشراء سفينة ليس دفع ثمنها ثم تشغيلها، بينما الشركة التي تشتري السفينة تربط جزء من رأس مالها في أصل يمكن أن تبلغ قيمته عشرات أو مئات الملايين من الدولارات بحسب النوع والحجم والعمر والمواصفات، وبعد الشراء تبدأ سلسلة طويلة من الالتزامات منها التمويل، والفوائد، والصيانة، والطاقم، والتأمين، والإصلاحات، والامتثال البيئي، وتحديث المعدات، والرسوم، وتكاليف التوقف، وانخفاض قيمة السفينة مع العمر، ومخاطر إعادة بيعها مستقبلًا، لذلك فإن السؤال بالنسبة للشركة ليس، هل أحتاج سفينة؟ بل، هل من الأفضل أن أمتلك هذه السفينة أم أشتري خدمة استخدامها من مالك آخر؟ وهنا تظهر جاذبية التأجير.

الحفاظ على رأس المال

وأكبر ميزة للتأجير، هي أن الشركة لا تضطر إلى استثمار مبلغ ضخم مقدمًا لشراء السفينة، وهذا مهم بصورة خاصة للشركات التي تحتاج إلى توسيع عملياتها بسرعة، بدل أن تقول الشركة، أحتاج 10 سفن، ولذلك سأشتري 10 سفن، يمكنها أن تقول، أحتاج 10 سفن خلال العامين المقبلين، وسأستأجر العدد الذي أحتاج إليه وفق الطلب، وهكذا يتحول جزء من الاستثمار الرأسمالي الكبير إلى تكلفة تشغيلية أكثر ارتباطًا بالاستخدام، وهذا النموذج يمنح الإدارة مساحة أكبر لتوجيه رأس المال إلى أنشطة أخرى، مثل، الموانئ، والمستودعات، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا، والطاقة، والتوسع الجغرافي، والاستحواذات، وتطوير البنية التحتية. 

المرونة هي أهم كلمة في سوق السفن

وسوق النقل البحري، شديد التقلب، فالطلب على السفن لا يبقى ثابتًا، إذ يمكن أن يرتفع الطلب بسبب نمو التجارة، وارتفاع صادرات النفط، وزيادة صادرات الغاز، وانتعاش الاقتصاد، واضطراب طرق الملاحة، والحروب، والعقوبات، ونقص السفن، وارتفاع أسعار السلع، وفي المقابل يمكن أن ينخفض بسبب الركود، وانخفاض الإنتاج، وتراجع التجارة، وزيادة عدد السفن الجديدة، وانخفاض أسعار الشحن، ولهذا فإن امتلاك أسطول ضخم، قد يصبح مشكلة إذا انخفض الطلب، أما الشركة التي تعتمد على التأجير، فيمكنها بحسب عقودها  تقليص الأسطول عند انتهاء العقود أو زيادته عندما تحتاج إليه، وهذه المرونة تفسر لماذا لا تختفي عقود التأجير حتى عندما تتجه شركات كبيرة إلى زيادة ملكية السفن.

 الشرق الأوسط يجعل المرونة أكثر أهمية

وترتبط منطقة الشرق الأوسط، بممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، وباب المندب، والبحر الأحمر، وقناة السويس، والخليج العربي، وخليج عدن، وتؤثر أي أزمة في هذه الممرات مباشرة في حركة السفن وأسعار الشحن وأوقات الرحلات.

وأوضحت «UNCTAD»، أن اضطرابات البحر الأحمر أجبرت سفنًا على اتخاذ طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح، ما رفع المسافات المقطوعة والتكاليف وأدى إلى تقلبات كبيرة في أسعار الشحن، وظل المرور عبر قناة السويس في 2025 أقل بكثير من مستويات ما قبل الأزمة.

وفي 2026، أصبحت المخاطر الإقليمية أكثر وضوحًا، مع اضطرابات مرتبطة بمضيق هرمز، والصراع الإقليمي، ما انعكس على سوق الناقلات وأسعار استئجار السفن، ففي أغسطس 2026، أفادت «رويترز»، بأن شركة Reliance الهندية، دفعت ما بين 23، و25 مليون دولار، لاستئجار ناقلة عملاقة لنقل مليوني برميل من النفط العراقي، مقارنة بنحو مليوني دولار للرحلة قبل الحرب، نتيجة نقص السفن وارتفاع مخاطر الإبحار في المنطق، وهذه الحالة تكشف الوجه الآخر للسوق، التأجير يمنح المرونة، لكنه يجعل الشركة معرضة أيضًا لارتفاع أسعار التأجير عندما تصبح السفن نادرة.

