القطاع الخاص في صدارة سد الفجوة التمويلية، كيف تحولت مصر إلى منصة للتمويل التنموي؟
الأحد، 18 يناير 2026 12:10 م
القطاع الخاص
تمثل الفجوة التمويلية أحد أبرز التحديات التي تواجه الدول، ولا سيما الدول النامية، في مساعيها لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، إذ تتسع هذه الفجوة بفعل الأزمات العالمية المتعاقبة، ما يفرض قيودًا حقيقية على قدرة الدول على تنفيذ أولوياتها التنموية والاستجابة لاحتياجات مواطنيها في قطاعات حيوية، مثل التعليم والصحة والبنية التحتية للتحول الرقمي، إضافة إلى التكيف مع التغيرات المناخية وغيرها من المجالات الأساسية.
وفي هذا السياق، أدرك المجتمع الدولي الأهمية المحورية للدور الذي يمكن أن يضطلع به القطاع الخاص في مواجهة تحديات التنمية المستدامة، من خلال إسهامه في تعزيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتقديم حلول مبتكرة للقطاعات ذات الأولوية، كقطاع الطاقة والنقل والمياه والتعليم والرعاية الصحية، مستندًا إلى أفضل الممارسات التي تقوم على الكفاءة والابتكار.

أهمية حشد الموارد المالية
وقد أكدت الأطر المرجعية الدولية مثل خطة عمل أديس أبابا لعام 2015 بشأن تمويل التنمية، وخطة التنمية المستدامة لعام 2030، واتفاقية باريس للمناخ، على أهمية حشد الموارد المالية وتوظيفها من خلال آليات تمويلية متنوعة، تشمل التمويل التنموي الميسر، والدعم الفني، والخدمات الاستشارية والتنفيذية بهدف تمكين القطاع الخاص من الاستثمار والمشاركة الفعالة في تنفيذ الأجندة الأممية للتنمية المستدامة.
وقد أدّت التحديات العالمية المتراكمة، وعلى رأسها جائحة كوفيد - 19 والأزمات الجيوسياسية، وارتفاع تكاليف الاقتراض، إلى تفاقم الفجوة التمويلية بشكل غير مسبوق. ففي الوقت الذي بلغ فيه حجم التمويل الذي تم حشده من القطاع الخاص في العالم بفضل التمويل التنموي نحو 70 مليار دولار سنوياً.
يظل هذا الرقم بعيداً عن المستوى المطلوب لسد فجوات التمويل المناخي والتنموي حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة لعام 2024 إلى أن الفجوة التمويلية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة تبلغ نحو 4 تريليونات دولار سنوياً، مقارنة بـ 2.5 تريليون قبل جائحة كوفيد - 19، وهو ما يعكس الحاجة الملحة إلى هيكلة النظام المالي العالمي، والتوسع في حشد آليات التمويل المبتكرة.
القطاع الخاص محرك رئيسي للتنمية
على صعيد الاقتصاد المصري، تبرز الفجوة التمويلية كفرصة لتضافر كافة الجهود التنموية مع كافة شركاء العمل التنموي، لذلك تعمل الدولة المصرية، من خلال أطر التعاون الدولي، على سد هذه الفجوة عبر تنويع مصادر التمويل، وتبني نماذج تمويل مبتكرة، وتعزيز الشراكات مع مؤسسات التمويل الدولية والقطاع الخاص.
وتعكس البيانات الحديثة عمق التعاون القائم بين الدولة المصرية وشركاء التنمية متعددي الأطراف والثنائيين، حيث تم توجيه أكثر من 15.6 مليار دولار من التمويلات التنموية للقطاع الخاص منذ عام 2020، شملت برامج تمويلية وفنية متعددة تستهدف تمكين الشركات من الوصول إلى الأسواق، وتوسيع سلاسل القيمة، وتعزيز الابتكار.
كما تشمل المحفظة الجارية لمشروعات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي مشروعات دعم فني موجهة للقطاع الخاص بقيمة تتجاوز 228 مليون دولار إلى جانب استفادة الشركات الوطنية من فرص المناقصات الدولية المرتبطة بالمشروعات الممولة من شركاء التنمية وبخاصة في القارة الإفريقية.

