السبت، 18 يوليو 2026

01:15 م

الدكتور فخري الفقي: تراجع عجز الموازنة الجديدة لـ1.2 تريليون جنيه يثبت نجاح السياسة المالية في تقليص الفجوة التمويلية (حوار)

الأربعاء، 27 مايو 2026 07:01 م

الدكتور فخري الفقي- رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب سابقًا

الدكتور فخري الفقي- رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب سابقًا

تطرح الموازنة العامة للدولة في مصر العديد من التساؤلات حول تطور العجز الكلي، ومستويات الإيرادات والمصروفات، وآليات التمويل المعتمدة لسد الفجوة التمويلية، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية العالمية وتغيرات أسواق المال.

أجرى موقع “إيجي إن” حوارًا مع الدكتور فخري الفقي، الخبير الاقتصادي، ورئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب سابقًا، والذي أوضح فيه ملامح تطور الموازنة العامة، وتغير هيكل العجز، ومصادر تمويله، ودور أدوات الدين المحلي والأجنبي، إلى جانب تفسير العلاقة بين زيادة الإيرادات دون رفع الأعباء الضريبية على المواطنين.

كيف تقيم الوضع المالي للموازنة الجديدة في ضوء الأرقام الحالية والمستهدفة؟ 

في الواقع، يمكن القول إن الوضع المالي للموازنة العامة للدولة يشهد تحسنًا ملحوظًا مقارنة بالعام المالي الجاري، سواء على مستوى العجز الكلي أو على مستوى تطور الإيرادات، فإذا بدأنا بالعجز الكلي، نجد أنه في الموازنة الحالية للعام المالي 2025/2026 يُقدر بنحو 1.5 تريليون جنيه، وهو ما يعكس فجوة تمويلية قائمة بالفعل بين الإيرادات والمصروفات، إلا أن المهم هنا ليس وجود العجز في حد ذاته، وإنما اتجاهه وقدرة الدولة على التحكم فيه.

أما في الموازنة الجديدة للعام المالي 2026 /2027، فمن المتوقع أن ينخفض هذا العجز إلى نحو 1.2 تريليون جنيه فقط، وهو ما يمثل تراجعًا واضحًا في حجم الفجوة التمويلية، ويعكس تحسنًا في إدارة المالية العامة للدولة، وهذا التحسن يأتي نتيجة تطور في جانب الإيرادات بشكل أسرع من تطور المصروفات، بما يعكس قدرًا من الانضباط في السياسة المالية، حتى في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الصعبة.

الدين

كيف نفهم الفجوة بين الإيرادات والمصروفات بالأرقام في الموازنتين الحالية والجديدة؟

إذا نظرنا إلى الموازنة الحالية، نجد أن الإيرادات تقدر بنحو 3.1 تريليون جنيه، في حين تصل المصروفات إلى نحو 4.6 تريليون جنيه، وبالتالي فإن الفارق بينهما يُشكل العجز الكلي البالغ نحو 1.5 تريليون جنيه.

أما في الموازنة الجديدة، فهناك تغير واضح في الهيكل المالي، ومن المستهدف أن ترتفع الإيرادات إلى نحو 4 تريليونات جنيه، مقابل مصروفات تقدر بنحو 5.2 تريليون جنيه.

وهنا نلاحظ أمرًا مهمًا للغاية، وهو أن كلًا من الإيرادات والمصروفات في ارتفاع، لكن معدل نمو الإيرادات أعلى من معدل نمو المصروفات، بما يفسر تراجع العجز الكلي من 1.5 إلى 1.2 تريليون جنيه، كما أن زيادة الإيرادات بنحو 900 مليار جنيه ليست زيادة هامشية، بل زيادة كبيرة تعكس توسعًا في النشاط الاقتصادي، وتحسنًا في قدرة الدولة على التحصيل.

ما أسباب الزيادة في الإيرادات؟

الزيادة في الإيرادات لا تعود إلى فرض ضرائب جديدة أو رفع أسعار الضرائب على المواطنين، وإنما تعود بشكل أساسي إلى توسع ما يُعرف بالوعاء الضريبي، أي القاعدة الاقتصادية التي تُفرض عليها الضرائب، بمعنى أن الاقتصاد نفسه قد نما، والناتج المحلي الإجمالي ارتفع، وبالتالي أصبحت هناك أنشطة اقتصادية أكبر خاضعة للمنظومة الضريبية، كما أن جزءًا مهمًا من هذه الزيادة يرجع إلى جهود دمج الاقتصاد غير الرسمي داخل الاقتصاد الرسمي، وهو ما ساعد على توسيع قاعدة الممولين، وبالتالي زيادة الحصيلة الضريبية دون أي زيادة في الأعباء الضريبية.