التأجير وسيلة للتحوط من مخاطر الطلب

وتعمل الشركات في تجارة موسمية لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك سفينة طوال العام، فمثلا شركة خليجية تعمل في تجارة مواد خام، إذا كان لديها طلب مرتفع لمدة ستة أشهر فقط، فقد يكون شراء سفينة، وتشغيلها طوال السنة غير اقتصادي، الأفضل في هذه الحالة، استئجار السفينة للفترة التي تحتاج إليها، وبذلك لا تتحمل الشركة كامل مخاطر امتلاك أصل لا تستخدمه بكفاءة، وهذا الأمر مهم جدًا في، البضائع السائبة، الحبوب، الفحم، المعادن، المنتجات النفطية، بعض عمليات الحاويات، شحنات المشاريع.

تجنب مخاطر انخفاض قيمة السفينة

وتعد السفن، أصول قابلة للتقادم، فالسفينة الجديدة اليوم لن تظل جديدة إلى الأبد، ومع مرور السنوات، تتقدم في العمر، تحتاج إلى صيانة أكبر، قد تصبح أقل كفاءة في استهلاك الوقود، وتصبح أقل توافقًا مع المعايير البيئية الجديدة، ويمكن أن تنخفض قيمتها السوقية، وعندما تمتلك الشركة السفينة، فهي تتحمل هذه المخاطر.

أما في التأجير، فإن جزء من مخاطر قيمة الأصل يقع على المالك، بحسب نوع العقد وشروطه، وهذه نقطة مهمة للغاية في مرحلة التحول البيئي التي تمر بها صناعة النقل البحري،  وتشير «UNCTAD» إلى أن أكثر من 90% من الأسطول النشط عالميًا، ما زال يعمل بالوقود التقليدي، في الوقت الذي أصبحت فيه السفن التي تستخدم وقودًا بديلًا تمثل أكثر من نصف حمولة السفن الجديدة المطلوبة، وهذا يعني أن قرار شراء سفينة اليوم أصبح أكثر تعقيدًا، فالشركة لا تسأل، كم تبلغ تكلفة السفينة؟، بينما تسأل هل ستظل هذه التكنولوجيا مناسبة خلال 15 أو 20 عامًا؟

التحول البيئي يزيد جاذبية التأجير لبعض الشركات

وقطاع النقل البحري، يواجه ضغوطًا متزايدة لخفض الانبعاثات، وهذا يتطلب استثمارات في، محركات أكثر كفاءة، أنواع وقود بديلة، تقنيات توفير الوقود، أنظمة معالجة الانبعاثات، تحديث السفن، أنظمة رقمية، تحسين الأداء التشغيلي.

وعندما تشتري الشركة سفينة، فإنها تتحمل مخاطر اختيار التكنولوجيا، لكن عند التأجير، تستطيع في بعض الحالات الحصول على سفن أحدث دون أن تتحمل كامل مخاطر الاستثمار الرأسمالي في شراء تلك السفن، وهذا لا يعني أن التأجير يخلو من التكلفة البيئية أو التنظيمية، لكنه يمكن أن يخفف من مخاطر امتلاك أصل قد يصبح قديمًا أسرع مما توقعت الشركة.

الشركات لا تريد بالضرورة أن تصبح شركة ملاك سفن

وتنوعت الفروق بين شركة تستخدم السفن، وشركة تملك السفن، فبالنسبة لشركات الطاقة، قد يكون هدفها الأساسي،  إنتاج النفط والغاز وبيعه، وشركة صناعية قد يكون هدفها، تصنيع منتجاتها وتصديرها، وشركة تجارة قد يكون هدفها، شراء السلع وبيعها، في هذه الحالات، امتلاك السفن ليس بالضرورة النشاط الأساسي، وبالتالي قد يكون من المنطقي أن تشتري الشركة خدمة النقل البحري من شركة متخصصة في امتلاك وإدارة السفن، وهنا تظهر قيمة ملاك السفن وشركات التأجير المتخصصة.

