تنظيم الخدمات الرقمية، التكنولوجيا تتحول إلى ساحة حرب تجارية بين أوروبا وأمريكا
الثلاثاء، 17 فبراير 2026 11:10 م
ترامب وماكرون
لم يعد الخلاف بين أوروبا والولايات المتحدة حول شركات التكنولوجيا مجرد جدل تنظيمي أو نقاش قانوني حول المحتوى وحرية التعبير، بل أصبح صراعاً اقتصادياً تتداخل فيه المصالح السيادية، والاستثمارات العابرة للحدود، وسلاسل القيمة الرقمية، وأدوات الضغط التجاري.
ومع تصاعد التصريحات بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، بات قانون الخدمات الرقمية الأوروبي عنواناً لمرحلة جديدة من إعادة رسم موازين القوة في الاقتصاد الرقمي العالمي.

من تشريع تنظيمي إلى أداة قوة اقتصادية
قانون الخدمات الرقمية (DSA) لم يتم صياغته في الأساس كأداة مواجهة مع واشنطن، بل كإطار لتنظيم المنصات الرقمية داخل السوق الأوروبية، عبر إلزامها بإزالة المحتوى غير القانوني، وتعزيز الشفافية في الإعلانات والخوارزميات، والتصدي لما يسمى المخاطر النظامية، غير أن طبيعة السوق الرقمية العالمية حيث تهيمن شركات أمريكية عملاقة على النصيب الأكبر من المستخدمين والإيرادات، جعلت أي تشدد أوروبي في التنظيم ينعكس مباشرة على شركات أمريكية.
هنا يتجاوز الأمر كونه خلافاً حول سياسات المحتوى أو حماية الأطفال، ليتحول إلى مسألة تكلفة اقتصادية مباشرة، فالقانون يتيح فرض غرامات تصل إلى 6% من إجمالي الإيرادات السنوية العالمية للشركة المخالفة، وهي نسبة قد تعني مليارات الدولارات في حالة شركات مثل “ميتا” أو “جوجل”.
كما أن إجراءات الامتثال نفسها من تعديل الخوارزميات إلى إعادة تصميم آليات الإعلانات وإتاحة البيانات للباحثين، تفرض استثمارات ضخمة في البنية التقنية والموارد البشرية، ليتحول التنظيم إلى عنصر مؤثر في قرارات الاستثمار، وتسعير المخاطر، وحتى في توقيت إطلاق المنتجات الجديدة داخل الاتحاد الأوروبي.
إعادة تسعير المخاطر
اقتصادياً، يمكن قراءة التحركات الأوروبية بوصفها عملية “إعادة تسعير للمخاطر الرقمية”، فالاتحاد الأوروبي يسعى إلى نقل جزء من المخاطر الاجتماعية والسياسية مثل التضليل، والتلاعب الانتخابي، وإدمان المنصات من كاهل الحكومات والمجتمعات إلى ميزانيات الشركات.
لكن هذا النقل ليس مجانياً، فعندما ترتفع كلفة الامتثال والغرامات المحتملة، فإن الشركات تعيد تقييم جدوى الاستثمار في بعض الخدمات داخل أوروبا، وقد ظهر ذلك في تحذيرات بعض الشركات من تأجيل إطلاق ميزات جديدة في السوق الأوروبية بسبب المتطلبات التنظيمية.
هذا التوجه قد يخلق فجوة رقمية غير معلنة، وسيجعل السوق الأمريكية أكثر مرونة تنظيمياً وأسرع في الابتكار، مقابل سوق أوروبية أكثر انضباطاً ولكن ربما أبطأ في إدخال بعض الخدمات، وعلى المدى الطويل، قد يؤثر ذلك في تنافسية أوروبا في مجالات الذكاء الاصطناعي والإعلانات الرقمية والخدمات السحابية.

واشنطن بين حماية الشركات وأدوات الضغط
الرد الأمريكي لم يأتي فقط عبر التصريحات السياسية، بل عبر إشارات واضحة لاستخدام أدوات تجارية، فالتلويح بفرض تعريفات إضافية على سلع أوروبية، أو فرض قيود تأشيرات على مسؤولين ينظر إليهم كمتشددين تنظيمياً.
