الأحد، 22 مارس 2026

11:46 م

سباق قراءة الدماغ، الصين تراهن على واجهات المخ لتقليص الفجوة التكنولوجية مع أمريكا

الأحد، 22 مارس 2026 10:20 م

سباق قراءة الدماغ

سباق قراءة الدماغ

تسعى الصين إلى تحقيق قفزة نوعية في تكنولوجيا واجهات الدماغ والحاسوب خلال السنوات الخمس المقبلة، في خطوة تعكس تصاعد المنافسة العالمية على التقنيات المستقبلية التي قد تعيد تشكيل الاقتصاد الرقمي والصناعات الطبية. 

وتراهن بكين على تحويل هذه التكنولوجيا من مرحلة البحث والتجارب إلى الاستخدام التجاري الواسع خلال فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، في محاولة للحاق بالشركات الأمريكية التي تتصدر هذا المجال، وعلى رأسها شركة Neuralink التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.

اقتصاديًا، يمثل إدراج واجهات الدماغ والحاسوب ضمن الصناعات الاستراتيجية في الخطة الخمسية الصينية إشارة واضحة إلى أن بكين ترى في هذه التكنولوجيا قطاعًا اقتصاديًا ناشئًا عالي القيمة، يشبه في أهميته الحالية سباق الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية.

نبذة تاريخية

لطالما حظيت واجهات الدماغ والحاسوب باهتمام كبير من قبل الباحثين، إذ تمثل مجالًا واعدًا يسعى إلى إيجاد اتصال مباشر بين الدماغ البشري والتقنيات الحديثة، ومع مرور الوقت، تحولت هذه الواجهات إلى محور مهم في الأبحاث العلمية، كما أصبحت من أكثر المجالات البحثية نموًا وتطورًا. 

وقد عمل العديد من العلماء على تطوير هذا المفهوم من خلال تجريب وتطبيق أساليب متعددة تهدف إلى تحقيق تواصل فعال بين الإنسان والحاسوب عبر أشكال مختلفة من واجهات الدماغ والحاسوب. 

ومع تطور التكنولوجيا الرقمية، انتقلت هذه الواجهات من أفكار بسيطة في بداياتها إلى أنظمة متقدمة ومعقدة قادرة على التقاط الإشارات العصبية وتسجيلها وتحليلها بدقة عالية.

ويرجع أحد أبرز الإنجازات المبكرة في هذا المجال إلى عام 1929، عندما تمكن العالم هانز بيرجر من تسجيل أول تخطيط كهربائي للدماغ (EEG)، وهو أسلوب يستخدم لقياس النشاط الكهربائي للدماغ من خلال الأقطاب الموضوعة على فروة الرأس. 

وقد أجرى بيرجر تجربته الأولى على صبي مصاب بورم في الدماغ، ومنذ ذلك الحين أصبح تخطيط الدماغ الكهربائي أداة طبية مهمة تستخدم في تشخيص العديد من اضطرابات الدماغ.

وفي عام 1973، قدم الباحث فيدال أول محاولة عملية لربط الإنسان بالحاسوب باستخدام إشارات تخطيط الدماغ الكهربائي، كما كان أول من صاغ مصطلح "واجهة الدماغ والحاسوب"، وقد عرض في دراسته المكونات الأساسية اللازمة لبناء نظام فعال لهذه الواجهات. 

كما قام بتصميم بيئة تجريبية خاصة تضمنت غرفة مخصصة للتجارب منفصلة عن غرفتي التحكم والحاسوب، واحتوت غرفة التجربة على ثلاث شاشات، في حين كانت إشارات تخطيط الدماغ للمشارك تنقل إلى مضخم كبير الحجم موجود في غرفة التحكم، إلى جانب وجود شاشتين إضافيتين وطابعة لمتابعة النتائج وتحليل البيانات.

