الأحد، 19 يوليو 2026

10:36 ص

كيف تحولت نفايات القاهرة إلى "منجم" للمواد الخام الصناعية؟

الأحد، 19 يوليو 2026 12:57 ص

مجمع نفايات في حي منشأة ناصر

مجمع نفايات في حي منشأة ناصر

أسست أجيال من جامعي القمامة بين الأزقة الضيقة في حي "منشأة ناصر" شرق القاهرة، واحدًا من أكبر أنظمة إعادة التدوير غير الرسمية في العالم، وما كان يُنظر إليه في السابق باعتباره مجرد نشاط لجمع النفايات، بات اليوم مصدرًا حيويًا للمواد الخام للمصانع المصرية، لا سيما في ظل اضطراب سلاسل التوريد العالمية، الناجم عن الأزمة في مضيق هرمز.

ويعالج الحي، ما يقرب من ثلث نفايات القاهرة، واليوم، يشهد قطاع إعادة التدوير فيه طلبًا متزايدًا، إذ يبحث المصنعون عن بدائل للمواد البلاستيكية المستوردة، وتحديدًا البولي إيثيلين المعاد تدويره، وهو مكون رئيسي يُستخدم بكثافة في التعبئة والتغليف، ويُعد من أكثر أنواع البلاستيك استخدامًا على مستوى العالم.

ودفعت الاضطرابات في مسارات الشحن، وما صاحبها من ارتفاع في تكاليف النقل والاستيراد، المصانعَ إلى الاعتماد بشكلٍ أكبر على المواد المعاد تدويرها محليًا، وصرحت مصادر صناعية لوكالة الأنباء الفرنسية، أن أسعار مواد التعبئة والتغليف والبلاستيك قد تضاعفت، أو تجاوزت الضعف  بالنسبة لبعض المنتجات، ما دفع المصنعين للجوء إلى البدائل المحلية المعاد تدويرها.

وتشير التقارير، إلى أن الطلب على المواد المعاد تدويرها، قد تضاعف 3 مرات في بعض القطاعات، في حين ارتفعت أسعار أنواع معينة من البلاستيك المعاد تدويره بنسبة تصل إلى 60%.

 

مصر تعتمد على المواد الخام البلاستيكية المستوردة

كشفت الأزمة عن مدى تأثر سلاسل توريد البلاستيك في مصر باضطرابات التجارة العالمية، فوفقًا لغرفة الصناعات الكيماوية، تستورد مصر ما يقرب من 40% من احتياجاتها من المواد الخام البلاستيكية، وتأتي هذه الواردات بشكلٍ رئيسي من دول الخليج وأوروبا والصين وكوريا الجنوبية.

ويعد الشرق الأوسط موردًا عالميًا رئيسيًا للبولي إيثيلين، إذ تمر نحو 85% من صادراته عبر مضيق هرمز، ونتيجة لذلك، فإن أي اضطراب في حركة الشحن عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي، قد تؤثر بشكلٍ مباشر على توافر وتكلفة المواد الخام البلاستيكية في الأسواق الدولية، ومن ثم، أصبح البلاستيك المعاد تدويره محليًا بديلًا متزايد الأهمية بالنسبة للمصنعين المصريين.

وقال أحد العاملين: "أصبحت عمليات الاستيراد صعبة للغاية خلال فترة الأزمة، إذ ارتفعت تكاليف الشحن بشكلٍ كبيرٍ وتضاعفت الأسعار أو تجاوزت الضعف، كما أصبح من الصعب توفير الدولار اللازم للاستيراد، فضلًا عن المخاوف بشأن عدم وصول المواد الخام بسلام بعد شحنها".

وأضاف: "نتيجة لذلك، زاد الطلب على المواد المعاد تدويرها بشكل ملحوظٍ"، واصفًا عامل آخر الارتفاع الحاد في الاستهلاك الصناعي، مشيرًا إلى أن المصانع التي كانت تستهلك سابقًا نحو 10 أطنان من المواد المعاد تدويرها، باتت تستخدم الآن ما يقرب من 20 طنًا.


معالجة 18 ألف طن من النفايات يوميًا

يتجاوز نطاق اقتصاد إعادة التدوير، مجرد التعامل مع البلاستيك؛ إذ صرح شحات محمود المقدم، رئيس نقابة جامعي القمامة في مصر، بأن جامعي النفايات يتعاملون مع ما يقرب من 18 ألف طن من النفايات يوميًا في محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية.

وتشمل هذه الكمية اليومية وفقًا للمقدم، حوالي 8 آلاف طن من المواد الصلبة القابلة لإعادة التدوير وتوريدها للقطاع الصناعي، إضافة إلى نحو 6 آلاف طن من النفايات العضوية التي تُستخدم كأعلاف للحيوانات.

وتتكون الـ2,000 طن المتبقية، من نفايات غير قابلة لإعادة التدوير، بما في ذلك المخلفات الصحية والطبية، والتي يتم التخلص منها تحت إشراف الدولة، كما تشمل المواد القابلة لإعادة التدوير كلًا من البلاستيك والورق والزجاج والمعادن، وتُصنَّف هذه المواد إلى أكثر من 300 فئة قبل إرسالها إلى المصانع في المناطق الصناعية الكبرى، مثل مدينة السادس من أكتوبر، ومدينة بدر، ومدينة العاشر من رمضان، ومدينة العبور.

وتعمل هذه العملية، على تحويل المواد المهملة - التي تُجمع من المنازل والشوارع والمنشآت التجارية - إلى مدخلات صناعية يمكن معالجتها وإعادة استخدامها في عمليات التصنيع.

