الجمعة، 24 يوليو 2026

06:21 م

أول شحنة عراقية عبر سوريا.. هل تمهد لعودة خط «كركوك– بانياس»؟

الجمعة، 24 يوليو 2026 04:10 م

زيت الوقود العراقي عبر الموانئ السورية

زيت الوقود العراقي عبر الموانئ السورية

مي المرسي

لم يعد وصول أولى شحنات زيت الوقود العراقي عبر الموانئ السورية إلى الولايات المتحدة مجرد تطور تجاري عابر، بل يمثل مؤشرًا على تحول أوسع في خريطة نقل الطاقة بالمنطقة، وسط مساعٍ لتقليل الاعتماد على مسارات الخليج العربي في ظل التوترات الجيوسياسية. 

ويرى مراقبون، أن نجاح عمليات النقل الحالية قد يشكل خطوة تمهيدية لإعادة إحياء خط أنابيب «كركوك – بانياس»، الذي ظل خارج الخدمة لأكثر من عقدين.

ويأتي هذا التحول في وقت دفعت فيه التوترات الأمنية في الخليج، ولاسيما اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، إلى البحث عن مسارات بديلة لصادرات النفط العراقية، بما يعزز دور الساحل السوري على البحر المتوسط كممر جديد لتدفقات الطاقة.

العراق وسوريا يسعيان إحياء خط أنابيب

الشاحنات أولًا.. والأنابيب لاحقًا

واعتمد العراق، خلال المرحلة الحالية على نقل زيت الوقود برًا عبر آلاف الشاحنات إلى ميناء بانياس السوري، قبل إعادة شحنه بحرًا إلى الأسواق الدولية، في آلية وُصفت بأنها حل مؤقت لاختبار جدوى المسار الجديد.

وخلال يونيو، جرى نقل نحو 720 ألف طن من زيت الوقود العراقي عبر هذا المسار، باستخدام شاحنات تبلغ حمولة الواحدة منها نحو 20 طنًا، تقطع رحلة برية تمتد لنحو 800 كيلومتر وتستغرق قرابة أربعة أيام قبل الوصول إلى خزانات ميناء بانياس، حيث يُعاد تحميل الشحنات على ناقلات من طراز أفراماكس تمهيدًا لتصديرها، بما في ذلك إلى الولايات المتحدة.

ويرى محللون، أن نجاح هذه التجربة يمثل إثباتًا عمليًا لجدوى الممر السوري، لكنه في الوقت نفسه يكشف حدود النقل البري من حيث التكلفة والقدرة الاستيعابية، وهو ما يعزز الحاجة إلى بنية تحتية أكثر كفاءة واستدامة.

لماذا يعود خط «كركوك– بانياس» إلى الواجهة؟

وتستند الدعوات لإعادة تشغيل خط الأنابيب إلى اعتبارات اقتصادية واستراتيجية في آن واحد. فالنقل بالشاحنات يتطلب آلاف الرحلات البرية، ويرفع تكاليف الوقود والصيانة والتأمين، إلى جانب المخاطر الأمنية المرتبطة بقطع مسافات طويلة.

وفي المقابل، يوفر خط «كركوك– بانياس» قدرة على نقل النفط بصورة مستمرة وبتكلفة تشغيلية أقل، بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل، كما يمنح العراق منفذًا دائمًا على البحر المتوسط بعيدًا عن الاختناقات التي قد يشهدها الخليج العربي، ويُنظر إلى الطلب الأمريكي على الشحنات المنقولة عبر سوريا باعتباره مؤشرًا على وجود جدوى تجارية للمسار الجديد، بما قد يوفر المبررات الاقتصادية اللازمة للاستثمار في إعادة تشغيل الخط.

خط تاريخي يعود إلى عام 1952

ويعد خط «كركوك– بانياس»، أحد أقدم خطوط نقل النفط في المنطقة، إذ أُنشئ عام 1952، ويبلغ طوله نحو 800 كيلومتر، فيما تصل طاقته التصميمية إلى نحو 300 ألف برميل يوميًا، وبحسب التقديرات، فإن إعادة تأهيل الخط وتشغيله مجددًا قد تستغرق ما بين عامين وثلاثة أعوام، إلا أن المتغيرات الجيوسياسية الأخيرة أعادت المشروع إلى دائرة الاهتمام باعتباره أحد الخيارات الاستراتيجية لتنويع منافذ تصدير النفط العراقي.

تقليل الاعتماد على مضيق هرمز

ويمثل المشروع أهمية خاصة للعراق، الذي تمر نحو 95% من صادراته النفطية عبر مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، والذي يعبر من خلاله أيضًا نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية.

ومن شأن تشغيل الخط أن يوفر لبغداد منفذًا إضافيًا على البحر المتوسط، بما يمنحها مرونة أكبر في الوصول إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، ويقلل من المخاطر المرتبطة بأي اضطرابات محتملة في الخليج.

سوريا.. استعادة دورها كممر للطاقة

بالنسبة لسوريا، يمثل المشروع فرصة لإعادة تموضعها على خريطة تجارة الطاقة الإقليمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومنشآتها النفطية، وفي مقدمتها ميناء بانياس، وخلال الأشهر الماضية، ارتفعت أهمية الميناء بصورة ملحوظة، إذ استحوذ على أكثر من 25% من صادرات زيت الوقود في الشرق الأوسط، وهو ما يعزز فرص تحقيق إيرادات من رسوم العبور والخدمات اللوجستية، إلى جانب دعم البنية التحتية للطاقة.

واشنطن وأوروبا.. تنويع مسارات الإمداد

كما يحمل المشروع أبعادًا استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة والدول الأوروبية، إذ يوفر مسارًا بديلًا لنقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، ضمن جهود أوسع لتعزيز أمن الإمدادات وتقليل المخاطر الجيوسياسية.

ويأتي ذلك في إطار توجهات أمريكية لتطوير شبكات نقل الطاقة في شرق المتوسط، تشمل سوريا والأردن وتركيا ولبنان ومصر، بما يسهم في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد العالمية، والحد من تقلبات الأسعار الناتجة عن التوترات الإقليمية.

ورغم نجاح نقل مئات الآلاف من الأطنان بالشاحنات خلال الفترة الماضية، فإن هذه الآلية تظل حلًا مؤقتًا لا يمكن الاعتماد عليه على المدى الطويل، مقارنة بخط أنابيب قادر على نقل 300 ألف برميل يوميًا بصورة مستمرة وعلى مدار الساعة.

ويرى مراقبون، أن الشحنات العراقية التي خرجت عبر الموانئ السورية لا تمثل فقط بداية مسار تجاري جديد، بل قد تكون الخطوة الأولى نحو إعادة إحياء أحد أهم مشروعات البنية التحتية للطاقة في المنطقة، في وقت تتجه فيه أسواق النفط إلى إعادة رسم خريطة طرق الإمداد بعيدًا عن نقاط الاختناق التقليدية.

Short Url

search