الجمعة، 24 يوليو 2026

04:09 م

البنك الدولي: سياسات ذكية تدفع 5 دول منخفضة الدخل لتجاوز حدودها التنموية

الجمعة، 24 يوليو 2026 02:07 م

تقرير رأس المال البشري

تقرير رأس المال البشري

مي المرسي

لم تعد الثروة المالية وحدها المقياس الحاسم لتقدم الدول، هذه هي الرسالة الأبرز التي كشف عنها إطلاق مؤشر رأس المال البشري بلس (HCI+) التابع لمجموعة البنك الدولي، بعدما أظهر أن بعض الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل تمكنت من تحقيق نتائج تتجاوز بكثير ما يتوقعه مستوى دخلها، بفضل سياسات ذكية ركزت على الاستثمار في الإنسان.

وفي وقت تتحرك فيه دولة من بين كل ثلاث دول منخفضة ومتوسطة الدخل في الاتجاه الخاطئ عبر مؤشرات رأس المال البشري، برزت تجارب رواندا، وكينيا، وفييتنام، وجمهورية قيرجيز، وجامايكا كنماذج استثنائية أثبتت أن جودة السياسات العامة يمكن أن تعوض محدودية الموارد، وأن بناء الإنسان قد يكون الطريق الأقصر لصناعة النمو.

مؤشر جديد يقيس "الثروة غير المرئية" للدول

يقدم مؤشر رأس المال البشري بلس (HCI+) رؤية مختلفة عن المؤشرات التقليدية، إذ لا يكتفي بقياس مستوى التعليم أو الصحة في الوقت الحالي، بل يرصد حجم القدرات التي يمكن لطفل مولود اليوم أن يكتسبها ويطورها حتى وصوله إلى سن العمل، ويعتمد المؤشر على أربعة محاور رئيسية تشكل دورة بناء الإنسان:

الصحة والتغذية المبكرة: باعتبارها الأساس الأول لتكوين القدرات الجسدية والعقلية.

جودة التعليم وإتمام مراحله: لقياس مدى اكتساب المعرفة والمهارات الحقيقية.

التوظيف والمشاركة في القوى العاملة: لتحويل التعليم إلى فرص اقتصادية منتجة.

التعلم والتدريب أثناء العمل: لضمان استمرار تطور المهارات ورفع الإنتاجية.


رواندا وكينيا وفييتنام.. 3 قصص نجاح غيرت المعادلة

وتكشف تجارب الدول الخمس أن التقدم في رأس المال البشري لم يكن نتيجة وفرة الموارد، بل نتيجة اختيار الأولويات والاستثمار في القطاعات الأكثر تأثيرًا.

كينيا.. معركة ضد التقزم تبدأ من الطفولة

وحققت كينيا تقدمًا لافتًا في مواجهة سوء التغذية، بعدما نجحت في خفض معدلات التقزم لدى الأطفال بنسبة 16%، وهو تطور ينعكس مباشرة على القدرات الذهنية والتحصيل التعليمي للأجيال الجديدة، كما سجلت البلاد تحسنًا في معدلات الالتحاق وإتمام مراحل التعليم العالي والتدريب التقني، ما عزز جاهزية الشباب لدخول سوق العمل.

وتقدم التجربة الكينية نموذجًا على أن الاستثمار في السنوات الأولى من حياة الطفل لا يمثل إنفاقًا اجتماعيًا فقط، بل استثمارًا طويل الأجل في الإنتاجية الاقتصادية.

رواندا.. من إصلاح الصحة إلى بناء قوة عاملة أكثر مهارة

نجحت رواندا في تطوير منظومة الصحة الأساسية والتغذية منذ عام 2010، محققة تحسنًا هيكليًا في الخدمات الصحية التي تشكل قاعدة أساسية لبناء رأس المال البشري، ولم تتوقف التجربة عند تحسين المؤشرات الصحية، بل امتدت إلى سوق العمل، حيث حققت رواندا أداءً يفوق متوسط الدول ذات الدخل المماثل في مجال التعلم أثناء العمل (On-the-job Learning)، مع الحفاظ على مستويات تعليمية مرتفعة، وتعكس التجربة الرواندية كيف يمكن للإصلاحات المتكاملة أن تغير مسار التنمية خلال سنوات محدودة.

