السبت، 18 يوليو 2026

05:14 م

وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية تتوقع تدهور قطاع الأغذية المعلبة في أمريكا خلال 2026

الإثنين، 30 مارس 2026 09:36 ص

وكالة فيتش

وكالة فيتش

يشير تقرير وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية الأخير حول قطاع الأغذية المعلبة في الولايات المتحدة، إلى تحولٍ واضحٍ في النظرة المستقبلية من “محايدة” إلى “متدهورة”، وهو تعديل يحمل في طياته دلالات اقتصادية أوسع، تتجاوز حدود هذا القطاع بعينه، ليعكس ملامح مرحلة جديدة من الضغوط الهيكلية على الاستهلاك والإنتاج في الاقتصاد الأمريكي.

ولا يمكن قراءة هذا التحول بمعزلٍ عن السياق الكلي الذي يعيشه الاقتصاد العالمي منذ عام 2024، حيث تداخلت موجات التضخم المرتفعة مع تباطؤ النمو، وهو ما أدى إلى تغير سلوك المستهلكين بشكلٍ جوهري. 

فالمستهلك الأمريكي، الذي كان يعد المحرك الرئيسي للنمو، أصبح اليوم أكثر حساسية للأسعار وأكثر ميلًا للبحث عن القيمة، وهو ما ينعكس مباشرةً على أداء شركات الأغذية المعلبة.

 

ضغوط الطلب.. المستهلك يعيد ترتيب أولوياته

ويؤكد التقرير الصادر عن فيتش، أن الطلب على المنتجات المعلبة يشهد تراجعًا تدريجيًا، وهو أمر لافت إذا ما تذكرنا أن هذا القطاع كان من أبرز المستفيدين خلال جائحة كورونا، حين ارتفع الطلب على المنتجات طويلة الأجل، لكن مع عودة الحياة الطبيعية، وتزايد الوعي الصحي، بدأ المستهلكون في الابتعاد تدريجيًا عن الأغذية المصنعة.

ولا يعد هذا التحول مؤقتًا، بل يبدو جزءًا من اتجاهٍ طويل الأمد مدفوع بعاملين رئيسيين، الأول هو الضغوط الاقتصادية التي تدفع المستهلك نحو تقليل الإنفاق أو التحول إلى بدائل أرخص، والثاني هو التغير في التفضيلات الغذائية نحو منتجات طازجة أكثر وصحية.

ولا يعد الانخفاض المتوقع في الإيرادات العضوية بنسبة 2% في عام 2026 مجرد رقم، بل هو انعكاس لتحولٍ هيكلي في الطلب، وهو ما يفرض على الشركات إعادة التفكير في نماذج أعمالها.

 

تآكل الهوامش.. أزمة ربحية تتعمق

إذا كان تراجع الإيرادات يمثل الوجه الأول للأزمة، فإن تآكل الهوامش الربحية يمثل الوجه الأكثر خطورة، إذ تتوقع فيتش انخفاض الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك (EBITDA)، بنسبة تتراوح بين 15% و18%، وهو تراجع حاد يعكس ضغوطًا مزدوجة، من ارتفاع التكاليف من جهة، وزيادة الإنفاق الترويجي من جهة أخرى.

وتجد الشركات الكبرى مثل Kraft Heinz وCampbell Soup Company وFlowers Foods نفسها، مضطرة إلى إنفاق المزيد على التسويق والعروض الترويجية للحفاظ على حصتها السوقية، في وقت تتقلص فيه القدرة على تمرير التكاليف إلى المستهلك.

وتظهر هنا معضلة كلاسيكية، فإذا رفعت الشركات الأسعار فإنها ستخسر الطلب، وإذا خفضتها أو زادت العروض تتآكل هوامش الربح، وتفسر هذه الحلقة المفرغة التوقعات السلبية للأرباح التشغيلية لدى هذه الشركات، والتي تصل في بعض الحالات إلى انخفاض يقارب 20%.

 

التضخم وسلاسل التوريد.. عوامل ضغط مستمرة

ورغم تراجع معدلات التضخم مقارنة بذروتها، إلا أن “التضخم المتراكم” لا يزال يمثل عبئًا على المستهلك والشركات على حدٍ سواء، فالتكاليف المرتفعة للمواد الخام والطاقة والنقل لم تعد استثنائية، بل أصبحت جزءًا من الواقع التشغيلي.

ولا تزال سلاسل التوريد، تعاني من اختناقات وتكاليف مرتفعة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد، وهذا يعني أن الشركات لا تواجه فقط ضعف الطلب، بل أيضًا بيئة تشغيلية أكثر تكلفة وأقل استقرارًا.

