«فيلاريو» بوابة مصر لدخول عصر القطارات فائقة السرعة على خط الصعيد (تفاصيل)
الإثنين، 20 يوليو 2026 12:27 ص
قطار "فيلارو" الألماني
تخطو مصر نحو حقبة جديدة في مجال نقل الركاب، إذ دخل أول نظام للقطارات فائقة السرعة في البلاد مراحله النهائية من التطوير والاختبار، ولا يقتصر المشروع على مجرد تشغيل قطار أسرع على مسارات السكك الحديدية القائمة؛ بل يمثل إنشاء منظومة متكاملة وجديدة كلياً للسكك الحديدية والذي يخدم خصيصا خط صعيد مصر، صُممت فيها القطارات والمسارات وأنظمة الإمداد بالطاقة والإشارات والمحطات ومراكز التحكم لتعمل معاً كآلة واحدة مترابطة.
قطار «فيلاريو» الألماني فائق السرعة
ويأتي في قلب هذا التحول قطار «فيلارو» الألماني فائق السرعة، الذي طورته شركة «سيمنز موبيليتي» خصيصاً ليتناسب مع الظروف المناخية القاسية في مصر، ويُعد هذا القطار جزءاً من شبكة سكك حديدية ضخمة تمتد لمسافة 2000 كيلومتر، وتهدف إلى الربط بين نحو 60 مدينة في جميع أنحاء البلاد.
ويمتد المسار الرئيسي الأول -المعروف باسم «الخط الأخضر»- لمسافة تقارب 660 كيلومتراً، رابطاً بين العين السخنة على البحر الأحمر والقاهرة والعاصمة الإدارية الجديدة والإسكندرية والعلمين ومرسى مطروح.
أما المسار الثاني الخاص بشبكة القطار الكهربائي السريع (الخط الأخضر) يربط بين محافظات الصعيد ويمتد حتى مدينة أبو سمبل، بسرعة تصل إلى 250 كم.
ودخل الخط الأول بالفعل مراحل التشغيل التجريبي، إذ صرحت الحكومة بإجراء رحلات اختبارية في نوفمبر 2025، وقد صُممت الشبكة لتجمع بين قطارات الركاب فائقة السرعة، وخدمات النقل الإقليمي، ونقل البضائع، وذلك ضمن نظام سكك حديدية حديث يعمل بالطاقة الكهربائية.

كيف يمكن لقطار يزن مئات الأطنان أن يتحرك بسرعات تقترب من 250
ولفهم كيف يمكن لقطار يزن مئات الأطنان، أن يتحرك بسرعات تقترب من 250 كيلومتراً في الساعة، ثم يتوقف بدقة متناهية، يجب أن تبدأ القصة من نقطة أخرى غير القطار نفسه.
عندما يسمع الناس عبارة «قطار فائق السرعة»، غالباً ما يتبادر إلى أذهانهم محرك قوي وهيكل انسيابي، لكن السرعة ليست هي المنتج النهائي؛ فالسرعة هي نتاج منظومة كاملة هُندست أجزاؤها لتعمل معاً بدقة فائقة.
فالقطار مهما بلغت قوة محركاته لا يمكنه الوصول بأمان إلى سرعات عالية إذا كان يسير على بنية تحتية صُممت لحركة القطارات التقليدية.
مسارات محددة بدقة عالية
ولهذا السبب، تعتمد أنظمة القطارات فائقة السرعة على مسارات مصممة خصيصاً، تتميز بمسارات محددة بدقة عالية، وأنظمة إشارات متطورة، وفصل للمستويات (أي فصل مسار القطار عن الطرق العادية) عند الضرورة.
والهدف من ذلك هو القضاء على المخاطر غير المتوقعة المرتبطة بتقاطعات الطرق العادية، ومعابر المشاة، والوصول غير المنضبط إلى خط السكة الحديدية.
وعليه، يجري إنشاء النظام الجديد في مصر كشبكة سكك حديدية حديثة ومخصصة، وليس مجرد تحديث بسيط لخطوط السكك الحديدية القائمة في البلاد.
