الخميس، 23 يوليو 2026

02:59 م

أزمات العالم تضغط على الاقتصاد وصندوق النقد يحذر من مخاطر جديدة

الخميس، 23 يوليو 2026 01:51 م

توقعات صندوق النقد الدولي

توقعات صندوق النقد الدولي

مي المرسي

في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا منذ سنوات، كشف أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي، الصادر في يوليو 2026، عن صورة اقتصادية تجمع بين الضغوط الجيوسياسية غير المسبوقة والفرص التي خلقتها الثورة التكنولوجية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.

ويرى الصندوق، أن الاقتصاد العالمي يعيش حاليًا تحت تأثير قوتين متعاكستين، الأولى تتمثل في اضطرابات أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الناتجة عن تصاعد الصراعات في الشرق الأوسط، والثانية تتمثل في الطفرة الكبيرة التي تشهدها تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، والتي ساهمت في رفع الإنتاجية ودعم النمو في عدد من الاقتصادات الكبرى.

تباطؤ النمو العالمي وعودة الضغوط التضخمية

وتوقع صندوق النقد الدولي، أن يتباطأ معدل نمو الاقتصاد العالمي إلى 3% خلال عام 2026، مقارنة بمتوسط بلغ 3.5% خلال عامي 2024 و2025، على أن يعاود الارتفاع تدريجيًا إلى 3.4% خلال عام 2027.

وفي المقابل، توقع التقرير عودة الضغوط التضخمية، بعدما ارتفع معدل التضخم العالمي من 4.1% في عام 2025 إلى 4.7% خلال عام 2026، قبل أن يتراجع إلى نحو 3.9% في عام 2027، في إشارة إلى أن رحلة السيطرة على التضخم لم تنته بعد.

كما أشار التقرير، إلى أن حركة التجارة العالمية ستشهد تباطؤًا خلال العام الجاري، مع انخفاض معدل نمو التجارة إلى 3.5% مقارنة بنحو 5% في العام السابق، قبل أن تتحسن تدريجيًا إلى 4.3% خلال عام 2027 مع تعافي سلاسل الإمداد العالمية.

الشرق الأوسط يعيد تشكيل أسواق الطاقة

وأوضح التقرير، أن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط كان العامل الأكثر تأثيرًا على أسواق الطاقة العالمية خلال عام 2026، خاصة مع المخاوف المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.

ورغم أن الأسواق لم تشهد أزمة إمدادات حادة حتى الآن، بفضل الاعتماد على المخزونات التجارية والاستراتيجية، فإن صندوق النقد حذر من أن استمرار استنزاف هذه المخزونات قد يجعل الأسواق أكثر عرضة لتقلبات حادة في الأسعار إذا استمرت التوترات أو تعطل مرور شحنات الطاقة.

ووفقًا للتقرير، ارتفع متوسط أسعار النفط خلال عام 2026 بنحو 32% مقارنة بالعام السابق، ليصل إلى نحو 89 دولارًا للبرميل، وهو مستوى يزيد بنحو 9% عن التوقعات السابقة للصندوق.

كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي عالميًا بنحو 22%، بينما سجل الغاز الطبيعي المسال زيادات أكبر، بلغت 50% في الأسواق الآسيوية و25% في أوروبا، نتيجة زيادة الطلب واضطرابات الإمدادات، وامتدت آثار ارتفاع أسعار الطاقة إلى القطاع الزراعي، حيث ارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 26%، وهو ما انعكس على أسعار الغذاء العالمية التي سجلت زيادة بلغت نحو 8%.

الذكاء الاصطناعي يقود موجة النمو الجديدة

وفي المقابل، اعتبر التقرير، أن الطفرة غير المسبوقة في الذكاء الاصطناعي أصبحت المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي العالمي، وأشار إلى أن الشركات العالمية ضخت استثمارات ضخمة في مراكز البيانات، والرقائق الإلكترونية، والبنية التحتية الرقمية، الأمر الذي ساهم في رفع معدلات الإنتاجية وتسريع وتيرة الابتكار في العديد من القطاعات.

ويرى الصندوق أن هذه الاستثمارات لعبت دورًا مهمًا في الحد من آثار تباطؤ الاقتصاد العالمي، خاصة في الاقتصادات التي تمتلك صناعات تكنولوجية متقدمة.