 

ارتفاع المديونية.. خطر يهدد التصنيفات

ومن أبرز النقاط التي يسلط عليها التقرير الضوء، هو ارتفاع مستويات الرافعة المالية (الديون) في القطاع، فمع تراجع الأرباح، ترتفع نسب الدين إلى الأرباح الأمر الذي يضع الشركات تحت ضغط تصنيفي.

وتعكس الإجراءات التي اتخذتها فيتش خلال الربع الأول من 2026، ومنح نظرة مستقبلية سلبية لعدد من الشركات، قلقًا حقيقيًا من تدهور الجدارة الائتمانية، وهذا بدوره قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التمويل، ما يزيد كذلك من الضغوط على الشركات في حلقة قد تكون صعبة الكسر.

ولايبدو في مواجهة هذه التحديات، أن لدى الشركات خيارًا سوى زيادة الاستثمار، سواءً في الابتكار أو التسويق أو إعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية، فشركة مثل كرافت هاينز، على سبيل المثال، قررت وقف خطط الانفصال والتركيز على إعادة الاستثمار، وهو قرار يعكس إدراكًا بأن النمو المستقبلي، يتطلب إعادة بناء العلامة التجارية، وتعزيز القيمة المقدمة للمستهلك.

لكن هذه الاستثمارات تأتي على حساب الأرباح قصيرة الأجل، ما يعني أن التعافي لن يكون سريعًا، فيما تتوقع فيتش بالفعل أن يكون تحسن الهوامش بعد 2026 محدودًا، مع بقاءها أقل من مستويات ما قبل الجائحة.

 

تفاوت الأداء.. من سينجو ومن سيتراجع؟

ويشير التقرير إلى نقطة مهمة للغاية، وهي أن الأداء داخل القطاع سيصبح أكثر تباينًا خلال الفترة المقبلة، وبمعنى آخر، لن تتأثر جميع الشركات بنفس الدرجة، بل سيتوقف الأمر على قدرة كل شركة على التنفيذ.

وتعتبر الشركات الناجحة هي تلك القادرة على إعادة هيكلة محفظة منتجاتها نحو فئات ذات نمو أعلى، وتحسين الكفاءة التشغيلية، والابتكار بما يتماشى مع اتجاهات المستهلكين، وإدارة التكاليف بفعالية، أما الشركات التي ستفشل في التكيف، فقد تواجه ضغوطًا تصنيفية أكبر، وربما تراجعًا في حصتها السوقية.

 

آفاق 2027 وما بعدها.. تعافي مشروط

ورغم الصورة القاتمة لعام 2026، إلا أن التقرير يلمح إلى إمكانية التعافي بدءًا من 2027، لكن بشروط واضحة، فالشركات بحاجة إلى تحقيق نموٍ في الإيرادات، ولو بمعدلات منخفضة، إلى جانب تحسين الأرباح وسداد الديون.

ولن تعود الهوامش حتى في سيناريو التعافي، إلى مستوياتها السابقة بسهولة، وهو ما يعكس تغيرًا هيكليًا في القطاع، وليس مجرد دورة اقتصادية عابرة، ويمكن اعتبار ما يحدث في قطاع الأغذية المعلبة، مؤشرًا مبكرًا على تحولات أوسع في الاقتصاد الأمريكي:-

  • تغير سلوك المستهلك:- التركيز على القيمة والصحة قد يمتد إلى قطاعات أخرى.
  • نهاية عصر التسعير السهل:- الشركات لم تعد قادرة على تمرير التكاليف بسهولة.
  • أهمية الكفاءة التشغيلية:- لم يعد النمو وحده كافيًا، بل يجب أن يكون مربحًا.
  • ارتفاع مخاطر الائتمان:- مع زيادة الديون وتراجع الأرباح.

ما ترصده فيتش ليس مجرد تباطؤ دوري، بل إعادة تشكيل لقطاع بأكمله، فالأغذية المعلبة، التي كانت يومًا ما ملاذًا آمنًا في أوقات الأزمات، تواجه اليوم اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على التكيف مع عالم يتغير بسرعة.

وسيكون عام 2026 في ظل هذه المعطيات نقطة مفصلية، فإما أن تنجح الشركات في إعادة ابتكار نفسها، أو تدخل في مسارٍ طويلٍ من التراجع التدريجي، وبين هذا وذاك، يبقى العامل الحاسم هو مدى القدرة على فهم المستهلك الجديد الأكثر حذرًا والأكثر وعيًا، والأقل تسامحًا مع الأسعار المرتفعة.

اقرأ أيضًا:-

«فيتش» تحذر: تمدد حرب إيران وارتفاع النفط قد يضغطان على التصنيف الائتماني لمصر

Short Url

search