ما دلالة زيادة المصروفات في الموازنة الجديدة؟ 

على جانب المصروفات، نجد أنها أيضًا في ارتفاع، حيث من المتوقع أن ترتفع من نحو 4.6 تريليون جنيه في الموازنة الحالية إلى نحو 5.2 تريليون جنيه في الموازنة الجديدة، أي أن هناك زيادة بنحو 600 مليار جنيه تقريبًا، وهو ما يعادل نسبة تتراوح بين 13% و15%، لكن اللافت هنا أن معدل زيادة المصروفات يظل أقل من معدل زيادة الإيرادات، وهو ما يمثل نقطة إيجابية في هيكل الموازنة، لأنه يعني أن الفجوة بين الطرفين تتقلص تدريجيًا بدلًا من أن تتسع.

نمو الإيرادات

إلى ماذا يؤدي هذا التغير في الهيكل المالي للموازنة؟

هذا التغير يؤدي بشكل مباشر إلى خفض العجز الكلي، إذ يتراجع من 1.5 تريليون جنيه في الموازنة الحالية إلى 1.2 تريليون جنيه في الموازنة الجديدة، وهذا الانخفاض، حتى وإن كان تدريجيًا، يعكس تحسنًا في الأداء المالي للدولة، ويشير إلى أن السياسة المالية تتحرك في اتجاه ضبط العجز، وليس تفاقمه.

في ظل استمرار وجود عجز في الموازنة.. كيف تمول الحكومة هذه الفجوة التمويلية؟ 

عندما تواجه الحكومة فجوة تمويلية ناتجة عن وجود عجز في الموازنة العامة، فإنها لا تلجأ إلى مصدر واحد للتمويل، وإنما تعتمد على منظومة متكاملة من أدوات التمويل، في مقدمتها أدوات الدين المحلية، فالآلية الأساسية المتبعة تتمثل في إصدار أذون وسندات الخزانة، وهي أدوات دين حكومية يتم طرحها في السوق المحلي من خلال البنك المركزي المصري، باعتباره الجهة المنفذة لسياسات وزارة المالية وبصفته “بنك الحكومة”.

وتتم هذه العملية عبر ما يُعرف بآلية المزادات، حيث تطرح وزارة المالية احتياجاتها التمويلية، وتقوم البنوك العاملة في السوق بتقديم عروضها لشراء هذه الأدوات، سواء من حيث الحجم أو العائد المطلوب، وفي النهاية يتم قبول العروض وفقًا لآلية العرض والطلب، بما يضمن تغطية احتياجات الحكومة التمويلية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على توازن السوق.

كيف يتم تحديد العائد على أذون وسندات الخزانة؟ 

العائد على أذون وسندات الخزانة لا يتم تحديده بشكل إداري مباشر، وإنما يخضع بالكامل لآلية السوق، بمعنى أن البنوك والمستثمرين يقدمون عروضهم في المزاد، متضمنة العائد الذي يرغبون في الحصول عليه، ثم تقوم الحكومة بقبول العروض وفقًا لأفضل الشروط الممكنة، وفي حال عدم وجود إقبال كافٍ، قد تلجأ الحكومة إلى رفع العائد تدريجيًا لتحفيز الطلب، بما يعكس تطبيقًا مباشرًا لآلية العرض والطلب داخل السوق المحلي لأدوات الدين.

من هم الأطراف الرئيسية التي تموّل عجز الموازنة داخل السوق المحلي؟

 تمويل عجز الموازنة لا يعتمد على جهة واحدة، بل يقوم على ثلاث فئات رئيسية:

أولًا: الجهاز المصرفي

ويشمل البنوك العاملة في مصر، وعددها نحو 38 بنكًا، وهي تمثل المصدر الأكبر لتمويل أدوات الدين الحكومية، حيث تستثمر جزءًا كبيرًا من سيولتها في أذون وسندات الخزانة باعتبارها أدوات منخفضة المخاطر نسبيًا.

