السبت، 18 يوليو 2026

03:24 م

من الدعم للتسعير الحر، تحول جذري في أسعار الغاز لمصانع الحديد والصلب خلال 12 عامًا

الثلاثاء، 05 مايو 2026 10:40 ص

الغاز في مصانع الحديد والصلب

الغاز في مصانع الحديد والصلب

حفصة الكيلاني

شهد قطاع الطاقة في مصر خلال العقد الماضي تحولًا جذريًا في تسعير الغاز الطبيعي والوقود، لتنتقل الدولة من منظومة دعم واسع النطاق إلى نموذج تسعير يعتمد على التكلفة الفعلية والأسعار العالمية.

هذا التحول لم يكن مجرد قرار مالي، بل كان له تأثير مباشر وعميق على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وعلى رأسها الحديد والصلب، باعتبار الغاز الطبيعي عنصرا رئيسيا في عمليات الإنتاج، ما يجعل أي تغيير في أسعاره يعيد رسم خريطة تكاليف الإنتاج وتنافسية المنتج ومستقبل الاستثمار داخل القطاع الصناعي.

وفي هذا التقرير، نستعرض تطور تسعير الغاز الطبيعي لمصانع الحديد والصلب خلال الفترة من 2014 حتى مايو 2026، من خلال تتبع مسار القرارات الحكومية، ورد فعل الشركات الصناعية، وتحليل تداعيات هذه القرارات على تكلفة الإنتاج، وسياسات التسعير في السوق المحلي، وقوة الصناعة المصرية في بيئة إقليمية وعالمية تتسم بتقلب أسعار الطاقة.

إصلاح منظومة الدعم ومواجهة أزمة الإمدادات

في عام 2014، رفعت الحكومة سعر الغاز الطبيعي لصناعات الحديد و الصلب إلى 7دولارات لكل مليون وحدة حرارية، في إطار برنامج إصلاح الدعم الذي يهدر 20% من الموازنة تقريبًا في ذلك العام، حيث صرحت هيئة البترول أن هذه الخطوة توفر نحو 42 مليار جنيه للدولة، منها 32 مليار جنيه من القطاع الصناعي، ونحو 10 مليارات جنيه من تسعير الوقود المستخدم في محطات الكهرباء. 

في عام 2015، ورغم سياسات رفع الدعم، واجهت الصناعة المصرية أزمة حادة في إمدادات الغاز الطبيعي تسببت في خلل بخطوط الإنتاج في مصانع الحديد والصلب المصرية.

ووفقًا لتصريحات غرفة الصناعات المعدنية، لم تحصل بعض المصانع سوى على 10% فقط من احتياجاتها المتعاقد عليها، وهو ما أدى إلى تراجع الإنتاج بنحو 40%، في واحدة من أصعب فترات القطاع.

الغاز الطبيعي بمصانع الحديد والصلب 

مرونة التسعير و تحفيز الإنتاج و الأثر التشريعي

وأدركت الدولة أن استمرار التسعير المرتفع دون تأمين إمدادات مستقرة يؤدي إلى تآكل الاستثمار الصناعي، ما جعل الحكومة تعلن خفض أسعار الغاز الطبيعي لمصانع الحديد و الصلب إلى 4.5 دولار للمليون وحدة حرارية، بهدف تحفيز الإنتاج.

في عام 2016 تم خفض سعر الغاز الطبيعي المورد لمصانع الحديد والصلب من 7 دولارات إلى 4.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية، ولكن تخفيض الأسعار ارتبط بشرط تشغيل المصانع بكامل طاقتها الإنتاجية، ما ساهم في خفض تكاليف الخامات بنحو 1.4 مليار دولار خلال عام 2016، وفق تقديرات رسمية. 

واستمر سعر الغاز الطبيعي لمصانع الحديد و الصلب في حدود 4.5 دولار، وتم إصدار قانون تنظيم أنشطة سوق الغاز رقم 196 لعام 2017، و الذي يعد من أهم الوثائق التشريعية لتنظيم الغاز في مصر، وهو القانون الذي وضع الأسس لتحرير التسعير تدرجيًا، وربطه بتسعير مرن يعتمد على متوسط تكلفة الغاز المحلي و المستورد، وهو ما بنى عليه قرارات التسعير للأعوام التالية.

