الأحد، 26 يوليو 2026

05:54 م

صناعة كابلات الموصلات الفائقة «مرتفعة الحرارة» تحقق طفرة بنمو سنوي يصل لـ 9%

الأحد، 26 يوليو 2026 11:02 ص

 صناعة كابلات الموصلات الفائقة مرتفعة الحرارة

صناعة كابلات الموصلات الفائقة مرتفعة الحرارة

مي المرسي

تدخل صناعة الطاقة العالمية مرحلة جديدة مع صعود تقنيات الموصلات الفائقة مرتفعة الحرارة (High-Temperature Superconductors - HTS)، التي تعد من أبرز الابتكارات الهندسية القادرة على تغيير طريقة نقل الكهرباء وتشغيل الأنظمة الصناعية، وتتميز هذه التكنولوجيا بقدرتها على تمرير التيار الكهربائي دون مقاومة تقريبًا، ما يقلل الفاقد الحراري ويرفع كفاءة شبكات الطاقة مقارنة بالكابلات التقليدية.

وتكتسب هذه التقنية أهمية متزايدة مع ارتفاع الطلب العالمي على الكهرباء والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، خاصة أن شبكات النقل الكهربائية التقليدية تتسبب في فقدان نسبة كبيرة من الطاقة أثناء عمليات النقل، وهو ما يدفع الدول والشركات إلى البحث عن حلول أكثر كفاءة واستدامة.

طفرة علمية ترفع كفاءة الموصلات الفائقة

شهد قطاع الموصلات الفائقة تطورًا مهمًا مع تحقيق باحثين في جامعة بافالو تقدمًا في تقنية ReBCO، التي تعتمد على مركبات أكسيد النحاس والباريوم والعناصر الأرضية النادرة، حيث تمكنت من الوصول إلى كثافة نقل تيار بلغت 9.3 مليون أمبير لكل سنتيمتر مربع.

ويمثل هذا الإنجاز قفزة كبيرة في أداء الكابلات فائقة التوصيل، إذ تتجاوز قدرتها مستويات العديد من الحلول المتاحة حاليًا، ما يعزز فرص انتقال التكنولوجيا من نطاق الأبحاث المتخصصة إلى تطبيقات تجارية واسعة في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل.

تبريد أقل تكلفة يعزز الجدوى الاقتصادية

اعتمدت الموصلات الفائقة التقليدية لفترات طويلة على أنظمة تبريد معقدة تستخدم الهليوم السائل عند درجات حرارة شديدة الانخفاض تصل إلى نحو -243 درجة مئوية، وهو ما رفع تكلفة تشغيلها وصيانتها.

أما الموصلات الفائقة مرتفعة الحرارة فتعمل عند درجات أعلى نسبيًا تصل إلى نحو -196 درجة مئوية، مما يسمح باستخدام النيتروجين السائل كوسيط تبريد، وهو خيار أقل تكلفة وأكثر توافرًا، ويسهم في تقليل الأعباء التشغيلية وفتح المجال أمام انتشار أوسع لهذه التكنولوجيا.

كيف تعمل كابلات HTS؟

تتكون أنظمة الموصلات الفائقة الحديثة من عدة طبقات هندسية متكاملة، تبدأ بالسلك الداخلي المصنوع من مواد فائقة التوصيل مثل أشرطة ReBCO، والتي يتم دعمها بطبقات حماية وعزل لضمان الاستقرار التشغيلي.

وتوضع هذه الموصلات داخل حاويات تبريد معزولة تعرف باسم Cryostat، تسمح بالحفاظ على درجة الحرارة المطلوبة من خلال تدفق النيتروجين السائل حول السلك الداخلي. ويعمل هذا التصميم على تقليل فقد الطاقة وتحقيق قدرة نقل كهربائية مرتفعة داخل أحجام أصغر مقارنة بالكابلات التقليدية.

اكتشاف جديد في الموصلات الفائقة قد يمهد الطريق لإل - الرأي العام

سوق عالمي يتجه إلى التوسع

تشهد صناعة الموصلات الفائقة نموًا متسارعًا بدعم من التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة وتحديث شبكات الكهرباء. ويقدر حجم سوق كابلات HTS عالميًا بنحو 805 إلى 875 مليون دولار، مع توقعات بوصوله إلى نحو 1.7 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 8.6%.

