-
العراق يكشف حجم مشروعات "شيفرون" المرتقبة واستثمارات تتجاوز 150 مليار دولار
-
فاتورة الحرير الباهظة.. القضاء على تريليون دودة قز سنويًا وسوق تتجاوز 24 مليار دولار
-
تجنب حرائق عدادات الكهرباء في المنازل والمصانع والمتاجر بهذه الخطوات
-
3.5 تريليون يورو تكلفة استخدام أوروبا للذكاء الاصطناعي لحل أزمات الطاقة والكهرباء
الدكتور تامر مؤمن يكتب: «الهندسة العكسية للتمويل» كيف تكسر البنوك قيودها؟
الأحد، 19 أبريل 2026 01:56 م
الدكتور تامر مؤمن_ خبير مصرفي ومحلل اقتصادي
التمويل الحقيقي والمستدام لم يعد مقياسه ما يملكه المشروع من جدران وضمانات جامدة، بل بما يتدفق عبر أوردته من بيانات حية. عاشت قطاعات المشروعات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) عقوداً طويلة أسيرة حلقة مفرغة من التناقض المالي؛ فالمؤسسات تشترط ميزانيات معتمدة وأصولاً صلبة لمنح التمويل، في حين يحتاج الكيان الناشئ للتمويل ذاته كي ينمو ويؤسس تلك الأصول.
لكسر هذه الحلقة، كان لابد من ثورة تشريعية تقلب المعادلة، وهو ما تحقق بقرار البنك المركزي المصري مطلع أبريل الجاري، بالسماح للبنوك بالمساهمة في الشركات المالية والتكنولوجيا المالية دون حد أقصى، ليمثل أكثر من مجرد تحديث تنظيمي؛ بل هو إعلان صريح عن بدء حقبة مصرفية جديدة.
هذا القرار لا يكتفي برفع القيود الاستثمارية، بل يضع القطاع المصرفي بأسره أمام استحقاق استراتيجي حتمي نحو التحول من سياسات البقاء الآمن إلى تبني أدوات الريادة الهجومية في عصر الاقتصاد الرقمي القائم على المعرفة، لنشهد ولادة منهجية جديدة أسميها "الهندسة العكسية للائتمان".
إن قراءة المشهد الرقمي في مصر، والذي يحتضن اليوم أكثر من 177 شركة تكنولوجيا مالية ومدفوعات تخدم قاعدة تتجاوز 54 مليون مستخدم نشط، تؤكد أن البيانات هي الوقود الجديد للقطاع المالي، من خلال قدرات التوثيق والربط البرمجي مع بوابات الدفع وشبكات مثل (InstaPay)، باتت المنصات التابعة للبنوك تمتلك أعيناً رقمية تخترق سلاسل الإمداد للاقتصاد غير الرسمي.
"الهندسة العكسية" هنا تعني أن التمويل لم يعد يُبنى على استقراء الماضي عبر الأوراق و المستندات، بل يُمنح كـ"تمويل استباقي" استناداً إلى حركة المبيعات الرقمية المستقبلية المضمونة والمراقبة لحظياً، البنك الذي يستحوذ على منصة تكنولوجيا مالية ناجحة، لا يشتري مجرد تطبيق ذكي، بل يستحوذ على شريان بيانات يوفر له حماية لحظية ضد التعثر، ويقلص تكلفة الاستحواذ على العميل إلى مستويات غير مسبوقة.
غير أن هذا الاندماج الاستثماري محفوف بمخاطر إدارية وثقافية معقدة، فالخطر الحقيقي لا يكمن في تقلبات السوق، بل في احتمالية أن تفرض المؤسسات المصرفية الأم ثقافتها شديدة التحفظ ولجانها الائتمانية التقليدية على الكيانات الناشئة المستحوذ عليها، فمحاولة إدارة الابتكار التكنولوجي بمسطرة الروتين المصرفي ستؤدي حتماً إلى خنق ميزة السرعة وقتل المرونة، ليجد البنك نفسه في نهاية المطاف قد اشترى تكنولوجيا مجردة وخسر الروح التي تشغلها.
للخروج من هذا الفخ يتطلب تبني ما أطلق علية - نموذج الفصل الاستراتيجي-، حيث تُترك للكيانات التابعة استقلاليتها التشغيلية اليومية لتعمل بمثابة جدار حماية يعزل أموال المودعين عن مخاطر الابتكار السريع، مع الاكتفاء بالرقابة الاستراتيجية من خلال قيادات واعية.
وهنا تبرز الأهمية القصوى لمفهوم التوطين النوعي العميق كأداة حديثة لتقييم المخاطر، لأن المنصات المالية الرقمية التابعة للبنوك يجب ألا تُدار بمعايير قياس الأداء المالي للشركات في صورتها الورقية النمطية التي تعتمد على الميزانيات المعتمدة، بل يجب أن تعتمد على قواعد البيانات الذكية التي تقرأ السلوك النقدي وتدفقات سلاسل الإمداد للعملاء غير الرسميين، هذا التوطين النوعي يسمح باكتشاف الجدارة الائتمانية المخفية للمشروعات، وتقليل معدلات التعثر، وتحقيق شمول مالي حقيقي ينعكس على الاقتصاد الكلي.
وعلى المستوى التشغيلي الميداني، لا يمكن نجاح هذه الرؤية الكلية دون إحداث ثورة في هندسة الحوافز داخل فروع البنوك. فموظف الائتمان ومدير الفرع لن يتحولا من منافسين للكيانات التكنولوجية إلى شركاء مسوقين لها، إلا إذا تغيرت لغة التقييم. وهنا يجب أن تتحول هذه المنصات الرقمية إلى حاضنات أعمال تتلقف العملاء المرفوضين ائتمانياً في الفروع وتؤسسهم، مع توفير نظام حوافز مزدوج يكافئ الفروع على دمج العملاء في المنظومة الرقمية للبنك، مما يفكك ثقافة التنافس الداخلي ويخلق تكاملاً مؤسسياً مستداماً.
إننا نقف أمام إعادة هيكلة شاملة لـمفهوم عمليات التمويل والائتمان، والهندسة العكسية ستنهي وإلى الأبد أسطورة المخاطر العالية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، لتفتح الباب أمام شمول مالي حقيقي يقوده وتراقبه قواعد البيانات السليمة والذكية، والمنتصر في هذه المعركة ليس من يمتلك الخزائن الأكبر، بل من يمتلك القدرة على قراءة تدفقات السوق بعيون المستقبل.
إن هذا القرار الاستثنائي للبنك المركزي ألقى بالكرة في ملعب الإدارات التنفيذية، في ظل معطيات مثلث البقاء الاقتصادي الراهنة، لم يعد الاستثمار في التكنولوجيا المالية ترفاً، بل هو خط الدفاع الأول للحفاظ على الحصص السوقية، والبقاء على المكاسب ستكون من نصيب الكيانات التي تمتلك من النضج المؤسسي ما يؤهلها للتحول "من الصمود إلى القيادة"، تلك الكيانات التي تدرك أن القرار التشريعي هو مجرد نقطة الانطلاق، وأن الوعي الإداري وهندسة الاستثمار هما وحدهما القادران على إصابة الهدف في صميم مستقبل التمويل المستدام.
Short Url
الدكتور محمد عسكر يكتب: مهارات المستقبل.. كيف يستعد الشباب لسوق العمل في العصر الرقمي؟
15 يوليو 2026 11:46 ص
أكثر الكلمات انتشاراً