الثلاثاء، 10 فبراير 2026

03:43 م

نجلاء أحمد تكتب: القاهرة- إسطنبول.. جسور تاريخية وآفاق اقتصادية

الثلاثاء، 10 فبراير 2026 01:31 م

نجلاء أحمد - مدير إدارة الإعلام بجهاز الإحصاء

نجلاء أحمد - مدير إدارة الإعلام بجهاز الإحصاء

تمتد العلاقات المصرية التركية عبر قرون طويلة من التفاعل الحضاري والثقافي والديني، إذ جمع بين البلدين تاريخ مشترك منذ العصور الإسلامية، وتعززت هذه الروابط خلال فترة الدولة العثمانية، التي شكّلت إطارًا سياسيًا وثقافيًا موحدًا لجزء كبير من العالم الإسلامي، ورغم اختلاف المراحل التاريخية والسياقات السياسية، استمرت الروابط بين الشعبين، وتطورت في العصر الحديث إلى علاقات اقتصادية وتجارية متنامية تعكس عمق المصالح المشتركة.

وتعود جذور العلاقات التاريخية بين مصر وتركيا إلى قرون من التفاعل السياسي والحضاري، بلغت ذروتها بدخول مصر تحت الحكم العثماني عام 1517، إذ أصبحت مصر إحدى الولايات المحورية في الدولة العثمانية، محتفظة بثقلها الديني والاقتصادي والحضاري، ولعبت دورًا مهمًا في دعم الدولة وتوفير الموارد والخبرات اللازمة لها. 

وقد ترك الحكم العثماني بصماته الواضحة على الحياة الإدارية والاجتماعية والثقافية في مصر، من نظم الحكم والبنية البيروقراطية، إلى الأنماط المعمارية والمفردات اللغوية والعادات الاجتماعية التي ما زالت حاضرة في الذاكرة الشعبية.

وفي المقابل، أثّرت مصر، بمكانتها العلمية والدينية، لا سيما من خلال الأزهر الشريف، على المشهد الفكري والديني داخل الدولة العثمانية، مما يعكس طبيعة التفاعل المتبادل بين الطرفين.

كما يشترك الشعبان المصري والتركي في عدد من القيم الاجتماعية والثقافية المستمدة من الانتماء إلى الحضارة الإسلامية، مثل تقدير الروابط الأسرية، واحترام القيم الدينية، والاعتزاز بالهوية الوطنية، إضافة إلى العادات الاجتماعية كالكَرَم وحسن الضيافة والتكافل المجتمعي، ويجمع بينهما الاعتزاز بالتاريخ العريق والقدرة على التكيّف مع التحولات السياسية والاقتصادية عبر العصور، ما يشكل أساسًا متينًا لفهم طبيعة العلاقات بين البلدين في الحاضر وفرص التعاون المستقبلية.

وشهد عام 2025 تعزيزًا للعلاقات الاقتصادية بين مصر وتركيا، مع تسجيل نمو ملموس في حجم التبادل التجاري، إذ أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن قيمة التبادل ارتفعت إلى 6.8 مليار دولار مقارنة بـ 6.6 مليار دولار في 2024، ما يعكس توسع التعاون التجاري وزيادة حركة الصادرات والواردات.

وبلغت قيمة الصادرات المصرية إلى تركيا نحو 3.2 مليار دولار في 2025، مقابل 3.4 مليار دولار في العام السابق، بينما سجلت الواردات المصرية من تركيا نحو 3.6 مليار دولار مقابل 3.2 مليار دولار خلال 2024، ما يشير إلى تنوع السلع المتبادلة وتشابك سلاسل الإمداد بين البلدين.

وتنوعت الصادرات المصرية إلى السوق التركي خلال 2025، حيث تصدرت الملابس الجاهزة بقيمة 389 مليون دولار، تلتها اللدائن ومصنوعاتها بقيمة 317 مليون دولار، ثم الآلات والأجهزة الكهربائية بـ 301 مليون دولار، والحديد والصلب بـ 290 مليون دولار، إضافة إلى الأسمدة بـ 255.4 مليون دولار والخضروات والفواكه بـ 187.2 مليون دولار، ما يعكس تنوع القاعدة الإنتاجية والصناعية والزراعية المصرية.

وفي المقابل، ركزت الواردات المصرية من تركيا على سلع استراتيجية، أبرزها الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها بقيمة 729.3 مليون دولار، والآلات والأجهزة الكهربائية بـ 602.2 مليون دولار، والحديد والصلب ومصنوعاته بـ 514.8 مليون دولار، إلى جانب القطن ومنسوجاته بـ 259.9 مليون دولار والسيارات والجرارات بـ 155.6 مليون دولار.

وعلى صعيد الاستثمارات، واصلت التدفقات الاستثمارية بين البلدين نموها، حيث بلغت الاستثمارات التركية في مصر نحو 175.1 مليون دولار خلال العام المالي 2024/2025 مقابل 165 مليون دولار في العام المالي السابق، مستفيدة من تحسن مناخ الاستثمار واتساع الفرص في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية. وفي الاتجاه المقابل، بلغت الاستثمارات المصرية في تركيا نحو 74 مليون دولار مقابل 54 مليون دولار خلال العام المالي السابق.

كما عكست تحويلات العاملين تنامي حركة العمل والتفاعل البشري بين البلدين، إذ ارتفعت تحويلات المصريين العاملين في تركيا إلى 69.7 مليون دولار مقابل 32.3 مليون دولار في العام المالي السابق، بينما سجلت تحويلات الأتراك العاملين في مصر نحو 11.1 مليون دولار مقابل 9.4 مليون دولار خلال فترة المقارنة.

ويعزز من أهمية هذه العلاقات اتساع حجم السوق في البلدين، حيث بلغ عدد سكان مصر نحو 108.6 مليون نسمة في فبراير 2026، فيما سجل عدد سكان تركيا نحو 87.8 مليون نسمة، ما يفتح آفاقًا واسعة لتعميق التعاون التجاري والاستثماري.

وتؤكد هذه المؤشرات أن العلاقات المصرية التركية لم تعد قاصرة على البعد التاريخي أو الثقافي، بل تحولت إلى شراكة اقتصادية متنامية تقوم على المصالح المتبادلة، وقابلة لمزيد من التطور في ضوء التقارب السياسي وتعاظم فرص التكامل بين اقتصادين يمثلان ركيزتين أساسيتين في المنطقة.

Short Url

search