القدرة على ترجمة إشارات الدماغ إلى أوامر رقمية

القدرة على ترجمة إشارات الدماغ إلى أوامر رقمية قد تفتح أسواقًا ضخمة في مجالات الطب التأهيلي، والأجهزة التعويضية الذكية (أطراف وأعضاء صناعية متطورة تعتمد على الحساسات (EMG) والمعالجات الدقيقة الذكاء الاصطناعي لتحويل إشارات العضلات المتبقية إلى حركات طبيعية، مما يتيح للمستخدمين استعادة الوظائف الحركية بدقة عالية، وتتميز بخفة الوزن (كربون)، وطول العمر الافتراضي، وتصميمات مخصصة عبر الطباعة ثلاثية الأبعاد)، وحتى التفاعل المباشر بين الإنسان والآلة.

وتشير البيانات إلى أن الصين بدأت بالفعل تسريع التجارب السريرية، إذ تجري حاليًا أكثر من عشرة اختبارات بشرية لواجهات الدماغ المزروعة جراحيًا، وهو رقم يقارب حجم التجارب في الولايات المتحدة، كما تخطط الجهات البحثية لتوسيع نطاق التجارب لتشمل أكثر من 50 مريضًا خلال العام الجاري، في خطوة تهدف إلى تسريع الانتقال من المختبرات إلى الاستخدام الطبي الفعلي.

هذا التسارع مدفوع أيضًا بحوافز اقتصادية وتنظيمية، إذ بدأت الحكومة الصينية إدراج بعض علاجات هذه التكنولوجيا ضمن نظام التأمين الطبي في عدد من المقاطعات التجريبية، وهو ما قد يسرع الطلب المحلي ويشجع الشركات الناشئة على الاستثمار في هذا المجال. 

السوق الصينية لواجهات الدماغ والحاسوب قد تصل إلى 5.58 مليار يوان

وتشير التقديرات إلى أن السوق الصينية لواجهات الدماغ والحاسوب قد تصل إلى 5.58 مليار يوان (نحو 809 ملايين دولار) بحلول عام 2027، مع توقعات بنمو أسرع إذا تحولت التطبيقات الطبية إلى منتجات تجارية واسعة الانتشار.

وتعتمد الصين في استراتيجيتها على عدة مزايا تنافسية، أبرزها الحجم السكاني الكبير، والطلب المرتفع من المرضى، وانخفاض تكاليف التصنيع، وتوافر الكفاءات العلمية في مجالات العلوم والهندسة. 

كما أن تنوع الأبحاث بين الواجهات المزروعة بالكامل أو شبه المزروعة أو غير الجراحية يمنح الباحثين الصينيين مساحة أوسع لتطوير تطبيقات مختلفة قد تكون أقل تكلفة وأكثر أمانًا.

لكن رغم هذه التقدمات، لا تزال هناك فجوة واضحة بين الاكتشافات العلمية والتطبيقات التجارية، إذ يمثل الانتقال من التجارب المختبرية إلى الاستخدام السريري الواسع أحد أكبر التحديات أمام هذه الصناعة. 

لذلك بدأت العديد من المستشفيات الصينية إنشاء مختبرات بحثية متخصصة لتسريع تحويل الابتكارات إلى حلول طبية قابلة للتطبيق، تستطيع من خلالها مواكبة السباق التكنولوجي الطبي.

في المحصلة، يعكس سباق واجهات الدماغ والحاسوب مرحلة جديدة من المنافسة التكنولوجية العالمية، حيث لم يعد الصراع بين القوى الكبرى مقتصرًا على الذكاء الاصطناعي أو أشباه الموصلات، بل امتد إلى التكنولوجيا العصبية التي قد تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة، وتفتح أسواقًا اقتصادية جديدة بمليارات الدولارات خلال العقد المقبل.

 

اقرأ أيضًا:

العقوبات التجارية تضغط على صناعة الرقائق و60 مليار دولار لتعويض نقص المعروض

المعادن النادرة في 2026، الصين تهيمن على السوق العالمي
 

Short Url

search