ويشمل المشروع مسارات جديدة، وأنظمة للكهرباء، ومحطات فرعية، وأنظمة إشارات، ومراكز تحكم، ومستودعات، ومرافق للصيانة.
وتتولى شركة «سيمنز موبيليتي» توريد القطارات وتقنيات السكك الحديدية المتكاملة، وذلك ضمن تحالف يضم كلاً من شركة «أوراسكوم للإنشاءات» وشركة «المقاولون العرب».
لماذا لا يمكن للقطارات الحالية ببساطة السير بسرعة أكبر؟
لا يكمن التحدي الحقيقي في قوة المحرك فحسب، بل في التفاعل بين السرعة ومسار السكة والقوى المؤثرة على القطار، فعند السرعات العالية، تشكل المنعطفات تحدياً هندسياً كبيراً؛ إذ يتعرض القطار أثناء مروره في منعطف لقوى جانبية تدفعه نحو الخارج، وكلما زادت سرعة القطار، زادت صعوبة التعامل مع هذا المنعطف.
ولهذا السبب، تتطلب السكك الحديدية فائقة السرعة تصميماً هندسياً دقيقاً لهيكل المسار، ومنعطفات ذات نصف قطر كبير، وميولاً مدروسة بدقة، ومعايير بناء صارمة للغاية. فالسكك التي قد تكون مناسبة تماماً للقطارات التقليدية، قد لا تصلح لقطار يسير بسرعة 230 أو 250 كيلومتراً في الساعة، ومن ثم، يتم تصميم المسار ليتناسب مع خصائص القطار منذ البداية.
قطار «فيلارو» (Velaro) المصري
ينتمي القطار الذي تسلمه شركة «سيمنز موبيليتي» (Siemens Mobility)، إلى مصر إلى عائلة «فيلارو» (Velaro)، وهي واحدة من أشهر منصات القطارات فائقة السرعة في العالم. ومع ذلك، فقد تم تعديل النسخة المصرية خصيصاً لتلائم ظروفاً تختلف تماماً عن تلك السائدة في معظم أنحاء أوروبا، مصر تعني درجات حرارة مرتفعة للغاية، وغباراً صحراوياً ورمالاً.
وتم تزويد قطار «فيلارو» المصري، بتدابير محددة للحد من تأثير البيئة الصحراوية، إذ تشير «سيمنز» إلى أنه تم إحكام سد الفجوات الخارجية أو حمايتها بأغطية وفرش لمنع دخول الرمال والغبار، كما جرى تركيب أنظمة ترشيح متطورة في مكونات توجيه الهواء، مع تحسين تدفق الهواء أسفل القطار لتقليل مخاطر ارتفاع درجة الحرارة.
ويشتمل القطار أيضاً على تدابير ديناميكية هوائية تهدف إلى منع تصاعد الرمال والغبار نحو المعدات الحساسة الموجودة على السقف عند السير بسرعات عالية. وعلاوة على ذلك، تمت زيادة قدرة نظام تكييف الهواء وتحسين توزيع الهواء لضمان راحة الركاب في ظل المناخ الحار في مصر.
وبعبارة أخرى، فإن مصر لا تتسلم قطاراً أوروبياً لتضعه ببساطة في بيئة صحراوية، بل إن القطار قد صُمم وهُندس خصيصاً ليتناسب مع البيئة التي سيعمل فيها.

صُنع في ألمانيا
يجري تصنيع قطار «فيلارو» (Velaro) المخصص لمصر في ألمانيا، حيث يلعب مركز «سيمنز موبيليتي»، الرئيسي لتصنيع السكك الحديدية في مدينة "كريفيلد" دوراً محورياً في إنتاج قطارات الشركة فائقة السرعة.
