السبت، 31 يناير 2026

01:23 ص

بين السيادة والمضاربة، لماذا تتردد الدول في الاعتراف بالبيتكوين؟

الجمعة، 30 يناير 2026 10:15 م

البيتكوين

البيتكوين

بعد أكثر من 15 عامًا على إطلاقه، لم يعد البيتكوين مجرد تجربة تقنية أو أداة يستخدمها الهواة والمغامرون، بل تحول إلى أصل مالي عالمي تتجاوز قيمته السوقية 1.65 تريليون دولار، ويشكل العمود الفقري لسوق عملات رقمية تتجاوز قيمتها الإجمالية 2.97 تريليونات دولار. 

ورغم هذا الحجم الضخم، لا يزال الاعتراف الرسمي بالبيتكوين كعملة قانونية محدودًا للغاية، ما يفتح باب التساؤل: لماذا تتردد الدول في منحه صفة العملة، رغم انتشاره الواسع؟ الإجابة تكمن في التمييز الجوهري بين العملة كأداة سيادية، والأصل كأداة استثمارية.

المعاملات الأولى والتبني المبكر

في الأيام الأولى لظهور شبكة بيتكوين، لم يشارك سوى عدد قليل من المتحمسين في اختبار هذه التقنية، وفي يناير 2009 تمت أول معاملة بيتكوين بين ساتوشي وعالم التشفير هال فيني.

تم تعدين البيتكوين باستخدام أجهزة الكمبيوتر المنزلية، لكن عائد التعدين حينها كان عديم الفائدة والقيمة، لأن البيتكوين لم يكن يٌستخدم بعد في المعاملات المالية في العالم الحقيقي.

ولكن سرعان ما لاقت فكرة استخدام البيتكوين سيناريوهات واقعية تروج لها، وفي 2010، تمت أول معاملة تجارية عندما قام شخص ما بتبادل 10,000 بيتكوين مقابل 2 بيتزا من بابا جونز بقيمة 41 دولار.

جدول الأداء السعري للبيتكوين

الفترة الزمنيةالتغير بالدولارالتغير بالنسبة المئوية
اليوم‎-2,058.38$‎-2.43%
آخر 7 أيام‎-6,953.99$‎-7.76%
آخر 30 يوم‎-5,063.76$‎-5.77%
آخر 6 أشهر‎-35,231.57$‎-29.89%
آخر سنة‎-22,130.38$‎-21.12%
آخر سنتين‎+39,696.89$‎+92.44%
آخر 3 سنوات‎+59,806.54$‎+261.93%
آخر 5 سنوات‎+48,322.06$‎+140.81%
آخر 7 سنوات‎+79,172.67$‎+2,283.47%

تظهر أرقام الجدول تباينًا حادًا بين الأداء القصير والطويل الأجل، فعلى المدى القريب، تكبد السعر خسارة يومية قدرها ‎2,058 دولار بنسبة ‎2.43%، وتعمق الانخفاض خلال أسبوع إلى ‎6,953 دولار (‎7.76%)، ثم استمر التراجع خلال 30 يومًا بخسارة ‎5,063 دولار (‎5.77%). 

وتزداد دلالة الضعف عند النظر إلى آخر 6 أشهر، حيث بلغ الهبوط ‎35,231 دولار بما يقارب ‎29.89%، إضافة إلى انخفاض سنوي قدره ‎22,130 دولار بنسبة ‎21.12%، هذه الأرقام تعكس ضغطًا بيعيًا واضحًا واستمرار الاتجاه الهابط على المدى القصير والمتوسط دون وجود تعافي فعلي حتى الآن.

في المقابل، تكشف الأرقام طويلة الأجل عن قوة كبيرة في الأداء التاريخي، إذ حقق السعر خلال آخر سنتين ارتفاعًا قدره ‎39,696 دولار بنسبة ‎92.44%، وقفز خلال 3 سنوات بمقدار ‎59,806 دولارات بنسبة ‎261.93%. 