ثانيًا: هيئة التأمينات الاجتماعية

وهي جهة تمتلك أموالًا ضخمة تمثل مدخرات إجبارية للمواطنين، وفقًا لنظام التأمين الاجتماعي، ويتم استثمار جزء كبير من هذه الأموال في أدوات الدين الحكومية، بما يضمن تحقيق عائد ثابت ومستقر، ويُقدَّر أن ما يقرب من ثلاثة أرباع هذه الأموال يتم توظيفه في أذون وسندات الخزانة وفقًا للإطار القانوني المنظم لذلك.

ثالثًا: الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة

وهي تتمثل في دخول استثمارات من الخارج بالدولار الأمريكي، يتم تحويلها إلى جنيه مصري، ثم توجيهها للاستثمار في أدوات الدين المحلية، مستفيدة من فارق العائد المرتفع مقارنة بالأسواق الدولية.

لماذا تُعد البنوك المصرية الطرف الرئيسي في تمويل الحكومة؟

 البنوك المصرية تُعد بالفعل المصدر الأساسي لتمويل الحكومة، وذلك لعدة أسباب، أهمها أن هذه البنوك تعمل داخل النظام المصرفي المحلي، ولا تقوم عادةً بتوظيف كامل سيولتها خارج البلاد، كما أن أدوات الدين الحكومية تُعد بالنسبة للبنوك استثمارًا آمنًا نسبيًا، يحقق عائدًا ثابتًا، مقارنة ببعض البدائل الاستثمارية الأخرى.

ومن المهم الإشارة إلى أن البنك المركزي المصري، بصفته بنك الحكومة، يقوم بتجميع إيرادات الدولة المختلفة من ضرائب وغير ضرائب داخل حسابات الحكومة، ثم يتم استخدام هذه الأموال في تغطية المصروفات العامة وفقًا لاحتياجات الموازنة.

ما دور المستثمر الأجنبي في أدوات الدين المصرية؟

المستثمر الأجنبي يدخل إلى السوق المصري عادةً بالدولار الأمريكي، ثم يقوم بتحويل هذه السيولة إلى الجنيه المصري، بغرض الاستثمار في أدوات الدين الحكومية.

فعلى سبيل المثال، عند دخول مليار دولار، يتم تحويله إلى ما يعادل نحو 50 مليار جنيه مصري وفق سعر صرف يقارب 50 جنيهًا للدولار.

ويفضل المستثمر الأجنبي الاستثمار في أدوات الدين المصرية بسبب ارتفاع العائد عليها مقارنة بالأسواق العالمية، حيث قد لا يتجاوز العائد على الدولار في بعض الأسواق 4%، بينما تقدم أدوات الدين المصرية عوائد أعلى بكثير، ما يجعلها جاذبة لرؤوس الأموال قصيرة الأجل.

وبشكل عام  المنظومة التمويلية تعتمد بشكل أساسي على السوق المحلي، من خلال البنوك وهيئة التأمينات الاجتماعية، بينما يمثل التمويل الخارجي نسبة محدودة نسبيًا، ففي المتوسط، تتراوح نسبة الاقتراض الخارجي بين 10% إلى 20% من إجمالي التمويل، بينما يتم تمويل الجزء الأكبر داخل السوق المحلي بالجنيه المصري.

ويرجع ذلك إلى أن أغلب بنود الإنفاق الحكومي تتم داخل الاقتصاد المحلي، سواء في الأجور أو المشروعات أو شراء السلع والخدمات.

ما دور هيئة التأمينات الاجتماعية في تمويل الدولة؟

هيئة التأمينات الاجتماعية تمثل أحد أهم مصادر التمويل الداخلي، حيث تقوم بجمع اشتراكات العاملين في الدولة والقطاع الخاص، باعتبارها مدخرات إجبارية وفق القانون، وهذه الأموال لا تُترك دون استثمار، وإنما يتم توجيه جزء كبير منها إلى أدوات الدين الحكومية، بما يضمن تحقيق عائد ثابت، ويساعد في الوقت نفسه على تمويل احتياجات الدولة.

وتقدر أموال التأمينات بمستويات كبيرة تصل إلى تريليونات الجنيهات، ويتم توظيف نسبة معتبرة منها في أذون وسندات الخزانة.

في ظل استمرار الاقتراض لتمويل عجز الموازنة.. كيف يمكن تفسير حركة الدين العام؟

لفهم مسار الدين العام بشكل صحيح، يجب عدم النظر إلى جانب واحد فقط وهو الاقتراض، وإنما النظر إلى الصورة الكاملة التي تشمل أيضًا جانب السداد، فالمنطق المالي لا يقوم فقط على أن الدولة تقترض، بل أيضًا على أنها تسدد التزاماتها في مواعيدها.