التأجير يسمح للشركات بالوصول إلى سفن متخصصة

وتختلف السفن، فليست كل السفن متشابهة، فهناك ناقلات نفط خام عملاقة VLCC، وناقلات منتجات بترولية، وناقلات كيماويات، وناقلات غاز طبيعي مسال LNG، وناقلات غاز LPG، وسفن حاويات، وناقلات بضائع سائبة، وسفن Ro-Ro، وسفن دعم بحري، وسفن متخصصة للمشروعات، وتحتاج بعض هذه السفن إلى خبرات تشغيلية، وتقنية معقدة، لذلك قد تفضل الشركة استئجار سفينة متخصصة من مالك لديه خبرة في هذا النوع، بدلًا من بناء قدرة داخلية كاملة لإدارة الأسطول.

التأجير لا يعني دائمًا قصير الأجل

فيما اتجهت بعض الشركات إلى استئجار السفن، ضمن عقود طويلة الأجل يمكن أن تمتد لسنوات، وهو ما يتضح بشكل كبير في سوق الغاز الطبيعي المسال في قطر؛ فبحسب QatarEnergy، لديها أسطول من 69 ناقلة LNG تستخدمه هي وشركاؤها لنقل الغاز إلى العملاء حول العالم، ويشمل ذلك 31 ناقلة Q-Flex و14 ناقلة Q-Max و24 ناقلة تقليدية تعمل بموجب عقود تأجير طويلة الأجل، كما وقعت QatarEnergy في 2024 عقود Time Charter طويلة الأجل مع ملاك سفن دوليين لتشغيل سفن LNG جديدة، بما في ذلك تسع سفن QC-Max بسعة 271 ألف متر مكعب للسفينة، وبذلك أصبح التأجير أداة للتخطيط طويل الأجل، إلى جانب استخدامه كحل مؤقت.

تجربة قطر توضح لماذا قد يكون التأجير منطقيًا

وأصبحت السفينة في صناعة «LNG»، أصلًا متخصصًا للغاية ومكلفًا، ويتطلب تشغيلها توافقًا مع نوع الغاز، ومرافق التحميل، ومرافق التفريغ، والعقود طويلة الأجل، ومواصفات العملاء، ومتطلبات السلامة، والمعايير البيئية، ولذلك يمكن أن يسمح استخدام عقود طويلة الأجل مع ملاك متخصصين لمنتج الغاز بالوصول إلى الأسواق العالمية دون أن تتحمل الشركة المنتجة بالضرورة ملكية كل أصل بحري بنفسها، ليصبح التأجير جزءًا من سلسلة القيمة للطاقة إلى جانب دوره في عملية النقل.

الإمارات تقدم نموذجًا أكثر مرونة

وتظهر تجربة «ADNOC Logistics & Services»، بوضوح كيف يمكن الجمع بين الملكية والتأجير، فالشركة تقول حاليًا إنها تمتلك أكثر من 340 سفينة، بينما تشغّل وتستأجر أكثر من 600 سفينة سنويًا، وفي عرض للمستثمرين عن النصف الأول من 2025، أوضحت الشركة، أن أسطول التأجير لديها كان يتركز بدرجة كبيرة في نشاط البضائع السائبة، مع خفض عدد السفن المستأجرة عندما تراجعت الطلبات الموسمية، وأظهرت الفكرة الاقتصادية للتأجير مرونة الأسطول في التعامل مع تغيرات الطلب، فعندما احتاج السوق إلى سفن إضافية أمكن استئجارها، وعندما انخفض الطلب أمكن تقليل عدد السفن المستأجرة، ليعمل التأجير بذلك كصمام مرونة للأسطول.

السعودية تقدم نموذجًا مختلفًا

وأوضحت تجربة «البحري»، أن امتلاك السفن يمكن أن يكون ميزة استراتيجية في بعض الأنشطة، فالشركة تمتلك أسطولًا ضخمًا وتصف نفسها بأنها من أكبر ملاك ومشغلي ناقلات النفط الخام العملاقة VLCC في العالم، مع 50 ناقلة ضمن أسطولها، وفي الربع الأول من 2026، استخدمت البحري مزيجًا من الأسطول المملوك والتأجير المرن للاستجابة لارتفاع متطلبات العملاء وتغير مسارات التجارة، مع تشغيل 107 سفن، منها 104 مملوكة وثلاث مستأجرة بعقود طويلة الأجل، وهو ما يوضح أن القرار الاستراتيجي يتعلق بتحديد النسبة المثلى بين الملكية والتأجير.