وعلى الرغم من أن مكاسب 5 سنوات بلغت ‎48,322 دولارًا (‎140.81%)، فإن أبرز دلالة تظهر في أفق 7 سنوات بارتفاع هائل قدره ‎79,172 دولارًا وبنسبة ‎2,283.47%، ويشير هذا التباين العددي إلى أن الانخفاضات الحالية، رغم حدتها، تمثل تصحيحات ضمن مسار صاعد طويل الأمد، وأن تقييم الأداء يختلف جذريًا بحسب الفترة الزمنية المعتمدة في التحليل.

الاعتراف كعملة.. مغامرة الدول الهشة

حتى اليوم، تظل السلفادور الحالة الأبرز لاعتماد البيتكوين كعملة قانونية، القرار كان مدفوعاً باعتبارات اقتصادية مباشرة، تقليل كلفة التحويلات الخارجية التي تشكل شرياناً حيوياً للاقتصاد، وتوسيع قاعدة الشمول المالي في بلد يعاني ضعف البنية المصرفية.

لكن التجربة، رغم استمرارها، كشفت حدود هذا الرهان، فالتقلبات السعرية الحادة للبيتكوين جعلت استخدامه في التسعير اليومي أمراً بالغ الصعوبة، كما أن ارتباط المالية العامة للدولة بأصل متذبذب زاد من المخاطر بدلاً من تخفيفها. 

أما تجربة جمهورية إفريقيا الوسطى، التي تراجعت عن القرار خلال عام واحد، فقد عززت الانطباع الدولي بأن تحويل البيتكوين إلى عملة سيادية يناسب الدول الهشة أكثر مما يناسب الاقتصادات المستقرة، لكنه في الوقت نفسه يزيد هشاشتها.

الاقتصادات الكبرى.. احتواء بلا تسليم

في المقابل، اختارت الاقتصادات الكبرى مساراً أكثر حذراً وواقعية، فالولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، واليابان، وكندا، وأستراليا لا تعترف بالبيتكوين كعملة، لكنها لا تحاربه أيضاً، بل تتعامل معه كأصل رقمي منظم، يخضع لقوانين صارمة تتعلق بمكافحة غسل الأموال، وحماية المستثمرين، والشفافية الضريبية.

هذا النهج يعكس فهمًا دقيقًا لدور العملة في الاقتصاد الكلي، فالعملة ليست مجرد وسيلة تبادل، بل أداة للسياسة النقدية، تستخدمها البنوك المركزية لضبط التضخم، وتحفيز النمو، وإدارة الأزمات. 

والبيتكوين، بطبيعته اللامركزية، يقف خارج هذا الإطار تماماً، ما يجعله غير قابل للدمج كعملة رسمية دون تقويض أدوات الدولة الاقتصادية.

التقلب السعري.. العائق الأكبر أمام الاعتراف

التاريخ السعري للبيتكوين هو الحجة الأقوى بيد الرافضين، فمنذ 2013، شهدت العملة طفرات وانهيارات متتالية، فقد ارتفعت من عشرات الدولارات إلى أكثر من ألف، ثم انهارت، قبل أن تعود وتقفز إلى 20 ألف دولار في 2017، ثم تفقد أكثر من 80% من قيمتها خلال عام واحد، وتكرر المشهد في 2020 و2021 و2022، مع صدمات متلاحقة شملت الجائحة، وحظر الصين، وانهيار منصات كبرى مثل FTX.

عملة بهذه التقلبات لا يمكن استخدامها كوحدة حساب أو مخزن قيمة مستقر، وهما وظيفتان أساسيتان لأي عملة وطنية، لذلك ترى معظم الدول أن البيتكوين أداة استثمارية عالية المخاطر، لا أساساً نقدياً يمكن بناء اقتصاد عليه.