من منظور واشنطن، تمثل شركات التكنولوجيا العملاقة أحد أهم مصادر الفائض التجاري غير السلعي للولايات المتحدة، فالعائدات الإعلانية، والاشتراكات الرقمية، والخدمات السحابية، تشكل تدفقات مالية ضخمة من أوروبا إلى الشركات الأمريكية، وأي قيود تقلص أرباح هذه الشركات تترجم عملياً إلى تقليص عوائد أمريكية من الخارج.
لذلك، فإن الدفاع عن هذه الشركات لا يمثل فقط حماية لحرية التعبير أو لنماذج الأعمال، بل كحماية لمصالح اقتصادية قومية.
أيرلندا الحلقة الأضعف والأكثر حساسية
في قلب هذا الاشتباك تقف أيرلندا، التي تحولت خلال العقدين الماضيين إلى مركز أوروبي لشركات التكنولوجيا الأمريكية، بفضل نظامها الضريبي الجذاب، فمدينة دبلن ليست مجرد مقر إداري، بل تمثل مقرًا لشركات تضم آلاف الوظائف واستثمارات بمليارات اليوروهات.
تشديد إنفاذ قانون الخدمات الرقمية، إلى جانب قانون الأسواق الرقمية، يضع أيرلندا في معادلة دقيقة، فهي ملزمة بتنفيذ التشريعات الأوروبية، لكنها تعتمد اقتصادياً بدرجة كبيرة على استثمارات الشركات الأمريكية، أي أن إعادة تموضع هذه الشركات ولو بشكل جزئي قد يؤثر في إيرادات الضرائب وسوق العمل الأيرلندي.
ومن هنا، تصبح أيرلندا بمثابة “خط تماس” بين السيادة التنظيمية الأوروبية والمصالح الاستثمارية الأمريكية، وأي تصعيد تجاري واسع قد يضعها أمام خيارات صعبة بين الالتزام الصارم ببروكسل والحفاظ على جاذبيتها كمركز استثماري.
هل أوروبا تستهدف الشركات الأمريكية؟
أحد محاور الخلاف يتمثل في اتهام واشنطن بأن القوانين الأوروبية تستهدف الشركات الأمريكية تحديداً، ومن الناحية الشكلية، القانون لا يميز بين شركة وأخرى على أساس الجنسية، بل على أساس عدد المستخدمين وحجم التأثير، غير أن الواقع السوقي يجعل أغلب المنصات المصنفة “شديدة الضخامة” أمريكية المنشأ.
هذا الوضع يخلق انطباعاً بأن أوروبا تستخدم التنظيم كأداة لتقييد نفوذ الشركات الأمريكية، وربما لفتح المجال أمام شركات أوروبية أو ناشئة للمنافسة في بيئة أكثر توازناً، حتى لو لم يكن ذلك الهدف المعلن، فإن الأثر العملي قد يؤدي إلى إعادة توزيع نسبي للحصص السوقية، لكن كانت المخاوف حول امتلاك أوروبا شركات قادرة على ملء الفراغ إذا قررت بعض الشركات الأمريكية تقليص نشاطها، في ظل الهيمنة الأمريكية واضحة في مجالات الإعلانات الرقمية ومحركات البحث ومنصات التواصل.

البعد الجيوسياسي.. التكنولوجيا كسلاح سيادي
التوقيت الذي أشار إليه ماكرون ليس تفصيلاً، فتصاعد الخلاف جاء في سياق توترات أوسع بين ضفتي الأطلسي، وفي هذا السياق، يتحول التنظيم الرقمي إلى جزء من أدوات الردع المتبادل، إلى جانب الرسوم الجمركية وأدوات مكافحة الإكراه التجاري.
