الخميس، 12 فبراير 2026

03:58 م

قفزة خضراء في قلب التحديات، كيف تعيد مصر رسم خريطة الطاقة والاستثمار؟

الخميس، 12 فبراير 2026 11:46 ص

مصر في المؤشرات الدولية

مصر في المؤشرات الدولية

يشهد قطاعا الطاقة والثروة المعدنية في مصر مرحلة إعادة تموضع اقتصادي واستراتيجي، تعكس إدراك الدولة العميق لطبيعة التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي، خاصة في ما يتعلق بأمن الطاقة، والتحول الأخضر، والتنافس على جذب الاستثمارات. 

ومن خلال قراءة المؤشرات الدولية، والأطر التشريعية، والاستراتيجيات الوطنية، يمكن القول إن مصر تسعى إلى إعادة صياغة دورها ليس فقط كمستهلك ومنتج للطاقة، بل كلاعب إقليمي مؤثر في معادلة الطاقة العالمية.

المؤشرات الدولية كأداة لقياس الجدارة الاقتصادية

تحسن ترتيب مصر في مؤشر انتقال الطاقة العالمي (ETI) من المرتبة 89 عام 2019 إلى 75 عام 2024 لا يمثل مجرد قفزة رقمية، بل يعكس تحولًا هيكليًا في طريقة إدارة قطاع الطاقة. 

هذا المؤشر، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يقيس قدرة الدول على بناء نظام طاقة مستدام وآمن ومنخفض التكلفة، وهو ما يرتبط مباشرة بمفاهيم الاستقرار الاقتصادي، وجاذبية الاستثمار، وكفاءة السياسات العامة.

التحسن في هذا المؤشر يعني أن مصر نجحت في تحقيق توازن نسبي بين ثلاثة أبعاد رئيسية: كفاءة النظام القائم، والاستعداد للتحول نحو الطاقة النظيفة، وتهيئة بيئة تنظيمية داعمة. 

هذا التوازن يترجم إلى تقليل مخاطر الاستثمار في القطاع، وخفض تكلفة التمويل، وزيادة ثقة المؤسسات الدولية في استدامة السياسات.

أما في مؤشر Climatescope الصادر عن BloombergNEF، فقفزت مصر من المرتبة 72 عام 2022 إلى 65 عام 2024، وهو مؤشر يركز على جاذبية الاستثمار في الطاقة النظيفة داخل الاقتصادات النامية. 

دلالة هذا التحسن تكمن في أن المستثمرين الدوليين باتوا ينظرون إلى السوق المصرية باعتبارها بيئة أكثر استقرارًا ووضوحًا من حيث القواعد التنظيمية وآليات التعاقد.

في عالم تتنافس فيه الدول النامية على جذب التمويل الأخضر، تمثل هذه المؤشرات شهادة ثقة دولية تفتح الباب أمام أدوات تمويل ميسرة، وسندات خضراء، وشراكات مع مؤسسات تمويل تنموية. 

وبالتالي، فإن التحسن في المؤشرات ليس هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لتعزيز التدفقات الرأسمالية وتقليل كلفة الاقتراض السيادي والقطاعي.

البعد الاقتصادي للإصلاح التشريعي

يشكل الإطار التشريعي حجر الزاوية في أي بيئة استثمارية مستقرة. وخلال العقدين الأخيرين، اتجهت مصر إلى تحديث بنيتها القانونية في قطاعي الطاقة والثروة المعدنية، في محاولة للفصل بين طبيعة كل قطاع، مع الحفاظ على قدر من التكامل المؤسسي.

اقتصاديًا، الفصل التشريعي بين القطاعين يعكس فهمًا لاختلاف هيكل المخاطر والعوائد. فقطاع الطاقة، خاصة الكهرباء، يتميز باستثمارات رأسمالية ضخمة، ودورات استرداد طويلة، وتسعير منظم يخضع لاعتبارات اجتماعية. 