فييتنام.. حين يتحول التعليم إلى قوة إنتاجية

تقدم فييتنام واحدة من أبرز التجارب في ربط التعليم بالنمو الاقتصادي، بعدما تصدرت الدول النامية في اختبارات جودة التعليم وتحصيل الطلاب، وساعدت هذه القاعدة التعليمية القوية على تحقيق تحول مهم في سوق العمل، عبر نقل عدد أكبر من العمالة من القطاعات غير المنظمة إلى وظائف منتظمة بأجر، بما يضمن استقرار الدخل وتراكم الخبرات والمهارات، وتكشف التجربة الفيتنامية أن التعليم لا يصبح محركًا للنمو إلا عندما يرتبط مباشرة باحتياجات الاقتصاد.

قيرجيز وجامايكا.. الاستثمار في المهارات يصنع الفارق

ركزت جمهورية قيرجيز، على رفع معدلات استكمال التعليم الأساسي والعالي، بما ساعد على تحسين كفاءة الشباب الداخلين إلى سوق العمل، وأثبتت التجربة أن توسيع قاعدة التعليم لا يتعلق فقط بزيادة أعداد الخريجين، بل بخلق قوة بشرية أكثر قدرة على المنافسة.

وحققت جامايكا، تقدمًا ملحوظًا في التعليم العالي، بعدما رفعت معدلات إتمامه بمقدار 6 نقاط مئوية خلال العقد الماضي، كما تميزت بتطوير برامج تدريبية داخل بيئة العمل، ساعدت على رفع مهارات العمالة الماهرة وتعزيز قدرتها على إنتاج قيمة اقتصادية أعلى.

وتكشف التجارب الخمس أن بناء التنمية لم يعد مرتبطًا فقط بحجم الموارد المتاحة، بل بقدرة الدول على توجيه استثماراتها نحو الإنسان بذكاء وكفاءة. فقد أثبتت هذه النماذج أن الاستثمار المبكر في صحة الطفل وتغذيته يمثل حجر الأساس في بناء إنتاجية المستقبل، وأن تحسين جودة التعليم لا يقاس بعدد سنوات الدراسة فقط، بل بمدى اكتساب الطلاب للمهارات التي يحتاجها الاقتصاد. 

كما أظهرت أن ربط التعليم باحتياجات سوق العمل يمثل العامل الحاسم لتحويل المعرفة إلى وظائف وفرص حقيقية، في حين أصبح التدريب المستمر داخل بيئة العمل ضرورة للحفاظ على تنافسية العمالة في ظل تغيرات الاقتصاد العالمي. وتؤكد هذه التجارب أن الإصلاحات الذكية والموجهة قادرة على تحقيق نتائج تتجاوز حدود الدخل والموارد، لتثبت أن الفقر ليس قدرًا محتومًا، وأن السياسات الفعالة قادرة على صناعة رأس مال بشري أقوى ودفع الدول نحو مسار أكثر استدامة للنمو.

تؤكد نتائج مؤشر HCI+ أن الدول لا تحتاج إلى انتظار تحقيق الثروة حتى تبني رأس مالها البشري، بل إن الاستثمار في الإنسان هو أحد المسارات الرئيسية للوصول إلى الثروة.

وتثبت تجارب رواندا، وكينيا، وفييتنام، وجمهورية قيرغيز، وجامايكا أن السياسات التي تجمع بين الأسرة، والتعليم، والصحة، وسوق العمل قادرة على كسر الحلقة التقليدية بين الفقر وضعف الإنتاجية، وتحويل المجتمعات محدودة الموارد إلى اقتصادات أكثر قدرة على النمو والمنافسة.

Short Url

search