الرابحون من الثورة الرقمية

وأبرز التقرير، مجموعة من الاقتصادات التي استفادت بصورة واضحة من طفرة التكنولوجيا، ففي كوريا الجنوبية، سجل الاقتصاد نموًا بلغ 7.5% خلال الربع الأول من العام، مدفوعًا بالارتفاع القوي في صادرات الرقائق الإلكترونية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

أما الصين، فحققت نموًا بلغ 8.1% خلال الربع الأول، مع توقعات بأن يبلغ متوسط النمو السنوي نحو 4.6%، بدعم من الاستثمارات الحكومية والصادرات التكنولوجية.

كما رفعت المؤسسات الدولية توقعاتها لعدد من الاقتصادات الآسيوية، من بينها فيتنام وماليزيا وتايوان وتايلاند، نتيجة توسعها في سلاسل توريد التكنولوجيا العالمية.

وفي الولايات المتحدة، توقع التقرير نمو الاقتصاد بنسبة 2.3% خلال عام 2026، و2.2% خلال عام 2027، مستفيدًا من مكانتها كمركز عالمي لشركات التكنولوجيا، إلى جانب كونها من كبار منتجي الطاقة.

مناطق تواجه ضغوطًا أكبر

في المقابل، أشار التقرير إلى أن منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ستكون من أكثر المناطق تأثرًا باضطرابات الطاقة، مع توقعات بتباطؤ النمو إلى نحو 0.7% خلال عام 2026، قبل أن يشهد الاقتصاد تعافيًا قويًا في عام 2027 ليصل إلى نحو 6.5% إذا تحسنت الأوضاع الجيوسياسية واستعادت حركة التجارة الطبيعية.

كما توقع الصندوق، أن يسجل اقتصاد منطقة اليورو نموًا محدودًا لا يتجاوز 0.9% خلال عام 2026، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الإنفاق الاستهلاكي، أما الدول منخفضة الدخل، فمن المتوقع أن تواجه ضغوطًا أكبر بسبب ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، فضلًا عن محدودية استفادتها من الطفرة التكنولوجية العالمية.

ميزان المخاطر لا يزال يميل إلى السلبية

ورغم المؤشرات الإيجابية التي وفرها قطاع التكنولوجيا، أكد التقرير أن ميزان المخاطر ما زال يميل إلى الجانب السلبي، وأوضح أن استمرار إغلاق الممرات البحرية الحيوية، أو تصاعد النزاعات التجارية، أو تفاقم أزمة الديون العالمية، قد يؤدي إلى تباطؤ أكبر في الاقتصاد العالمي.

كما حذر التقرير من احتمالات تشكل "فقاعة" في قطاع الذكاء الاصطناعي، إذا لم تنجح الشركات في تحقيق عوائد اقتصادية تبرر التقييمات المرتفعة لأسهمها، وهو ما قد يؤدي إلى تصحيح حاد في الأسواق المالية العالمية.

وفي المقابل، يرى الصندوق أن التوصل إلى اتفاقات سياسية تخفف التوترات في الشرق الأوسط، وإعادة فتح الممرات البحرية بصورة كاملة، إلى جانب استمرار مكاسب الذكاء الاصطناعي ورفع الإنتاجية، قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى تحقيق أداء أفضل من المتوقع.

توصيات لصناع القرار

واختتم صندوق النقد الدولي تقريره بعدد من التوصيات للحكومات والبنوك المركزية، مؤكدًا ضرورة الإبقاء على السياسات النقدية التي تستهدف السيطرة على التضخم وعدم التسرع في خفض أسعار الفائدة.

كما دعا إلى إعادة بناء الهوامش المالية للحكومات، مع توجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجًا بدلًا من الدعم الشامل، بما يساعد على الحد من اتساع عجز الموازنات وارتفاع الديون.

وأكد التقرير أيضًا أهمية الاستثمار في أمن الطاقة، وتسريع التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة، وتطوير البنية التحتية الرقمية، باعتبارها عناصر أساسية لتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين قدرة الدول على مواجهة الصدمات المستقبلية.

ويرى صندوق النقد الدولي، أن عام 2026 يمثل نقطة تحول للاقتصاد العالمي، حيث تتنافس المخاطر الجيوسياسية مع الثورة التكنولوجية على رسم ملامح المرحلة المقبلة، في وقت ستظل فيه قرارات الحكومات والبنوك المركزية العامل الحاسم في تحديد اتجاه الاقتصاد العالمي خلال السنوات القادمة.

Short Url

search