أما قطاع التعدين، فيتسم بمخاطر جيولوجية مرتفعة، وتذبذب في الأسعار العالمية، وطبيعة تعاقدية مختلفة تعتمد على الامتيازات والمزايدات.

هذا التمايز يسمح بتصميم سياسات ضريبية وتحفيزية متخصصة لكل قطاع، ما يزيد من كفاءة تخصيص الموارد، فعلى سبيل المثال، يحتاج المستثمر في التعدين إلى وضوح في شروط الامتياز والعوائد، بينما يحتاج المستثمر في الطاقة المتجددة إلى ضمانات شراء طويلة الأجل للطاقة (PPAs) تضمن تدفقات نقدية مستقرة.

كما أن تطوير التشريعات يسهم في تقليل ما يُعرف بـ"مخاطر الدولة التنظيمية"، وهي أحد أهم العوامل التي ينظر إليها المستثمر الأجنبي عند تقييم دخول سوق جديدة، وكلما زادت الشفافية واستقر الإطار القانوني، انخفضت علاوة المخاطرة، وتراجعت تكلفة التمويل.

استراتيجية تنويع مزيج الطاقة بين الأمن والكفاءة

تتبنى مصر استراتيجية طموحة لرفع نسبة مشاركة الطاقة النظيفة إلى 42% بحلول 2030، و60% بحلول 2040، هذه الأرقام، من منظور اقتصادي، تعكس تحولًا في فلسفة إدارة الطاقة من التركيز على الوفرة فقط إلى التركيز على الاستدامة والكفاءة.

تنويع مزيج الطاقة يقلل من التعرض لصدمات الأسعار العالمية، خاصة في ظل التقلبات الجيوسياسية، والاعتماد المفرط على مصدر واحد، كالبترول أو الغاز، يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسواق العالمية. 

أما إدماج الشمس والرياح والطاقة النووية والكهرومائية، فيخلق محفظة طاقة أكثر توازنًا، شبيهة بمحفظة استثمارية متنوعة تقلل المخاطر الإجمالية.

كذلك، فإن الاستثمار في الطاقة المتجددة يحمل بعدًا تنمويًا مهمًا، فمشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، خاصة في مناطق مثل بنبان وخليج السويس، تخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتحفز سلاسل إمداد محلية، من تصنيع المكونات إلى خدمات الصيانة والنقل.

الأهم من ذلك، أن التوسع في الطاقة المتجددة يخفف الضغط على فاتورة استيراد الوقود، ويحسن ميزان المدفوعات، خاصة في فترات ارتفاع الأسعار العالمية، وكل ميجاوات يتم توليده من الشمس أو الرياح يعني تقليل استهلاك الوقود الأحفوري، ومن ثم توفير عملة صعبة.

البنية التحتية والطاقة كمحرك للنمو

لا يمكن فصل تطور قطاع الطاقة عن البنية التحتية. فزيادة قدرات التوليد، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وتطبيق الشبكات الذكية، كلها استثمارات ذات أثر مضاعف على الاقتصاد.

الاستثمار في البنية التحتية للطاقة يحفز النمو عبر ثلاث قنوات رئيسية: 

  • أولًا، من خلال الإنفاق الرأسمالي المباشر الذي ينشط قطاعات المقاولات والصناعات المغذية. 
  • ثانيًا، عبر تحسين جودة واستقرار الإمدادات، ما يقلل خسائر الانقطاع ويرفع إنتاجية القطاعات الصناعية. 
  • ثالثًا، من خلال جذب استثمارات جديدة تبحث عن بيئة طاقة مستقرة.

كما أن إدماج الحلول الذكية وأنظمة التحكم المركزية يعزز كفاءة التشغيل، ويقلل الفاقد الفني والتجاري، وهو ما ينعكس إيجابًا على الميزانيات العامة للشركات الحكومية، ويخفف الضغط على الدعم.

