الأربعاء، 25 فبراير 2026

01:25 م

من ناقل للبضائع إلى محرك للتحول الاقتصادي، النقل البري في السعودية يتجه نحو 9.17 مليار دولار

الأربعاء، 25 فبراير 2026 11:37 ص

سوق النقل البري

سوق النقل البري

ميرنا البكري

في السنوات الأخيرة، لم يعد قطاع النقل البري في المملكة العربية السعودية مجرد نشاط خدمي يواكب النمو الاقتصادي، بل تحول إلى أحد المحركات الرئيسية لإعادة تشكيل الاقتصاد السعودي. 

ونوضح في هذا التقرير التحول الهيكلي للقطاع الذي يعيد تعريف دور النقل البري داخل المنظومة الاقتصادية بالكامل، فالمرحلة الممتدة بين 2025 و2031 تمثل نقطة انتقال حقيقية من نموذج تقليدي قائم على حجم الأسطول وعدد الشاحنات إلى نموذج أكثر تعقيدًا يعتمد بشكل أساسي على الكفاءة التشغيلية، والتكامل بين الوسائط والرقمنة الشاملة.

What Is Land Transportation In Logistics? | SeaRates Blog
النقل البري

تحولات استراتيجية تحدد مستقبل الحركة التجارية

وتشير التقديرات إلى نمو حجم السوق من 6.74 مليار دولار في 2025 إلى 9.17 مليار دولار بحلول 2031، بمعدل نمو سنوي يقارب 5.27%، وهو ما يعكس تحولات استراتيجية عميقة تتحكم بها مشاريع البنية التحتية الكبرى ضمن رؤية السعودية 2030. 

ولم يعد الهدف تحسين الخدمات فحسب، بل تحويل المملكة إلى منصة لوجستية عالمية تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا، ليصبح النقل البري أداة لإعادة صياغة مسار الاقتصاد الوطني.

تحولات الجغرافيا الاقتصادية من المثلث الذهبي لأقطاب جديدة

على مستوى الجغرافيا الاقتصادية، لا يزال محور (الرياض – الدمام – جدة) يهيمن على ما يقارب 70% من الحمولة، وهو ما يعكس تركّزًا اقتصاديًا تقليديًا. 

لكن المشهد بدأ يتغير، بظهور مشاريع عملاقة مثل "نيوم" الذي أعاد توزيع مراكز الثقل الاقتصادي، فالتوسع في الطرق والبنية التحتية في الشمال الغربي لا يضيف فقط مسارات جديدة، بل يخلق تدفقات تجارية مختلفة وطلبًا طويل الأجل على النقل الثقيل ومواد البناء والمعدات الصناعية، ونتيجة ذلك أن المناطق التي كانت تُعتبر خارج دائرة التركيز بدأت تتحول إلى أقطاب نمو جديدة، والنقل البري بات الرابط الحيوي بينها وبين الاقتصاد الوطني، أي القطاع بات شريكًا في التنمية وليس مجرد ناقل للبضائع.

وعلى جانب آخر أكثر استراتيجية، يشير نمو التدفقات الدولية بنحو 6% سنويًا إلى تحول المملكة نحو ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد العبور»، فلم يعد الهدف تسهيل الحركة الداخلية فحسب، بل تسعى المملكة لتكون ممر تجاري يربط آسيا وأوروبا وإفريقيا، فمشروع الجسر البري هنا يعتبر نقطة مفصلية؛ وتقليل زمن التخليص الجمركي لأقل من ساعتين لا يخفض التكلفة اللوجستية الكلية، لكنه أيضًا يعزز تنافسية الصادرات السعودية، وبإضافة تكامل الموانئ البحرية مع النقل البري والسكك الحديدية، تبدأ المملكة تجذب جزء من حركة التجارة التي كانت بالكامل تسير على الممرات البحرية التقليدية.

كما أن تطوير مناطق لوجستية متكاملة مرتبطة بمطار الملك سلمان الدولي يعكس توجهًا نحو دمج الشحن الجوي عالي القيمة مع النقل البري السريع، فهذا التكامل يحقق ما يمكن تسميته بالتوازن التشغيلي، فتتقاطع التدفقات التجارية في اتجاهات متعددة، ما يقلل الرحلات الفارغة ويرفع ربحية الشاحنة لكل كيلومتر، وهنا يظهر بوضوح أن معيار النجاح لم يعد عدد الشاحنات، بل مستوى الكفاءة في إدارتها.

The Benefits of Land Freight Transportation in Logistics – Routemood
النقل البري للبضائع

المنافسة والبيانات من السوق المجزأ إلى اقتصاد الذكاء التشغيلي

بالنسبة للمنافسة، فالسوق لايزال مجزأ قليلًا، لكن الاتجاه واضح تجاه تركز أسرع واستحواذ لشركة DSV على DB Schenker يعكس اتجاه السوق العالمي لتكوين كيانات ضخمة متعددة الوسائط.

هذا الوضع يضع الشركات الصغيرة أمام تحديات حقيقية سواء من جانب الالتزام بالأنظمة أو متابعة الشحنات وتتبعها، أو صعوبة الحصول على تمويل بدون بنية رقمية قوية، لذلك يُتوقع أن تحدث موجة اندماجات واستحواذات تجعل أكبر اللاعبين يسيطرون على أكثر من 40% من السوق قبل 2031.

في قلب التحول الذي يحدث حاليًا، هناك أمر واضح للغاية وهي أن البيانات تحولت إلى الأصل الحقيقي، وأن المنصات الرقمية وأنظمة التتبع، وتحليل أنماط الطلب، وإدارة المسارات الذكية ليست مجرد أدوات مساعدة بل أصبحت عوامل بقاء، فالشاحنة الآن ليست مجرد وسيلة نقل لكن وحدة بيانات متحركة داخل شبكة لوجستية مترابطة. 

بالنظر للمعطيات الحالية، من المتوقع أن حجم السوق يتخطى 9.5 مليار دولار قبل نهاية العقد إذا استمر الزخم الاستثماري بنفس الوتيرة، كما يُتوقع أن يحدث نمو أسرع في قطاعات الشحن المبرد والحاويات، وتحول الوساطة التقليدية لمنصات رقمية شفافة أكثر، ومع توسع النقل الأخضر كخيار استراتيجي لتقليل التكاليف على المدى الطويل

يقف سوق النقل البري في المملكة عند لحظة مفصلية، فلم يعد التساؤل كم سينمو القطاع، بل من سيقود هذا النمو، فالمرحلة القادمة لن تكافئ الأكبر حجمًا، بل الأكثر كفاءة ومرونة وقدرة على التكيف. 

اقرأ أيضًا:

السعودية تحرّك العجلات الثقيلة، النقل البري يتحول إلى قاطرة الاقتصاد الجديد

Short Url

search