رقية الأشرم تكتب: الذهب بين ضغوط التصحيح وقوة البنوك المركزية.. هل اقترب عصر المعدن الأصفر من نهايته؟
الثلاثاء، 14 يوليو 2026 11:15 م
رقية الأشرم
رقية الأشرم
في كل دورة اقتصادية يخرج من يعلن أن الذهب فقد بريقه، وأن عصره انتهى، لكن التاريخ المالي العالمي يثبت أن المعدن الأصفر لا يموت، بل يمر بموجات صعود وهبوط تحكمها السياسة النقدية، وأسعار الفائدة، والتوترات الجيوسياسية، وحركة البنوك المركزية الكبرى.
شهدت أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة عمليات تصحيح سعري دفعت كثيرين إلى التساؤل: هل بدأ العد التنازلي لانهيار الذهب؟ أم أن ما يحدث ليس سوى استراحة مؤقتة داخل موجة صعود طويلة؟
الواقع الاقتصادي يشير إلى أن انخفاض الذهب لا يعني بالضرورة انهياره. فالأسواق المالية بطبيعتها لا تتحرك في خط مستقيم، بل تتنفس بالصعود والهبوط. وإذا ارتفعت قيمة الدولار الأمريكي أو زادت التوقعات باستمرار أسعار الفائدة المرتفعة، يتعرض الذهب لضغوط بيعية مؤقتة، لكنه يظل محتفظًا بمكانته كملاذ آمن عند اشتداد الأزمات.
وعلى مدار الأعوام الأخيرة، أعادت البنوك المركزية رسم خريطة الطلب العالمي على الذهب. فقد اتجهت دول عديدة، وفي مقدمتها الصين وروسيا، إلى تعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس، في إطار سياسة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الدولار وتنويع الأصول الاستراتيجية. كما واصلت بنوك مركزية في الأسواق الناشئة شراء الذهب بوتيرة مرتفعة، وهو ما وفر دعماً هيكلياً للأسعار.
أما في المنطقة العربية، فتتصدر دولة الإمارات المشهد بوصفها أحد أكبر مراكز تجارة وإعادة تصدير الذهب في الشرق الأوسط، مستفيدة من بنيتها اللوجستية وموقعها التجاري، إلا أنها ليست أكبر دولة منتجة للذهب عربياً؛ فالإنتاج يتركز في دول تمتلك مناجم كبيرة، بينما تتميز الإمارات بدورها التجاري والتصديري العالمي.
ويطرح البعض سؤالاً مشروعًا: هل وصلت الدول الكبرى إلى مرحلة الاكتفاء من شراء الذهب؟ حتى الآن، لا توجد مؤشرات تؤكد ذلك. فسياسات البنوك المركزية تُبنى على اعتبارات استراتيجية طويلة الأجل، وليس على صفقات قصيرة المدى. وقد تتباطأ وتيرة الشراء من حين إلى آخر، لكنها لا تعني بالضرورة توقف الطلب أو التخلي عن الذهب كأصل احتياطي.
صحيح أن بعض الدول، مثل تركيا، قامت في فترات سابقة ببيع جزء من احتياطياتها، كما شهدت دول أخرى تعديلات محدودة في محافظها الذهبية، إلا أن هذه العمليات كانت مرتبطة بإدارة السيولة أو بالسياسات النقدية الداخلية، ولم تمثل تحولاً عالمياً نحو التخلي عن الذهب.
ومن هنا، فإن الحديث عن انهيار الذهب يبدو سابقًا لأوانه. فالانهيار الحقيقي يتطلب تراجعًا جماعيًا ومستدامًا في الطلب من البنوك المركزية، واستقرارًا اقتصاديًا عالميًا طويل الأمد، وانخفاضًا حادًا في المخاطر الجيوسياسية، وهي عوامل لا تزال بعيدة عن الواقع الحالي.
إن مستقبل الذهب سيظل مرهونًا بثلاثة متغيرات رئيسية: اتجاه أسعار الفائدة الأمريكية، وقوة الدولار، وحجم مشتريات البنوك المركزية. فإذا استمرت هذه المؤسسات في تعزيز احتياطياتها، فإن الذهب سيحتفظ بجاذبيته الاستثمارية حتى وإن تعرض لموجات تصحيح مؤقتة.
الخلاصة أن ما يشهده المعدن الأصفر اليوم ليس إعلانًا لنهاية عصر الذهب، وإنما اختبار جديد لقوة سوق اعتاد أن ينهض بعد كل هبوط. فالذهب لا يقاس بسعر يوم أو شهر، بل بمكانته التاريخية كأحد أهم مخازن القيمة في أوقات عدم اليقين، وهو ما يجعل الرهان على انهياره الكامل في وقت قصير رهانًا يفتقر حتى الآن إلى الأدلة الاقتصادية الكافية.
Short Url
نوران الرجال تكتب: «TIR».. بوابة مصر للاندماج في الممرات التجارية الممتدة إلى آسيا
14 يوليو 2026 12:25 م
الدكتور علي الدكروري يكتب: لماذا يفشل الأذكياء وينجح أصحاب الانضباط؟
14 يوليو 2026 12:03 م
الدكتور تامر سعيد يكتب: المنتخب المصري وتقليل الفجوة بين الرغبة والقدرة
12 يوليو 2026 07:19 م
أكثر الكلمات انتشاراً