يعمل منشأة «كريفيلد» في مجال تصنيع القطارات منذ عام 1898، وتوظف حالياً أكثر من 2000 شخص يعملون في تصميم وتطوير وإنتاج مركبات السكك الحديدية والمكونات الكهربائية. وينتج المصنع العديد من منصات قطارات «سيمنز» الرئيسية، بما في ذلك طراز «فيلارو» والقطارات الإقليمية.
ووصفت «سيمنز» الطلبية المصرية بأنها الأكبر في تاريخ مصنع «كريفيلد»، إذ تشمل 41 قطاراً من طراز «فيلارو» و94 قطاراً إقليمياً من طراز «ديسيرو إتش سي» (Desiro HC).
تبدأ عملية التصنيع بالهيكل الإنشائي للقطار
ويجرى تجميع المكونات المصنوعة من الألومنيوم وتركيبها ولحامها معاً لتشكيل هياكل العربات. وتُطلى هذه الهياكل قبل أن يبدأ تزويد القطار تدريجياً بأنظمته الداخلية، والمعدات الكهربائية، وتجهيزات الركاب، والمقاعد، والأبواب، وغيرها من المكونات.
وتُعد هذه العملية أكثر تعقيداً بكثير من مجرد تجميع مجموعة من العربات؛ إذ يجب دمج كل نظام واختباره والتحقق من كفاءته قبل أن يدخل القطار الخدمة. وبعد اكتمال تصنيعه، يخضع القطار لاختبارات لضمان عمل أنظمة الدفع والكبح والكهرباء والاتصالات والسلامة معاً كوحدة متكاملة.
قطار بنظام دفع موزع
وتتمثل إحدى أهم ميزات قطار «فيلارو» المصري في نظام الجر (الدفع) الموزع.
فبدلاً من تركيز جميع معدات الجر في قاطرة واحدة في المقدمة أو المؤخرة، تتوزع معدات الدفع على طول تشكيلة القطار بأكملها. ويتيح ذلك للقطار استغلال طوله بكفاءة أكبر، كما يساعد في توفير تسارع قوي مع الحفاظ على توازن الهيكل.
ويتكون القطار من وحدة فائقة السرعة تضم ثماني عربات ومصممة للعمل بسرعات تصل إلى 250 كيلومتراً في الساعة، في حين تشير التقديرات إلى أن نظام السكك الحديدية المصري سيشغل خدمات نقل الركاب بسرعات تصل إلى حوالي 230 كيلومتراً في الساعة، وذلك حسب نوع الخدمة والبنية التحتية. وتتراوح السعة الاستيعابية لقطار "فيلارو" المصري بين 481 و489 راكباً تقريباً -حسب التكوين الداخلي- كما يضم خدمات الإنترنت ومنافذ الطاقة وشاشات عرض معلومات الركاب.
وبذلك، لا يُعد القطار مجرد وسيلة نقل سريعة، بل هو نظام إلكتروني متحرك.

نظام خفي يضمن سلامة القطار
وعند السير بسرعة 250 كيلومتراً في الساعة، لا يمكن للسائق الاعتماد فقط على ما يراه عبر الزجاج الأمامي، ويجب أن يتلقى القطار باستمرار معلومات حول مسار السكك الحديدية أمامه، وحالة الطريق، وحركة القطارات الأخرى، وهنا تبرز أهمية الأنظمة الحديثة للإشارات والتحكم في القطارات.
ويتضمن مشروع القطار فائق السرعة في مصر تقنيات متطورة للإشارات والتحكم، صُممت لإدارة حركة القطارات، والحفاظ على مسافات آمنة بينها، ونقل المعلومات التشغيلية إلى القطار. ويهدف النظام الشامل إلى الجمع بين تقنيات التحكم الرقمي والاتصالات وسلامة السكك الحديدية، بدلاً من الاعتماد فقط على الإشارات التقليدية المثبتة على جانبي المسار.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل من المستحيل إدخال القطارات فائقة السرعة ببساطة إلى شبكة سكك حديدية قديمة دون إجراء تغييرات جذرية؛ إذ يجب أن يكون هناك توافق وتناغم بين القطار ونظام الإشارات، ويجب أن يعرف نظام السكك الحديدية موقع القطار، وأن يعرف القطار السرعة المسموح له بالسير بها، كما يجب أن يعرف نظام التحكم ما يوجد أمامه على المسار، وفي حال حدوث أي تغيير، يجب أن يكون النظام قادراً على الاستجابة بسرعة تفوق قدرة المشغل البشري.