وعلى سبيل المثال، تضيف الحكومة قيمة العجز السنوي إلى الدين العام، وفي المقابل تقوم بسداد أقساط ديون قائمة، وقد تكون هذه الأقساط في بعض الحالات أكبر من حجم الاقتراض الجديد، وهو ما يؤدي إلى انخفاض صافي الدين في النهاية.

ما حجم الأقساط التي تسددها الحكومة سنويًا؟ وكيف يقارن ذلك بحجم الاقتراض؟

في العام المالي الحالي 2025 /2026، تسدد الحكومة أقساط قروض محلية وخارجية تُقدر بنحو 2.1 تريليون جنيه، في حين يبلغ حجم الاقتراض لتغطية العجز نحو 1.5 تريليون جنيه، وبالتالي فإن قيمة السداد تتجاوز قيمة الاقتراض، وهو ما يؤدي إلى انخفاض في صافي الدين بنحو 600 مليار جنيه تقريبًا، وهذا يعني أن الدين لا يتحرك في اتجاه واحد فقط، بل يتأثر بفارق بين ما يتم سداده وما يتم اقتراضه.

أما في الموازنة الجديدة، من المستهدف أن تسدد الحكومة أقساط قروض تصل إلى نحو 2.8 تريليون جنيه، مقابل اقتراض يُقدر بنحو 1.2 تريليون جنيه فقط لتمويل العجز، وبذلك يكون هناك فائض واضح في جانب السداد مقارنة بالاقتراض، بما يؤدي إلى انخفاض إضافي في الدين العام بنحو 1.6 تريليون جنيه تقريبًا خلال العام المالي المقبل.

الدين لا يُقاس فقط بحجم الاقتراض الجديد، وإنما يُقاس أيضًا بحجم ما يتم سداده من التزامات سابقة، وعندما تكون قيمة السداد أكبر من قيمة الاقتراض الجديد، فإن النتيجة النهائية تكون انخفاضًا في صافي الدين، حتى لو استمرت الحكومة في الاقتراض لتغطية العجز.

بمعنى آخر، الدولة تتحرك في مسارين متوازيين: مسار الاقتراض لتمويل العجز، ومسار السداد لتصفية التزامات سابقة، والاتجاه العام في الأرقام الحالية يشير إلى إمكانية حدوث انخفاض في صافي الدين، لكن يجب النظر إلى ذلك في إطار شامل يأخذ في الاعتبار استمرارية العجز، ومستويات النمو الاقتصادي، وقدرة الدولة على توليد إيرادات جديدة، فانخفاض الدين في سنة معينة لا يعني بالضرورة اتجاهًا دائمًا، وإنما يعكس توازنًا مؤقتًا بين الاقتراض والسداد.

من أين يتم توفير السيولة اللازمة لسداد هذا الحجم الكبير من الأقساط؟

يتم توفير السيولة اللازمة للسداد من خلال عدة مصادر، أهمها: إيرادات الدولة الضريبية وغير الضريبية، إعادة تمويل جزء من أدوات الدين، الاستفادة من التدفقات النقدية داخل النظام المصرفي، إدارة السيولة عبر البنك المركزي باعتباره بنك الحكومة، فالدولة لا تعتمد على مصدر واحد، وإنما على إدارة متكاملة للتدفقات النقدية داخل الاقتصاد.

الاقتصاد المصري

 كيف يمكن قراءة العلاقة بين العجز والدين بشكل مبسط؟

 العلاقة بين العجز والدين هي علاقة تراكمية، فالعجز السنوي يتم تمويله غالبًا من خلال الاقتراض، وبالتالي يضيف إلى رصيد الدين العام، لكن في المقابل، عندما تقوم الدولة بسداد أقساط أكبر من حجم الاقتراض الجديد، فإنها تقلل من صافي الدين، وبالتالي فإن حركة الدين تعتمد على الفارق بين عنصرين أساسيين: الاقتراض الجديد من جهة، والسداد من جهة أخرى.

اقرأ أيضًا:

خبير اقتصادي: زيادة مخصصات رد الأعباء التصديرية إلى 45 مليار جنيه

فخري الفقي: القطاع الخاص يقود الاقتصاد، والموازنة الحالية تستهدف رفع استثماراته 13%

تراجع الدولار وزيادة الصادرات، رئيس «خطة النواب» يكشف لـ«إيجي إن» الآثار الاقتصادية لـ«علم الروم»

Short Url

search