الميزة النسبية لـ«ريكاردو» تتراجع، بدء عصر السيادة الصناعية في 2026 والسر سلاسل الإمداد
الجمعة، 30 يناير 2026 10:01 ص
سلاسل القيمة العالمية
ميرنا البكري
اعتمد العالم لفترة طويلة اعتمادًا شبه كامل على نموذج الميزة النسبية، الذي وضعه “ديفيد ريكاردو”، وينص على أن الإنتاج يتركز في المكان الذي تكلفته أقل، وتم العمل بهذا النموذج لسنوات طويلة، لكن حاليًا اتضح أن هذا النموذج يتراجع تدريجيًا، ويفقد قدرته على الاستمرار، فالمشكلة لا تتركز في تراجع معدلات الشراء بل أن الموارد نفسها، والتي أصبحت محدودة، سواءً كانت الطاقة أو المعادن والرقائق إلكترونية، فكلها موارد أصبحت نادرة، مما يعني أن التضخم ليس أمرًا مؤقتًا بل تضخم هيكلي ناتج عن قلة العرض، لذلك شركات كبيرة مثل فورد استغنت عن التفكير بمنطق توسيع الإنتاج فقط، وباتت في محاولة تحقيق أعلى ربح من الموارد التي تمتلكها، حتى لو كانت أقل، ومن هنا يتضح أن هناك تغيّر جذري في طريقة تفكير الشركات، مما يعني أن اللعبة ذاتها تغيرت.

نهاية عصر أرخص العمالة، العالم يتجه نحو الاستقرار والسيادة الصناعية
في نفس الوقت، لم تعد السياسة عامل خارجي يفاجئ الاقتصاد، لكنها دخلت بقوة في قلب المعادلة، فيتم تقسيم العالم لكتل اقتصادية واضحة تتمثل في (أمريكا، الصين، والاتحاد الأوروبي)، فقد يقلل هذا النظام الكفاءة العالمية التي سادت لفترة طويلة، لكن في المقابل سيزوّد فكرة الاعتماد على النفس والسيادة الصناعية لكل دولة، وهذا يتضح للغاية في حركة الاستثمارات العالمية التي لم تعد تبحث عن أرخص عمالة كما كان، لكنها باتت تبحث عن الاستقرار السياسي والقرب من السوق وسلاسل إمداد آمنة، أي أن الشركات أصبحت تفضل الإنتاج بالقرب من الزبائن بدلًا من الإنتاج في مناطق بعيدة محفوفة بالمخاطر.
السر الحقيقي للإنتاجية، التعلم السريع والتكيف
لعبت التكنولوجيا أيضًا دورًا كبيرًا في قلب الموازين، فلم تعد الإنتاجية مرتبطة بعدد العمال، لكنها أصبحت مرتبطة بمدى ذكاء الشركة تقنيًا، فالذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية جعلت الكثير من شركات تقلل تكاليف النقل والتخزين بشكل كبير مما ساعدها على امتصاص التضخم.
في المقابل، الشركات التي لا زالت تعمل بأساليب قديمة تجد أن التكاليف تستنزفها تدريجيًا، وبالتالي يتحول الاقتصاد من اعتماد على الكثير من العمالة إلى اعتماد على الخوارزميات والبرمجيات، والفرق الحقيقي أصبح في سرعة التعلم والقدرة على التكيف، ليس في قدم المصنع أو حجمه.
الشفافية تقلل المخاطر وتكسب ثقة المستثمرين
اتضح هذا التغيير أيضًا في شكل سلاسل الإمداد، فبعد أن كانت تدار وفق مسار خطي واضح يبدأ بالمورد ثم مصنع، موزع، فأصبحت حاليًا شبكة مترابطة، والنجاح بها ليس في السيطرة، لكن في التنسيق، فالشركات التي لديها القدرة على التنسيق مع شركائها وتصبح شفافة في بياناتها تقلل المخاطر، وتكسب ثقة المستثمرين، وهذا في النهاية يقلل تكلفة التمويل عليها. يعني الشفافية بقت ميزة اقتصادية حقيقية، مش رفاهية.
وبالنظر للفترة المقبلة من 2026 حتى 2030، سيتضح أن الدول ستصبح أكثر تمسكًا بمواردها، خاصةً الطاقة والمعادن النادرة، وسيصبح لها وزن سياسي واقتصادي كبير، فستصبح العقود الطويلة والتحالفات أهم بكثير من سعر السوق في لحظة معينة، كما أن الأسواق المالية ستبدأ في تقييم الشركات ليس على أرباحها فقط، لكن على قدرتها على التحرك والتكيف وقت الأزمات، والمرونة ستتحول لأصل مالي بمفردها، وتظهر دول مثل الهند وفيتنام والمكسيك وبعض دول الشرق الأوسط ستلعب دور الوسيط بين الكتل الكبيرة، مما يعطيها أهمية وتأثير غير عاديين.
في النهاية، العالم لم يقبل على مرحلة اقتصادية جديدة، بل يعيد صياغة العلاقة بين الدول والشركات والاقتصاد بأكمله، فالكفاءة بمفردها لما تعد كافية؛ لأن الكفاءة المطلقة في الأداء تؤدي إلى الهشاشة، فيمكن القول أن المرونة والاستراتيجية هما العملة الحقيقية في الاقتصاد الجديد.
اقرأ أيضًا:-
نمو مرن وسط عالم مضطرب، لماذا لا يخشى العالم الركود في 2026؟
أزمة سلسلة القيمة العالمية، ارتفاع تكاليف الديون والهروب العاجل للشركات من الصين

Short Url
من التحديث العسكري إلى الابتكار الدفاعي.. مستقبل أنظمة الحماية النشطة في المملكة
29 يناير 2026 02:00 م
بعد عشر سنوات من اتفاقية باريس.. التقدم أبطأ من الوصول إلى مسار 1.5 درجة مئوية
29 يناير 2026 12:00 م
من مكافحة الفقر إلى الشمول المالي، التمويل متناهي الصغر محرك أساسي لتحقيق رؤية مصر 2030
28 يناير 2026 04:21 م
أكثر الكلمات انتشاراً