مصانع الحديد و الصلب

عودة ارتفاع التكلفة الفعلية وانعكاسها على الأرباح

وفي عام 2018، ارتفعت أسعار الغاز لمصانع الحديد و الصلب بنسبة 28% ليصبح سعر الغاز 5.75 دولار لكل مليون وحدة حرارية، وجاء ذلك في إطار ربط أسعار الغاز الصناعي بالتكلفة الفعلية للغاز المحلي و المستورد، وسط ضغوط مالية في فاتورة استيراد الغاز.

وفي عام 2019، وافق مجلس الوزراء المصري على قرار تخفيض سعر الغاز لمصانع الحديد والصلب ليصل إلى 5.5 دولار للمليون وحدة حرارية.

وفي ذلك الوقت أشادت شركات الحديد والصلب الكبرى في مصر بهذا القرار وأثره في تحسين الفجوة بين تكلفة الإنتاج وأسعار البيع للمنتج النهائي، وتحسن الوضع المالي للشركات حيث وصل صافي الربح لشركة «حديد عز» إلى 647 مليون جنيه في عام 2018، مقارنة بـ362 مليون جنيه في عام 2017.

واستقر السعر عند 5.75 دولار لكل مليون وحدة حرارية حتى عام 2022، وبالتزامن مع جائحة كورونا، تراجعت حركة البناء و التشييد، وسط ضغط مالي و اقتصادي على الأعمال الصناعية.

مصانع الحديد و الصلب 

 

الواقع الإنتاجي قبل منعطف الأسعار

وبلغ إنتاج مصر في عام 2023 حوالي 7.9 مليون طن من حديد التسليح، ونحو 4.5 مليون طن بليت، بينما استوردت مصر نحو 3.5 مليون طن بليت، حسب بيانات غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات.

واستمر العمل بسعر الغاز الذي وصل إلى 5.7 دولار لكل مليون وحدة حرارية طوال الفترة من 2021 حتى بداية 2026، في إطار التسعير الثابت للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

الحديد و الصلب

ارتفاع الأسعار مقابل زيادة في الإمدادات 

ومؤخرًا يوم 3 مايو لعام 2026، قرر رئيس مجلس الوزراء رفع أسعار الغاز الطبيعي للمصانع، إذ وصلت أسعار الغاز بالنسبة لمصانع الحديد والصلب إلى 7.75 دولار لكل مليون وحدة حرارية، في خطة استباقية لتأمين الإمدادات قبل ذروة الاستهلاك الصيفي.

وأعلنت الحكومة تخصيص 5 شحنات من الغاز الطبيعي المسال شهريًا للقطاع الصناعي بدءًا من يونيو 2026.

قرار رئيس الوزراء رقم 1306 لسنة 2026 لا يقتصر على الرفع السعري للغاز، بل حاول أيضًا إعادة ترتيب آلية التسعير نفسها، حيث تُحتفظ بالمعادلات الخاصة لشركات لها عقود سابقة لا تخضع مباشرة للأسعار الجديدة، وهو ما يُرسّخ مفهوم تدرّج التحول واستقرار التعاقدات القائمة.

وتظهر الخمس شحنات الشهرية كأداة دعم غير مباشر و إمدادات مضمونة تُوازن الضغط المباشر الناتج عن زيادة السعر، خاصة في الصناعات التصديرية كثيفة العمالة.

تُشير بيانات 2026 إلى أن واردات الغاز المسال قفزت بنسبة 166٪ في الربع الأول مقارنة بالفترة نفسها من 2025، ليبلغ إجمالي ما استوردته مصر حوالي 2.93 مليون طن، مقابل 1.10 مليون طن، وسط تنظيم جديد لـ125 شحنة متوقعة خلال 2026 بقيمة سنوية تتراوح بين 2.8 و3 مليارات دولار.

وتُضيف مصادر أخرى أن مصر وافقت على استلام 40 شحنة جديدة من الغاز المسال في مايو ويونيو 2026، وتجدد تعاقدها على 60 شحنة إضافية مع شركات عالمية.

اقرأ أيضًا:

خريطة غاز إيران يعاد رسمها بعد الحرب الأمريكية وأزمة "هرمز" تُربح الأخيرة وخسارة لقطر بالمليارات

بداية من أول يونيو، "البترول" تخصص 5 شحنات غاز مسال شهريًا للمصانع

Short Url

search