قطاع البترول والغاز بين الدور التقليدي والتحول الجديد

رغم التوجه نحو الطاقة النظيفة، يظل قطاع البترول والغاز العمود الفقري لمنظومة الطاقة في مصر، فهو ليس فقط مصدرًا رئيسيًا لتوليد الكهرباء، بل أيضًا ركيزة لتوفير النقد الأجنبي عبر التصدير.

يمثل هذا القطاع مصدرًا مهمًا للإيرادات العامة، سواء عبر الضرائب أو الإتاوات أو نصيب الدولة من الإنتاج، إلا أن التحدي يكمن في إدارة هذا المورد بطريقة تحقق التوازن بين تعظيم العوائد قصيرة الأجل، والاستعداد لتحول عالمي تدريجي بعيدًا عن الوقود الأحفوري.

ومن هنا، يمكن فهم توجه الدولة لتعزيز دورها كمركز إقليمي لتداول وتسييل الغاز، مستفيدة من موقعها الجغرافي والبنية التحتية القائمة، ويمنح هذا الدور ميزة تنافسية إقليمية لمصر، ويحولها من مجرد منتج إلى منصة لوجستية وتجارية للطاقة.

مشاركة القطاع الخاص.. ضرورة وليست خيارًا

برنامج عمل الحكومة يركز بوضوح على تعزيز مشاركة القطاع الخاص في مشروعات الكهرباء والطاقة المتجددة، وفي ظل القيود المالية التي تواجه الموازنات العامة، يصبح الاعتماد على الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP) أداة أساسية لتوفير التمويل والخبرة.

مشاركة القطاع الخاص تعني نقل جزء من المخاطر التمويلية والتشغيلية، وتحسين الكفاءة عبر آليات السوق، لكنها في الوقت ذاته تتطلب إطارًا تنظيميًا صارمًا يضمن حماية المستهلك، ومنع الاحتكار، وتحقيق التوازن بين الربحية والعدالة الاجتماعية.

البعد الاجتماعي والعدالة في تسعير الطاقة

لا يمكن تجاهل أن تسعير الطاقة في مصر يرتبط باعتبارات اجتماعية حساسة، فإصلاح منظومة الدعم يمثل تحديًا دائمًا، إذ يجب الموازنة بين تحقيق الكفاءة الاقتصادية، وحماية الفئات الأقل دخلًا.

إعادة هيكلة الدعم وتوجيهه بشكل أكثر استهدافًا يسهم في تقليل الهدر، وتحرير موارد يمكن توجيهها للاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية، لكن نجاح هذا المسار يتطلب شفافية، وحوارًا مجتمعيًا، وآليات حماية اجتماعية فعالة.

إن مجمل التحركات في قطاعي الطاقة والثروة المعدنية، تعكس استراتيجية أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد المصري نحو نموذج أكثر تنوعًا واستدامة، ويعزز التحسن في المؤشرات الدولية صورة مصر أمام المستثمرين، والإصلاحات التشريعية تقلل مخاطر الدخول إلى السوق، والاستراتيجيات الوطنية تضع أهدافًا كمية واضحة.

غير أن التحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ المستدام، والقدرة على الحفاظ على وتيرة الإصلاح في ظل ضغوط داخلية وخارجية، فالتحول الطاقي ليس مجرد مشروعات بنية تحتية، بل عملية اقتصادية عميقة تمس هيكل الإنتاج، وأنماط الاستهلاك، والسياسات المالية.

إذا نجحت مصر في تحقيق التوازن بين الأمن الطاقي، والكفاءة الاقتصادية، والاستدامة البيئية، فإن قطاع الطاقة قد يتحول من عبء على الموازنة في بعض الفترات إلى محرك رئيسي للنمو، ورافعة لتعزيز موقعها الإقليمي والدولي في خريطة الطاقة الجديدة.

اقرأ أيضًا:

من الشفافية إلى المشاركة، مصر تصعد للمركز 63 في مسح الموازنة المفتوحة لعام 2023

Short Url

search