«خزائن الزمن»، تقنية بيولوجية تمنح الخلايا ذاكرة تحفظ التاريخ الجيني
الجمعة، 30 يناير 2026 06:10 ص
النشاط الجيني
نجح باحثون في جامعة هارفارد الأميركية في تطوير ابتكار علمي غير مسبوق يتيح للخلايا الحية تسجيل وحفظ تاريخ نشاطها الجيني عبر الزمن، في خطوة تمثل نقلة نوعية في مجال علوم الأحياء والطب الجزيئي.
هذه خطوة قد تُحدث تحولاً جذريًا في فهم آليات المرض وتطور الخلايا، حيث أن التقنية الجديدة تشبه كبسولة زمنية بيولوجية، تتيح للخلية تخزين “ذكريات” من ماضيها الجزيئي، ما يفتح آفاقًا واسعة لدراسة السرطان والخلايا الجذعية وتأثير الأحداث المبكرة على سلوك الخلايا لاحقًا.
وحدات تخزين تحفظ سجلات النشاط الجيني
تعتمد هذه التقنية، على هياكل خلوية دقيقة تُعرف باسم «الفولتات»، وهي تراكيب أسطوانية الشكل موجودة بأعداد كبيرة داخل معظم الخلايا البشرية، ورغم اكتشافها منذ أكثر من أربعة عقود، ظل دورها البيولوجي لغزًا غامضًا، قبل أن يتمكن الباحثون من إعادة توظيفها لتعمل كوحدات تخزين تحفظ سجلات النشاط الجيني عبر الزمن.
وتكمن الفكرة في معالجة إحدى المشكلات الأساسية في علم الأحياء الخلوي، وهي قِصر عمر جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA)، التي تحمل التعليمات الجينية اللازمة لإنتاج البروتينات، وهذه الجزيئات تختفي سريعًا بعد تأدية وظيفتها، ما يجعل من الصعب معرفة ما كانت الخلية تعبّر عنه في الماضي، وللتغلب على ذلك، أعاد الفريق البحثي تصميم بروتين داخل «الفولت» بحيث يصبح قادرًا على التقاط هذه الجزيئات أثناء إنتاجها وتخزينها داخل الهيكل الخلوي، لتكوين سجل محفوظ لنشاط الجينات في مراحل سابقة.
وأظهرت التجارب أن عملية التسجيل يمكن التحكم فيها بسهولة، حيث يمكن تشغيلها أو إيقافها باستخدام مركّب دوائي بسيط، على غرار زر التسجيل في أجهزة الصوت، وأثبتت النتائج أن الخلايا قادرة على الاحتفاظ بجزيئات الحمض النووي الريبي لمدة تمتد لأيام من دون أن يتغير سلوكها أو تتعرض لأي خلل وظيفي، وهو ما وصفه قائد الدراسة فيي تشين بأن الخلايا “تقبّلت هذه الذاكرة الجديدة بشكل طبيعي تمامًا”.
ويمثل هذا النهج تطورًا نوعيًا مقارنة بالطرق التقليدية لدراسة الخلايا، التي تعتمد إما على مراقبة لحظية تحت المجهر أو على تحليل محتوى الخلية في نقطة زمنية واحدة، وبينما تسمح هذه الأساليب برصد ما يحدث في الحاضر، فإنها غالبًا ما تفشل في كشف المسار الذي قاد الخلية إلى حالتها الراهنة، وعلى عكس أدوات التسجيل الجيني السابقة المعتمدة على تقنيات تعديل الحمض النووي، والتي تتطلب تحديد الأحداث المراد تتبعها مسبقًا، تتيح «خزائن الزمن» جمع صورة شاملة وغير متحيزة عن النشاط الجيني للخلية.
تطوير استراتيجيات وقائية جديدة
ويبرز أحد أهم تطبيقات هذه التقنية في مجال أبحاث السرطان، حيث استخدمها العلماء لدراسة الخلايا السرطانية المستعصية، وهي خلايا نادرة تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات واضحة تفسر مقاومتها، ومن خلال تحليل السجلات الجزيئية المخزنة، اكتشف الباحثون أن هذه الخلايا كانت تُفعّل مئات الجينات بشكل غير طبيعي قبل بدء العلاج، وعند تعطيل بعض هذه الجينات زادت فاعلية الأدوية في القضاء عليها، ما قد يفسر أسباب عودة بعض الأورام بعد العلاج ويمهّد لتطوير استراتيجيات وقائية جديدة.
تمتد إمكانات «خزائن الزمن» إلى أبحاث الخلايا الجذعية، حيث تتيح تتبع التحولات التدريجية التي تمر بها الخلية أثناء انتقالها من حالة جذعية إلى خلية متخصصة، وهي عملية معقدة يصعب رصدها بالوسائل التقليدية، ويرى باحثون مستقلون أن هذه التقنية تقرّب العلماء خطوة كبيرة من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار، بدل الاكتفاء بلقطات زمنية معزولة.
ومع استمرار تطوير هذا الابتكار، يتوقع العلماء إمكانية توسيع قدراته ليشمل تخزين جزيئات أخرى مثل البروتينات، ما قد يحول هذه الهياكل الغامضة إلى أدوات مركزية في الطب التجديدي وأبحاث الأمراض، ويؤكد خبراء في علم الجينوم أن تحويل «الفولتات» إلى ذاكرة خلوية حية يمثل قفزة إبداعية حقيقية، قد تغيّر فهمنا لكيفية تشكّل الصحة والمرض عبر الزمن داخل خلايانا.
اقرأ أيضًا:
صناعة الروبوتات، رحلة معقدة من التصميم إلى خطوط الإنتاج
Short Url
هولندا كلمة السر في صعود إنفيديا بعصر الذكاء الاصطناعي، ما السر؟
30 يناير 2026 08:20 ص
لتطوير الذكاء الاصطناعي، إنفيديا تستثمر 2 مليار دولار في «كورويف»
30 يناير 2026 04:40 ص
رسميًا "واتساب" يحظر تحميل ملفات الأرقام المجهولة لحماية خصوصية المستخدمين
30 يناير 2026 03:10 ص
أكثر الكلمات انتشاراً