استراتيجيات التعاون بين مصر والمؤسسات الدولية
تعد استراتيجيات التعاون القُطرية بين مصر ومؤسسات التمويل الدولية مثالاً واضحاً على التوجه نحو تمكين القطاع الخاص، من خلال التركيز على ثلاث أولويات رئيسية تحقيق النمو الاقتصادي الشامل والمستدام، وتسريع التحول الأخضر، وتعزيز التنافسية من خلال التحول الرقمي والابتكار وريادة الأعمال.
وبينما تستهدف خطة عمل الحكومة المصرية 2024 / 2027 وكافة الخطط الوطنية تحقيق مجموعة من الأهداف التنموية الطموحة تتطلب هذه الأهداف مشاركة فعالة من القطاع الخاص لضمان تنفيذها بكفاءة وفي الإطار الزمني المحدد وتلتزم الحكومة بالعمل على تحفيز مساهمة القطاع الخاص في التنمية والوصول بمساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات إلى 70% بحلول عام 2027 بدلا من 56% في 2024.
وهو الهدف الجاري تحقيقه بخطى ثابتة حيث وصلت نسبة الاستثمار الخاص إلى 56% من الاستثمارات الكلية في العام المالي الجاري، ومن المستهدف أن ترتفع تلك النسبة لمستوى 63% في العام المالي 2025 / 2026.
ولتشجيع هذه الاستثمارات، حددت الحكومة عدداً من التدخلات التوسيع دور القطاع الخاص، من بينها مواصلة تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، وإعداد مشروع قانون تنظيم ملكية الدولة في الشركات المملوكة لها، إلى جانب الاستمرار في برنامج الطروحات، وتحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات التشريعية والتنظيمية لجذب الاستثمارات الخاصة.
ماذا قدم شركاء التنمية للقطاع الخاص منذ 2020؟
بلغت دولار تمويلات المؤسسات الدولية للقطاع الخاص في مصر 2020 - 2025 ما يقرب من 15.6 مليار، ومنذ عام 2020، شهد القطاع الخاص تطورًا كبيرًا في علاقاته مع شركاء التنمية متعددي الأطراف والثنائيين، انطلاقا من حرص الدولة على دفع دوره في جهود التنمية باعتباره محرك رئيسي للنمو الشامل وتوليد فرص العمل وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، تبرز مساهمات شركاء التنمية الدوليين كعنصر حيوي في دعم البيئة الاقتصادية، من خلال تمويلات موجهة إلى المؤسسات المالية والقطاعات الإنتاجية، وتدخلات فنية لتعزيز القدرات المؤسسية.
وقد شهدت محفظة التمويل التنموي للوجه للقطاع الخاص نموا لافتاً في السنوات الأخيرة، حيث تجاوزت 4.2 مليار دولار في عام 2024 متفوقة لأول مرة على التمويل التنموي للوجه للقطاع الحكومي، ما يعكس التحول المتزايد في توجه شركاء التنمية نحو دعم استثمارات القطاع الخاص وتعزيز مساهمته في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وخلال 2020، بلغ حجم التمويل 1.14 مليار دولار، مما يعزز التوقعات بمواصلة هذا الزخم، وبلغ إجمالي التمويلات المقدمة للقطاع الخاص خلال الفترة من 2020 وحتى 2025 نحو 15.6 مليار دولار، من أكثر من 30 شريك تنمية، وهو ما يعكس تنامي الثقة الدولية في مناخ الاستثمار المصري والدور المتصاعد للقطاع الخاص في دفع عجلة التنمية.
حجم التمويل الموجه للقطاع الخاص سنويًا - مليون دولار

مصر منصة دولية للتمويل التنموي للقطاع الخاص
تتمتع مصر بتنوع كبير في شركائها الدوليين، حيث يتجاوز عدد شركاء التنمية الثنائيين ومتعددي الأطراف الداعمين للقطاع الخاص المصري منذ 2020 أكثر من 30 جهة، وينعكس هذا التنوع في التعدد النوعي في الأدوات المقدمة من هؤلاء الشركات إلى القطاع الخاص كما يعكس الثقة الكبيرة في استقرار الاقتصاد المصري وآفاق نموه.