لماذا تختار الشركة التأجير رغم ارتفاع الأسعار؟

واعتمد قرار اختيار السفينة على مجموعة من العوامل الاقتصادية والاستراتيجية، إذ نظرت الشركة إلى سعر السفينة، وتكلفة التمويل، والصيانة، والتشغيل، والعمر، والقيمة المستقبلية، ومخاطر السوق، إلى جانب سعر التأجير الحالي، فإذا اعتقدت الشركة أن ارتفاع أسعار التأجير مؤقت، فقد يصبح شراء السفينة قرارًا مبالغًا فيه، أما إذا توقعت استمرار ارتفاع الطلب لسنوات طويلة، فقد يصبح الشراء أكثر جاذبية، ولذلك ارتبط قرار التأجير في جوهره بإدارة المخاطر.


 

التأجير قد يصبح مكلفًا جدًا

وأظهرت تقلبات سوق التأجير أهمية الانتباه إلى تأثيراتها، إذ ارتفعت أسعار التأجير بشدة عندما ارتفع الطلب على السفن فجأة مع محدودية عدد السفن المتاحة، وهو ما ظهر في الأزمات البحرية الأخيرة، فأشارت «UNCTAD»، إلى أن تقلب أسعار الشحن أصبح سمة طبيعية في السوق، مع تأثر الحاويات والبضائع السائبة، والناقلات بالتوترات الجيوسياسية، واختلالات العرض والطلب، وبالتالي واجهت الشركة التي اعتمدت على التأجير بنسبة كبيرة ارتفاعًا مفاجئًا في تكلفة النقل، في الوقت الذي ارتفعت فيه حاجتها للسفن، لتظهر هنا مشكلة «التعرض لسوق التأجير».

 أزمة البحر الأحمر كشفت قيمة السفينة المتاحة

وأدت تغيرات طرق الملاحة، إلى حاجة الشركات لعدد أكبر من السفن لتنفيذ نفس حجم التجارة، نتيجة زيادة طول الرحلات، فعندما استغرقت السفينة وقتًا أطول بكثير لإتمام الرحلة حول رأس الرجاء الصالح مقارنة بالمرور عبر قناة السويس، وانخفض عدد الرحلات التي استطاعت السفينة تنفيذها خلال العام، وبالتالي احتاجت الشركات إلى سفن إضافية لتعويض الوقت الضائع، وكان ذلك أحد الأسباب التي جعلت أزمات البحر الأحمر تؤثر في أسواق الشحن والتأجير، وأوضحت UNCTAD أن إعادة توجيه السفن حول إفريقيا رفعت المسافات المقطوعة بنسبة 5.9% في 2024، وأن إعادة التوجيه قلصت الطاقة الفعلية المتاحة ورفعت تكاليف التشغيل.

مضيق هرمز يضيف طبقة جديدة من المخاطر

وأصبح سوق السفن في الشرق الأوسط، مرتبطًا بشكل وثيق بمضيق هرمز، إذ أشارت «UNCTAD»، إلى أن نحو 11% من التجارة العالمية وثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا تمر عبر المضيق، ما جعل أي اضطراب فيه ذا تأثير كبير على حركة السفن والأسعار، وفي 2026 ازدادت حدة المخاطر المرتبطة بالمضيق، فارتفعت قيمة السفينة المتاحة والآمنة بصورة كبيرة في أوقات الأزمات، وفي الوقت نفسه ارتفعت تكلفة الحصول على السفينة، لتظهر مفارقة اقتصادية تتمثل في حاجة الشركة إلى التأجير بسبب الأزمة، بينما تؤدي الأزمة نفسها إلى جعل التأجير أكثر تكلفة.