لم تعد التكنولوجيا مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت أداة سيادية تستخدمها الدول لإعادة صياغة علاقات القوة، والاتحاد الأوروبي، الذي طالما وُصف بأنه “قوة تنظيمية” أكثر منه قوة عسكرية أو تكنولوجية، يوظف تفوقه التشريعي لفرض معايير عالمية، وكما فعل سابقاً في مجال حماية البيانات عبر اللائحة العامة (GDPR)، يسعى الآن إلى تصدير نموذجه التنظيمي للمنصات.
إذا نجحت أوروبا في فرض التزام فعلي من الشركات العالمية بمعاييرها، فإنها ترسخ ما يعرف بـ”أثر بروكسل”، أي تحول المعايير الأوروبية إلى مرجع عالمي بحكم حجم السوق الأوروبية.
تأثيرات محتملة على المستهلكين والمعلنين
من الناحية الاقتصادية الدقيقة، لن تتحمل الشركات وحدها الكلفة، وجزء من الأعباء قد ينقل إلى المعلنين، عبر ارتفاع أسعار الإعلانات أو تقليص أدوات الاستهداف المتقدمة، كما قد يواجه المستخدمون تغييرات في تجربة الاستخدام، سواء عبر تقليل بعض الميزات أو زيادة القيود على المحتوى.
لكن في المقابل، قد يستفيد المستهلك الأوروبي من شفافية أكبر، وحماية أقوى للبيانات، وتقليل المحتوى الضار، وهنا يبرز التوازن الصعب بين الكفاءة الاقتصادية والاعتبارات الاجتماعية.
سيناريوهات المستقبل
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
1. تصعيد تجاري متبادل: فرض رسوم إضافية، وتوسيع نطاق التحقيقات والغرامات، ما يؤدي إلى توتر اقتصادي أوسع قد يطال قطاعات غير رقمية.
2. تسوية تفاوضية: عبر حوار تنظيمي يفضي إلى تفاهمات حول حرية التعبير وآليات الامتثال، وربما تعديلات إجرائية تقلل من حدة الخلاف.
3. تعايش حذر: استمرار التحقيقات والغرامات، مع تجنب الوصول إلى حرب تجارية شاملة، بحيث يبقى الخلاف مضبوطاً ضمن أطر قانونية.
السيناريو الثاني هو الأقل كلفة للطرفين، لكن تحققه يعتمد على المناخ السياسي الداخلي في كل من أوروبا والولايات المتحدة.

صراع على وضع قواعد الاقتصاد الرقمي
في جوهره، لا يدور الخلاف حول منشور على منصة أو خوارزمية توصية، بل حول سؤال أكبر: من يملك حق وضع قواعد الاقتصاد الرقمي العالمي؟ أوروبا تقول إنها تدافع عن نموذجها الاجتماعي وحماية مواطنيها، والولايات المتحدة ترى أن هذا التنظيم يمس شركاتها ويقوض حرية التعبير ونماذج الأعمال.
بين هذين المنظورين، تتشكل معادلة جديدة قد تعيد تعريف العلاقة الاقتصادية عبر الأطلسي، وإذا كانت الحروب التجارية التقليدية تدور حول الصلب والسيارات والمنتجات الزراعية، فإن الحرب الرقمية – إن اندلعت – ستدور حول البيانات والخوارزميات والإعلانات.
وفي عالم أصبحت فيه البيانات مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن النفط، فإن الصراع على تنظيمها ليس تكنولوجياً فقط، بل اقتصادي وسيادي بامتياز.
اقرأ أيضًا:
ترامب في ولايته الثانية، تعريفات جمركية ونمو بلا إصلاحات.. هل فقد الرئيس بوصلته؟
Short Url
7.2 مليار جنيه حجم سوق الدوناتس في مصر و«دانكن» الأشهر
12 فبراير 2026 03:50 م
2.9 تريليون دولار والصين في المقدمة، تعرف على الدول الأكثر إنفاقًا في «البحث والتطوير»
11 فبراير 2026 09:43 ص
الألعاب الإلكترونية تقود التحول الرقمي عالميًا.. نمو متسارع وصعود للبلوك تشين
10 فبراير 2026 01:01 م
أكثر الكلمات انتشاراً