المعادن النادرة تشعل الحروب التجارية بين الدول.. وأمريكا وأوروبا يبحثان عن بدائل للصين
الخميس، 28 مايو 2026 07:30 م
ثروات طبيعية
إيمان البصيلي
تُعتبر العناصر الأرضية النادرة والتي تتكون من 17 عنصراً كيميائياً، من بينها الإيتريوم، والسيريوم، والبروميثيوم، والسكانديوم، واللانثانوم، والنيوديميوم، والديسبروسيوم، وغيرها من العناصر، أحد أهم الأسباب التي تقوم عليها الحروب والصراعات التجارية بين الدول خلال السنوات الماضية، خاصة أنها قاطرة الدول نحو تكنولوجيا المستقبل، فلم تعد الدول تحتاج الآن إلى الحروب العسكرية، وإزهاق الأرواح للسيطرة والتحكم في مصائر دول أخرى، ولكن يكفي أنها تتحكم في العناصر الأرضية النادرة، التي تقوم عليها الكثير من الصناعات التكنولوجية المتطورة.
وتتميز هذه العناصر بخصائص فيزيائية وكيميائية تجعلها ضرورية في صناعات التكنولوجيا المتقدمة، والتقنيات التي تسعى إلى خفض الانبعاثات، وتقليل استهلاك الطاقة، وتحسين الكفاءة، والأداء، والسرعة، والمتانة، والاستقرار الحراري، وجعل المنتجات أخف وزناً، وأصغر حجماً.
ولذلك تُعتبر هذه العناصر ضرورية في صناعات مثل السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والهواتف الذكية والشاشات والبطاريات، والصناعات العسكرية مثل محركات الطائرات المقاتلة وأنظمة التوجيه الصاروخي، وصواريخ توماهوك، وأنظمة الرادار، والطائرات المسيرة، والرقائق الإلكترونية، ولذلك فإن هذه العناصر هي العمود الفقري للصناعات الحديثة وبدونها سيتوقف إنتاج الهواتف الذكية وتتعطل طموحات الطاقة النظيفة وتفقد الأنظمة الدفاعية تفوقها التقني.

صراعات للاستحواذ على العناصر النادرة.. والصين بلا منافس
ونظراً للأهمية الكبيرة لهذه العناصر ومدى مساهمتها في التقدم التكنولوجي والعسكري والنووي لأي دولة، أصبحت تقوم الحروب التجارية بين الدول سواء للحصول عليها أو منع دولة من السيطرة عليها مثلما حدث بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وضغط الأولى بفرض رسوم جمركية بنسب كبيرة وصلت لـ145% على البضائع الصينية ورد الثانية بفرض رسوم مماثلة على البضائع الأمريكية وصلت إلى 125%، ومع تصاعد التوترات بين الجانبين لجأت الصين في أبريل 2025 لفرض حظر وتفتيش صارم على تصدير العناصر الأرضية النادرة الثقيلة والمغناطيس الدائم المستخدم في صناعات الدفاع، وصناعة السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح.
وتسبب قرار الصين في شلل جزئي بسلاسل الإمداد الغربية، وانخفاض صادرات معادن مثل الإيتريوم لأمريكا إلى بضعة أطنان مقارنة بمئات الأطنان في الفترات السابقة، ومع تصاعد التوتر فرضت الصين على الشركات الدولية التي تتعامل معها عدم بيع منتجات لأمريكا تحتوي ولو على نسب ضئيلة من معادن نادرة مستوردة من الصين إلا بموافقة صينية.

وهو ما ردت عليه وزارة الدفاع الأمريكية بضخ 400 مليون دولار للاستحواذ على حصة رئيسية في شركة MP Materials، وهي أكبر منتج أمريكي للمعادن النادرة، في محاولة لتسريع التكرير المحلي، ومع محاولات التهدئة بدأت الصين في اتباع استراتيجية الخنق البطيء، من خلال دراسة طلبات التصدير للمعادن النادرة للاستخدامات المدنية فقط، وهو ما أدى إلى تراجع حاد في الشحنات المتجهة لأمريكا مثل أكسيد الإيتريوم الذي سجل قرابة 10 أطنان فقط مقارنة بمتوسطات سابقة تجاوزت الـ 30-60 طناً، وبهذا استخدمت الصين البيروقراطية وسلاح رخص التصدير كسلاح جيوسياسي ناعم دون إعلان حظر رسمي صريح.
الصين تتحكم في العالم بـ 50% من الإنتاج العالمي و90% من قدرات التكرير
ومن كل هذه المناورات والصراعات تبرز أهمية المواد النادرة وحجم الصراع عليها بين الدول، خاصة في ظل تحكم دولة واحدة مثل الصين في حوالي 50% من الإنتاج العالمي للعناصر النادرة، و90% من قدرات التكرير؛ فهي تمتلك أكبر مصانع معالجة للمعادن الأرضية النادرة في العالم، وحتى الدول التي تمتلك عناصر أرضية نادرة تقوم باستخراجها وإرسالها للمصانع الصينية لتكريرها سواء لعدم امتلاكها القدرات التكنولوجية المتطورة لعمليات التكرير أو لمراعاة المعايير البيئية الملتزمة بها مثل الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الأوروبية، خاصة أن عمليات التكرير ينتج عنها الكثير من الملوثات التي تضر البيئة والتي تتغاضى عنها الصين، فتقوم بتكرير العناصر التي تستخرجها بالإضافة إلى العناصر التي ترسل إليها من الدول الأخرى التي تلزمها الاتفاقيات الدولية بمعايير بيئية محددة للحفاظ على البيئة من التلوث، وهو ما يجعل باقي الدول في حالة تبعية تكنولوجية للصين.