التأجير يوزع المخاطر بين الشركة ومالك السفينة

ووزّعت عقود التأجير المخاطر الاقتصادية بين مالك السفينة والمستأجر، فتحمل مالك السفينة بدرجة أكبر مخاطر قيمة الأصل، ومخاطر إعادة البيع، وجزءًا من مخاطر السوق، ومخاطر تقادم السفينة، والاستثمار الأولي، وجزءًا من مخاطر التمويل، بينما تحمل المستأجر بدرجة أكبر تكلفة التأجير، ومخاطر توفر السفينة، ومخاطر ارتفاع أسعار التأجير عند تجديد العقد، والالتزامات التشغيلية التي ينص عليها العقد، وبذلك أصبح عقد التأجير اتفاقًا لتوزيع المخاطر الاقتصادية بين طرفين، وليس مجرد اتفاق على «سعر سفينة».

لماذا قد تكون الشركات الصغيرة والمتوسطة أكثر ميلًا للتأجير؟

وأتاحت السفن المستأجرة للشركات التي تمتلك رأس مال محدودًا الدخول إلى سوق النقل البحري، والتوسع بسرعة، وتجربة خطوط جديدة، ودخول أسواق جديدة، وتنفيذ عقود جديدة، وتقليل رأس المال المطلوب في البداية، وهو ما جعل التأجير أداة مهمة للشركات التي تريد النمو دون الحاجة إلى بناء أسطول كامل من الصفر، خاصة مع صعوبة تمويل أسطول كبير بالنسبة للشركات التي لا تملك رأس مال ضخمًا.

لماذا قد تفضل الشركات الكبرى مزيجًا من الملكية والتأجير؟

وعالج نموذجا الملكية والتأجير مشكلتين مختلفتين، إذ منحت السفن المملوكة الشركة الاستقرار، بينما منحتها السفن المستأجرة المرونة، ولذلك أصبح النموذج الهجين أكثر كفاءة من الاعتماد الكامل على أحد الطرفين، إذ يمكن للشركة أن تمتلك السفن الأساسية التي تحتاج إليها طوال الوقت، وتستأجر السفن الإضافية التي تحتاج إليها عندما يرتفع الطلب، وبذلك أصبح لديها ما يشبه أسطولًا أساسيًا + أسطولًا مرنًا، وهو نموذج واضح في تجارب شركات إقليمية مثل ADNOC L&S والبحري.

هل امتلاك السفن أفضل بعد كورونا؟

وغيّرت جائحة كورونا، الحسابات في سوق النقل البحري، إذ شهد السوق خلال الأزمة تقلبات شديدة في الطلب وأسعار الشحن وتوافر السفن، وأظهرت الأزمة أن الشركات التي اعتمدت بدرجة كبيرة على سوق التأجير واجهت ارتفاعًا حادًا في تكاليف الحصول على السفن عندما ارتفع الطلب، ولذلك اتجه عدد من شركات الشحن العالمية إلى زيادة ملكية السفن، وفي الوقت نفسه كشفت الجائحة قيمة كل نموذج، إذ وفرت الملكية الحماية والسيطرة عندما ارتفعت الأسعار، بينما وفر التأجير المرونة عندما لم ترغب الشركة في الالتزام طويلًا بأصول ضخمة.

المفارقة التي تفسر السوق الحالي

واتبعت الشركات العالمية اتجاهات مختلفة في إدارة أساطيلها، فزادت بعض الشركات ملكية السفن، وزادت شركات أخرى التأجير، بينما جمعت شركات أخرى بين النموذجين في الوقت نفسه، نتيجة زيادة تعقيد السوق، فإذا توقعت الشركة استمرار قوة الطلب وارتفاع أسعار التأجير واستمرار ارتفاع قيمة السفن، أصبح الشراء خيارًا منطقيًا، أما إذا توقعت تقلب الطلب واحتمال انخفاض أسعار الشحن والحاجة إلى المرونة، أصبح التأجير أكثر جاذبية.

معادلة القرار في أبسط صورة

ولخّصت الأولويات الاقتصادية للشركة، خياراتها في إدارة الأسطول، فمع إعطاء الأولوية للمرونة أصبح التأجير أكثر جاذبية، ومع إعطاء الأولوية للسيطرة طويلة الأجل أصبحت الملكية أكثر جاذبية، ومع رغبة الشركة في الجمع بين المرونة والسيطرة أصبح النموذج الهجين هو الحل، وهو ما يفسر استمرار وجود سوق ضخم لتأجير السفن بالتزامن مع اتجاه شركات كبرى إلى زيادة ملكية أساطيلها.