كما يواصل سوق أسلاك ومواد الموصلات الفائقة التوسع، حيث يقدر حجمه الحالي بنحو 1.12 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعه إلى 3.76 مليار دولار بحلول عام 2035، مدفوعًا بزيادة الطلب من قطاعات الطاقة والطب والصناعة المتقدمة.

شبكات الكهرباء أكبر المستفيدين

تتصدر شبكات الكهرباء والمدن الذكية قائمة التطبيقات المستفيدة من تقنية HTS، حيث تستحوذ على نحو 42% من استخدامات السوق، بفضل قدرة الكابلات فائقة التوصيل على نقل كميات ضخمة من الكهرباء داخل مساحات محدودة، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في المدن المكتظة التي تحتاج إلى توسعة شبكاتها دون إنشاء بنية تحتية ضخمة.

كما تمثل التطبيقات الصناعية والمحركات الكهربائية نحو 28% من السوق، بينما تستحوذ مجالات الأبحاث والاندماج النووي والأجهزة الطبية مثل الرنين المغناطيسي على نحو 30%.

الجيل الثاني يقود المنافسة

تسيطر تقنيات ReBCO وYBCO، المعروفة باسم الجيل الثاني من الموصلات الفائقة، على أكثر من 59% من السوق العالمية، بفضل قدرتها المرتفعة على نقل التيار وتحمل ظروف التشغيل المختلفة.

في المقابل، تستمر تقنيات الجيل الأول مثل Bi-2223 وBi-2212 في لعب دور مهم داخل بعض التطبيقات الطبية والصناعية، خاصة في الأنظمة التي لا تتطلب أعلى مستويات كثافة التيار.

تحتل منطقة آسيا والمحيط الهادئ المرتبة الأولى عالميًا في سوق الموصلات الفائقة بحصة تبلغ نحو 33%، مدفوعة باستثمارات الصين واليابان وكوريا الجنوبية في شبكات الكهرباء والقطارات فائقة السرعة، وتأتي أمريكا الشمالية في المرتبة التالية بحصة تقارب 30%، بفضل توسعها في أبحاث الاندماج النووي وتطبيقات الفضاء، بينما تستحوذ أوروبا على نحو 27% مع تركيزها على الطاقة المتجددة والبنية التحتية الذكية.

ثورة علمية.. الاقتراب من حلم

شركات تقود سباق الابتكار

تتنافس مجموعة من الشركات العالمية على تطوير تقنيات الموصلات الفائقة، من بينها Nexans الفرنسية، وSumitomo Electric Industries اليابانية، إضافة إلى American Superconductor (AMSC) وSuperPower في الولايات المتحدة، وKEPCO الكورية الجنوبية التي تعمل على تطبيقات تجارية للشبكات الكهربائية فائقة التوصيل.

لا تقتصر أهمية الموصلات الفائقة على قطاع الكهرباء، بل تمتد إلى العديد من المجالات المتقدمة، منها قطارات الرفع المغناطيسي التي تعتمد على المجالات المغناطيسية القوية، والمحركات الكهربائية عالية الكفاءة، ومشروعات الاندماج النووي التي تحتاج إلى مغناطيسات فائقة القوة لحصر البلازما، كما تستخدم هذه التكنولوجيا في تطوير أجهزة الرنين المغناطيسي الطبية، وتحسين أداء أنظمة النقل والطائرات، ودعم البنية التحتية للطاقة المتجددة من خلال تقليل فاقد الكهرباء أثناء النقل لمسافات طويلة.

تقنية مرشحة لقيادة التحول الصناعي

مع استمرار التطورات البحثية وتراجع تكاليف التشغيل، تتحول الموصلات الفائقة مرتفعة الحرارة تدريجيًا من تقنية متخصصة إلى عنصر استراتيجي في مستقبل الطاقة والصناعة.

ويرى محللون أن انتشار هذه التكنولوجيا يمكن أن يسهم في تقليل هدر الطاقة، ورفع كفاءة الشبكات الكهربائية، ودعم التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، ما يجعلها واحدة من التقنيات العميقة المرشحة للعب دور رئيسي في إعادة تشكيل البنية الصناعية العالمية خلال العقود المقبلة.

Short Url

search