كما جاءت مؤسسة التمويل الدولية (IFC) في المركز الثالث بنسبة بلغت نحو 19%، في إشارة واضحة إلى التوجه نحو دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز الاستثمار المباشر.
وتصدر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، قائمة الشركاء التنمويين بحصة تمويلية تمثل 22% من إجمالي التمويلات التنموية، تلاه بنك الاستثمار الأوروبي بنسبة تعادل 21%، بما يعكس الدور المحوري لشركاء التنمية الأوروبيين سواء متعددي الأطراف أو الثنائيين في تمويل البنية التحتية ودعم قدرات القطاع الخاص في مصر.
كما أظهرت البيانات أن التمويل المشترك من خلال آليات متعددة الأطراف مثل ما يزيد عن 9.3% من الإجمالي، ما يعكس اتساع نطاق التعاون وتكامل التدخلات التنموية، وبرزت كذلك مؤسسات إقليمية مثل صندوق أوبك للتنمية، وبنك التنمية الإفريقي، وبنك اليابان للتعاون الدولي والصندوق السعودي للتنمية، وهو ما يدل على التنوع الجغرافي والتكامل الدولي في دعم التنمية الاقتصادية المصرية.
توزيع التمويل التنموي حسب شريك التنمية 2020 - 2025

ترفيع العلاقات الاقتصادية بين مصر والاتحاد الأوروبي
في مارس 2024، وخلال القمة المصرية الأوروبية، أعلن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، والسيدة/ أورسولا فون دیر لاین، رئيسة المفوضية الأوروبية ترفيع العلاقات المصرية الأوروبية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، لتدخل الشراكة بين مصر وفريق أوروبا إلى مرحلة تاريخية جديدة، سواء على صعيد العلاقات الثنائية مع الدول، أو مع مؤسسات التمويل الأوروبية.
ويمثل التمويل التنموي الموجه للقطاع الخاص من الدول والمؤسسات الأوروبية 8 مليار دولار منذ 2020 حتى 2025، مستحوذا على 51% من إجمالي التمويلات للقطاع الخاص، مما يعكس عمق العلاقة مع الجانب الأوروبي، وفي العام الماضي أعلن الاتحاد الأوروبي عن توفير حزمة مالية بقيمة 7.4 مليار يورو لمساندة الاقتصاد المصري في الفترة من 2024 - 2027 موزّعة كالتالي:
5 مليار يورو | تمويلات ميسرة لتنفيذ إصلاحات هيكلية ضمن آلية مساندة الاقتصاد الكلي ودعم الموازنة MFA. |
10.8 مليار يورو | استثمارات إضافية للقطاع الخاص عن طريق ضمانات لتقليل المخاطر وزيادة الموارد التمويلية المتاحة للقطاع الخاص، خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة. |
600 مليون يورو | منح توجه لدعم مشروعات تنموية ذات أولوية، منها الطاقة والنقل والتعليم الفني. |
وبذلك، تعد هذه الحزمة من أكبر التزامات الشراكة الأوروبية مع دولة من دول جنوب التوسط، ما يعكس ثقة للمجتمع الأوروبي في أجندة الإصلاح الاقتصادي المصري وقدرة الدولة على قيادة تحول تنموي فعال وشامل.
اقرأ أيضًا:
وزارة الصناعة تحول المشروعات الصغيرة إلى أداة لتقليل الاستيراد وزيادة المكون المحلي
أفكار مشروعات صناعية جديدة في 2026، فرص ربحية تناسب جميع الميزانيات
Short Url
بـ3 تريليونات دولار، التصنيع ثاني أكبر قطاع في الاقتصاد الأمريكي وسط تحديات حقيقية
18 يناير 2026 10:10 ص
أكثر الكلمات انتشاراً