85 مليون طن الاحتياطي العالمي من العناصر الأرضية النادرة حتى 2026
ووفق منصة Statista المتخصصة في جمع البيانات، فإن تقرير وكالة الطاقة الدولية أشار إلى أن إجمالي احتياطيات العناصر الأرضية النادرة "المعروفة" في العالم حتى عام 2026 حوالي 85 مليون طن متري، منها 44 مليون طن متري في الصين وحدها، بنسبة 48,9%، أي إنها تمتلك نصف الاحتياطي العالمي من العناصر الأرضية النادرة، تليها البرازيل بإجمالي احتياطي بلغ 21 مليون طن متري، أي بنسبة 23,3% من إجمالي الاحتياطي العالمي، وفي المركز السابع تأتي الولايات المتحدة الأمريكية بإجمالي احتياطي وصل لـ1,9 مليون طن متري، بنسبة 2,1% من إجمالي الاحتياطي العالمي.
270 ألف طن إنتاج الصين وحدها من العناصر النادرة في 2025
وبلغ إنتاج الصين من العناصر الأرضية النادرة خلال عام 2025 حوالي 270 ألف طن متري، بنسبة 69,2% من الإنتاج العالمي، تلتها الولايات المتحدة الأمريكية بفارق كبير جداً، فبلغ حجم إنتاجها 51 ألف طن متري.
واستحوذت مناجم الصين للمعادن باعتبارها المنتج الرائد عالمياً على أكثر من 70% من إجمالي الإنتاج العالمي، وصدرت الصين خلال عام 2025 أكثر من 62 ألفاً و585 طناً من العناصر الأرضية النادرة، بقيمة تجاوزت 511 مليون دولار أمريكي، ونسبة زيادة وصلت إلى 13% مقارنة بعام 2024.

أمريكا وأوروبا تبحث عن البدائل لكسر الهيمنة الصينية
ووسط الهيمنة الصينية على العناصر الأرضية النادرة والحرب التجارية والاقتصادية بين أكبر اقتصاديات العالم عليها، لم تجد الولايات المتحدة الأمريكية سوى عمل تحالفات دولية لحوالى 30 دولة منها دول غنية بالموارد والمواد النادرة مثل الكونغو الديمقراطية، وزامبيا، وناميبيا، وأوزبكستان، وأوكرانيا، ودول أخرى مثل اليابان، وأستراليا، وكندا، وبريطانيا، وكوريا الجنوبية، والهند، ودول من الاتحاد الأوروبي، وذلك لتمويل وتسهيل مشاريع التعدين والتكرير المشتركة وتأمين سلاسل الإمدادات بعيداً عن الهيمنة الصينية.
وتهدف الولايات المتحدة من هذه التحالفات إلى ضخ ملايين الاستثمارات في الدول التي تمتلك ثروات من العناصر النادرة ولا تمتلك القدرة على استخراجها أو تكريرها، مثل دول أفريقيا والوطن العربي الذين يمتلكون ثروات كبيرة من العناصر الأرضية النادرة، فأصبحوا ملاذاً للولايات المتحدة والدول الأوروبية لمحاولة كسر الهيمنة الصينية على سوق العناصر الأرضية النادرة.
اقرأ أيضًا:
«الصناعات المعدنية»: النحاس معدن حيوي للكهرباء لكن لا يتفوق على الذهب
قفزة في أسواق المعادن الصناعية بعد تعطل الامدادات العالمية
Short Url
%73 من المتضررين يلومون تكلفة المعيشة.. تغير في خريطة استهلاك الأسر
15 يوليو 2026 11:26 ص
7.47 تريليون دولار أرباح قطاع الضيافة في 2025 والسعودية أكبر سوق في الشرق الأوسط
14 يوليو 2026 06:10 م
أكثر الكلمات انتشاراً