الطاقة تأتي من الأعلى
يُعد قطار «فيلارو» (Velaro)، المصري قطاراً كهربائياً؛ فهو لا يعتمد على محرك ديزل تقليدي لتوليد الطاقة اللازمة للتشغيل بسرعات عالية، وبدلاً من ذلك، يتم تزويده بالكهرباء عبر نظام التغذية الكهربائية العلوي الممتد على طول السكة الحديدية.
ويتصل القطار بمصدر الطاقة العلوي، من خلال «مجمع تيار» (pantograph)، مثبت على سقف القطار، يحافظ على تلامسه مع السلك العلوي أثناء حركة القطار. بعد ذلك، يتم تحويل الطاقة الكهربائية وتوزيعها عبر نظام الدفع في القطار لتصل إلى معدات الجر التي تحرك العجلات.
متطلب أساسي آخر
لذا، يشتمل مشروع القطار فائق السرعة في مصر على محطات فرعية، ومحولات، وأنظمة التغذية الكهربائية العلوية، والأنظمة اللازمة لضمان إمداد مستقر للطاقة على طول المسار.
وقد أفادت شركة "سيمنز" (Siemens) بأن العمل جارٍ بالفعل في إنشاء وتركيب المحطات الفرعية والمحولات الخاصة بالخط الأول، بالتزامن مع تقدم أعمال البنية التحتية للسكك الحديدية.
وعليه، فإن السكك الحديدية ليست مجرد قضيبين من الصلب، بل هي أيضاً شبكة كهربائية تمتد بمحاذاة المسار.
_1808_121423.jpg)
ما نوع القضبان التي يحتاجها قطار "فيلارو" (Velaro)؟
ولا يمكن لقطار «فيلارو» العمل بأمان على مسارات السكك الحديدية العادية المُنشأة وفقاً للمعايير التقليدية، إذ يجب إنشاء السكة الحديدية وفقاً لمعايير السرعة العالية، بحيث تتميز بقضبان مصطفة بدقة، ومنحنيات مصممة هندسياً بعناية، وأساسات متينة، وهيكل مسار قادر على تحمل عمليات التشغيل المتكررة بسرعات عالية.
ويجب أن يحافظ المسار على هندسته (أبعاده وتكوينه) تحت التأثيرات المجتمعة لوزن القطار، والسرعة، ودرجة الحرارة، والظروف البيئية، وفي مصر، يمثل هذا الأمر تحدياً إضافياً، إذ يجب أن تتحمل البنية التحتية للسكك الحديدية الحرارة الشديدة، وغبار الصحراء، وتمدد وانكماش المواد الناتج عن تفاوت درجات الحرارة.
ولذلك، يتطلب المسار أساسات مصممة هندسياً بعناية، ومكونات قضبان عالية الجودة، وعمليات تركيب دقيقة. كما يجب فحص السكة الحديدية وصيانتها باستمرار؛ لأن الانحرافات الطفيفة في هندسة المسار قد تصبح مؤثرة بشكل كبير عند السرعات العالية.
Short Url
السويدي إليكتريك لحلول المباني تفتتح مركز «هيتاشي» لتجربة حلول التبريد غدًا
20 يوليو 2026 03:46 م
“جمعية رجال أعمال إسكندرية” تبحث مع "سفيرة المجر" تعزيز التعاون في عدة قطاعات صناعية
20 يوليو 2026 03:07 م
اتحاد الصناعات: دمج المشروعات الصغيرة في سلاسل القيمة وتطوير المهارات الرقمية
20 يوليو 2026 01:34 م
أكثر الكلمات انتشاراً