التعدين.. حين يصبح البيتكوين صناعة طاقة

جانب آخر لا يقل أهمية هو التعدين، الذي انتقل من نشاط رقمي إلى صناعة ثقيلة مرتبطة بالطاقة، بعد حظر الصين للتعدين في 2021، أعادت السوق العالمية توزيع نفسها وفق منطق اقتصادي صارم: الكهرباء الأرخص، والبيئة التنظيمية الأوضح، والبنية التحتية الأقوى.

الولايات المتحدة، وكندا، وروسيا، وكازاخستان أصبحت مراكز رئيسية للتعدين، وتعاملت معه كنشاط صناعي يخضع للضرائب والقيود البيئية، هذا التحول غير نظرة الحكومات للبيتكوين، فلم يعد نقاشه محصوراً في المال، بل امتد إلى الطاقة، والبيئة، والأمن الصناعي.

العالم العربي.. تنظيم بلا اعتراف

في العالم العربي، تتفق الدول على رفض الاعتراف بالبيتكوين كعملة رسمية، لكنها تختلف في درجة الانفتاح، وتمثل الإمارات النموذج الأكثر تقدماً، إذ نظمت تداول البيتكوين كأصل استثماري عبر أطر قانونية واضحة، وسعت إلى جذب شركات التعدين والخدمات المرتبطة بالأصول الرقمية، دون المساس بالدرهم أو السياسة النقدية.

هذا النموذج يعكس مقاربة استراتيجية، الاستفادة من الابتكار المالي والتكنولوجي، مع الحفاظ على سيادة العملة الوطنية، كما تبنت البحرين نهجاً مشابهاً، لكن بحجم أصغر، فيما تتخذ دول مثل مصر والسعودية وقطر والجزائر موقفاً أكثر تشدداً، يحظر التداول والتعدين رسمياً.

في المقابل، تشهد دول شمال إفريقيا تداولاً وتعدينًا غير رسمي، ما يكشف فجوة بين الواقع الاقتصادي والتشريع، ويطرح تساؤلات حول جدوى الحظر الكامل في اقتصاد رقمي عابر للحدود.

لماذا ترفض الدول تحويل البيتكوين إلى عملة؟

يمكن تلخيص أسباب الرفض في أربعة محاور رئيسية:

  • أولاً، التقلبات الحادة التي تجعل البيتكوين غير صالح للتسعير. 
  • ثانياً، فقدان السيطرة النقدية، إذ لا تخضع العملة لأي بنك مركزي. 
  • ثالثاً، صعوبة تنظيمها كعملة مقارنة بتنظيمها كأصل استثماري.
  • رابعاً، قناعة متزايدة بأن الابتكار المالي يمكن استيعابه دون التضحية بالعملة الوطنية.

هذه الأسباب تعكس إجماعاً دولياً غير معلن، وهو أن البيتكوين مرحب به داخل النظام المالي، لكن ليس على حسابه، فلا بديل للنظام المالي العالمي، حتى لو تم اعتماد العملات المشفرة في جميع أنحاء الدول.

مستقبل البيتكوين كأصل لا كعملة

تشير الخريطة العالمية بوضوح إلى اتجاه واحد، التقنين بدلاً من الاعتراف. فالدول لا تنكر أهمية البيتكوين، لكنها ترفض منحه سلطة العملة، وبينما يستمر الجدل حول مستقبله، يبدو أن دوره سيظل محصوراً في كونه أصلاً استثمارياً، وصناعة طاقة، وأداة مالية بديلة، لا بديلاً عن النقود السيادية.

قد يتغير هذا الواقع يوماً ما، لكن حتى الآن، تفضل الدول الرهان على الاستقرار لا على التقلب.

اقرأ أيضًا:

انهيار مفاجئ في سوق الكريبتو، مليارات تتبخر من الصناديق الرقمية

ما الذي يميز العملات المستقرة المدعومة في عالم «الكريبتو»؟

Short Url

search