 ماذا يعني ذلك للشرق الأوسط؟

واستفادت الشركات في الشرق الأوسط من المرونة التي يوفرها التأجير، إذ جمعت المنطقة بين صادرات النفط، وصادرات الغاز، والبتروكيماويات، والتجارة الآسيوية والأوروبية، وموانئ خليجية ضخمة، وقناة السويس، والبحر الأحمر، ومضيق هرمز، ومشاريع بنية تحتية ضخمة، وتوسع صناعي ولوجستي في السعودية والإمارات وقطر، كما تعرضت المنطقة لمخاطر جيوسياسية كبيرة، ولذلك احتاجت الشركات إلى تغيير مساراتها أو أنواع السفن أو حجم الأسطول بسرعة، ووفّر التأجير لها أداة لتحقيق ذلك.

لماذا لا يعني التأجير أن الشركة ضعيفة؟ 

واتخذت بعض الشركات التأجير كقرار مالي، واستراتيجي متقدم، إذ فضّلت توجيه جزء من رأس المال إلى تطوير الموانئ والمستودعات والخدمات اللوجستية بدلًا من تجميد 500 مليون دولار في السفن، مع استئجار السفن التي تحتاج إليها، فإذا حقق هذا الاستخدام لرأس المال عائدًا أعلى، أصبح التأجير الخيار الأفضل.

لكن متى يصبح امتلاك السفن أفضل؟

ويصبح الامتلاك أكثر جاذبية للشركة إذ امتلكت طلبًا مستقرًا طويل الأجل، واستخدمت السفينة بدرجة عالية، وتوقعت استمرار الحاجة إليها لسنوات، وتمكنت من الحصول على تمويل مناسب، وامتلكت خبرة تشغيلية كبيرة، واستطاعت إدارة الصيانة والطاقم والامتثال، وتوقعت ارتفاع أسعار التأجير، ورغبت في حماية نفسها من تقلبات سوق التأجير، وسعت إلى السيطرة الكاملة على الأصل، ورأت أن السفينة ستحتفظ بقيمة جيدة مستقبلًا.

 ومتى يكون التأجير أفضل؟ 

ويصبح التأجير أكثر جاذبية، كلما كانت الحاجة إلى السفن مؤقتة، والطلب متقلبًا، ورغبت الشركة في دخول سوق جديد، وكان رأس المال محدودًا، وسعت الشركة إلى تجنب تحمل مخاطر قيمة السفينة، وكانت التكنولوجيا البحرية تتغير بسرعة، واحتاجت الشركة إلى سفن متخصصة لفترة محددة، وأرادت تعديل حجم الأسطول بسرعة، وسعت إلى تقليل الالتزامات الرأسمالية، وكانت تكلفة امتلاك السفينة أعلى من تكلفة استئجارها على مدى الاستخدام المتوقع.

الخطر الأكبر أمام الشركات المستأجرة

وتتمثل أكبر المخاطر، في حاجة الشركة إلى سفن في أسوأ وقت، عندما كانت أسعار التأجير مرتفعة، والسفن قليلة، والطلب قويًا، والممرات البحرية مضطربة، والتأمين مرتفعًا، والوقود مرتفع السعر، وفي هذه الحالة وجدت الشركة نفسها تدفع مبالغ ضخمة للحصول على السفن، وهو ما فسّر القفزات الحادة التي شهدتها سوق التأجير أثناء الأزمات.

 الخطر الأكبر أمام مالك السفينة

وياجه مالك السفينة خطر شراء السفينة في قمة السوق ثم انهيار الطلب، ليصبح لديه سفينة مكلفة، وأقساط تمويل، وصيانة، وطاقم، وتأمين، ومصاريف تشغيل، وإيرادات منخفضة، كما قد تنخفض قيمة السفينة نفسها، ولذلك ارتبط امتلاك السفن بمخاطر السوق والتكاليف التشغيلية والتمويلية، وأصبح قرار الامتلاك استثمارًا يحمل احتمالات الربح والخسارة.

اقرأ أيضًا :-

واشنطن تلوح بإنهاء الحصار على الموانئ الإيرانية مقابل إعادة فتح مضيق هرمز

العقل المدبر للسفن الحديثة.. أنظمة رقمية تتحكم في آلاف العمليات داخل البحر

Short Url

search