 

المعالجة في درجات حرارة عالية تقلل الاعتماد على الاستيراد

تُرسل العديد من هذه المواد للمعالجة الصناعية في درجات حرارة عالية بعد عملية الفرز؛ حيث تتيح هذه العملية للمصانع إنتاج مواد خام مُعاد تدويرها يمكن أن تحل جزئيًا محل المنتجات المستوردة.

ويساهم ذلك في تقليل اعتماد مصر على المواد الخام الأجنبية، كما يساعد في توفير مبالغ كبيرة من العملة الصعبة، لا سيما في فترات ارتفاع تكاليف الشحن، وفرض قيود على الاستيراد، والضغط على توفر الدولار.

وأصبح قطاع إعادة التدوير بناءً على ذلك، حلقة وصل مهمة بين الاقتصاد غير الرسمي لجمع النفايات والقطاع الصناعي الرسمي في مصر، إذ يتم جمع المواد التي كانت ستلقى في القمامة، وفصلها، ومعالجتها، وتوريدها في النهاية إلى المصانع كموادٍ خام لإنتاج سلع جديدة.

 

سوق علب الألومنيوم "الكانز" من بين الأكثر قيمة

وتُعد علب الألومنيوم المعروفة محليًا باسم "الكانز"، من بين أكثر المواد قيمة في سوق النفايات، إذ قد يصل سعرها إلى حوالي 100 ألف جنيه للطن، وذلك وفقًا لرئيس نقابة جامعي القمامة.

وتعكس تقلبات الأسعار الديناميكيات الأوسع لسوق إعادة التدوير؛ إذ يمكن لعوامل مثل الطلب من المصانع، والأسعار العالمية للسلع، وتكاليف الاستيراد، واضطرابات الإمداد، أن تؤثر بسرعة على قيمة المواد التي يتم جمعها.

وتبرز صناعة إعادة التدوير في القاهرة بشكل متزايد كمصدر استراتيجي للمدخلات المتاحة محليًا، وفي ظل تزايد حالة عدم اليقين التي تواجه المصنعين فيما يتعلق بالمواد الخام البلاستيكية المستوردة.


دور صناعي متنامٍ لجامعي النفايات

أدى تحويل النفايات إلى مواد خام صناعية إلى منح قطاع جمع النفايات دورًا اقتصاديًا أوسع نطاقًا، كما تُشكل شبكة جامعي النفايات ومرافق الفرز ومصانع إعادة التدوير - فعليًا - سلسلة توريد ممتدة تبدأ بالنفايات المنزلية والتجارية، وتنتهي بالإنتاج الصناعي.

كما يساهم هذا النظام، في تقليل حجم النفايات الموجهة إلى مكبات النفايات، مع استعادة مواد قيّمة يمكن إعادة دمجها في الدورة الاقتصادية، وقد اكتسب هذا القطاع أهمية إضافية بالنسبة لمصر، لا سيما في ظل الاضطرابات التي شهدها قطاع الشحن العالمي، والتي أثارت تساؤلات حول موثوقية وتكلفة المواد الخام المستوردة.

وبدأ النظر في ظل هذه الظروف، إلى اقتصاد إعادة التدوير غير الرسمي في منطقة "منشأة ناصر" بشكلٍ متزايدٍ ليس فقط كنظام لإدارة النفايات، بل كمصدرٍ حيوي للموارد الصناعية.

 

18 ألف طن من النفايات يوميًا

وذكر شحاتة المقدس نقيب الزبالين، من جانبه أن جامعي النفايات يتعاملون مع ما يقرب من 18 ألف طن من النفايات يوميًا في مناطق القاهرة والجيزة والقليوبية.

وأوضح المقدس في تصريح لـ"إيجي إن"، أن نحو 8 آلاف طن من هذه الكمية، تتكون من مواد صلبة قابلة لإعادة التدوير تخدم القطاع الصناعي، بينما يُستخدم حوالي 6 آلاف طن من النفايات العضوية كأعلاف للحيوانات، أما الكمية المتبقية، والبالغة 2,000 طن من النفايات غير القابلة لإعادة التدوير بما في ذلك المخلفات الصحية والطبية - فيتم التخلص منها تحت إشراف الدولة.

وتشمل المواد القابلة لإعادة التدوير البلاستيك، والورق والزجاج والمعادن، إذ تُصنّف هذه المواد إلى أكثر من 300 فئة أثناء عملية الفرز قبل إرسالها إلى المصانع في مدن السادس من أكتوبر وبدر والعاشر من رمضان والعبور.

وأشار المقدس، إلى أن هذه المواد تخضع للمعالجة في درجات حرارة صناعية عالية، ما يساعد في تقليل حاجة مصر لاستيراد المواد الخام، وتوفير مبالغ كبيرة من العملة الصعبة.

كما أَلفت إلى أن دخل العمال ليس ثابتًا، نظرًا لأن أسعار المواد القابلة لإعادة التدوير تخضع لتقلبات العرض والطلب، وتُعد بعض المواد سلعًا عالية القيمة في سوق النفايات؛ إذ تُعتبر علب الألومنيوم من أغلى هذه المواد، حيث يصل سعر الطن منها إلى حوالي 100 ألف جنيه.

وأكد أن دوره بصفته الرئيس الفخري، وممثل نقابة عمال قطاع الصرف الصحي، يتمثل في الدفاع عن حقوقهم والعمل كحلقة وصل بين الدولة والعمال، وليس في الكشف عن دخلهم الفردي أو تقديره.

 

اقرأ أيضا:-

أباطرة صناعة دواء السرطان يواجهون تحديات السوق بـ400 مليار دولار.. من المتحكم؟
 

Short Url

search