الجمعة، 23 أكتوبر 2026

04:12 م

د. نجلاء صقر تكتب: المناخ والاستراتيجية.. كيف يعيد التغير المناخي تشكيل الأمن القومي العربي؟

الجمعة، 23 أكتوبر 2026 01:54 م

 دكتورة نجلاء صقر باحث في الدراسات السياسية والاستراتيجية

دكتورة نجلاء صقر باحث في الدراسات السياسية والاستراتيجية

بقلم: دكتورة نجلاء صقر باحث في الدراسات السياسية والاستراتيجية

في الماضي، كانت الخرائط السياسية تُرسم بالحدود والجيوش والتحالفات. أما اليوم، فقد دخلت إلى هذه الخرائط قوة جديدة صامتةوخطيرة : وهي المناخ.  

فالتغير المناخي لم يعد ظاهرة جوية أو تقريرًا بيئيًا، بل أصبح فاعلًا استراتيجيًا يعيد تشكيل مفهوم الأمن القومي في المنطقة العربية.

فحين ترتفع درجات الحرارة، لا ترتفع الأرقام في تقارير الأرصاد فقط، بل ترتفع معها احتياجات المياه، وتتقلص الإنتاجية الزراعية في الدول.

والمنطقة العربية تقف اليوم أمام اختبار حقيقي:  

وهو هل سندير الأزمة كأزمة بيئية مؤقتة، أم سنعيد تعريف تطور مفهوم الأمن القومي بوصفه ايضآ أمنًا مناخيًا ومائيًا وغذائيًا وطاقيًا وإنسانيًا؟

 أولًا: من الحدود إلى المالأم..  تطور في مفهوم الأمن

في الماضي، كان الأمن القومي يُقاس بقدرة الدولة على حماية حدودها وسيادتها. أما اليوم، فقد توسع المفهوم وتطور مع مستجدات الاحداث العالميه ليشمل أيضاً القدرة على حماية الموارد التي تضمن استمرار الحياة في الدول.

وفي هذا الإطار، يقدم أحد أبرز الكتّاب الاستراتيجيين المعاصرين رؤية مهمة؛ إذ يوضح أن الثروة والموارد أصبحت معالم متغيرة في مفهوم الأمن العالمي، وأن التنافس على المياه والطاقة والغذاء قد يتحول إلى مصدر للتوتر إذا غابت الإدارة الحكيمه والتعاون.

ومن هذا المنطلق نصل إلى فكرة جوهرية:  

وهي ان الموارد وحدها لا تصنع الأزمة، لكن طريقة إدارتها هي التي تحدد إن كانت ستتحول إلى فرصة للتعاون أم شرارة للتوتر.

 ثانيًا: الماء أول خطوط الدفاع في الأمن العربي والاقليمي

الماء ليس سلعة استهلاكية عادية، بل هو شريان حياة للزراعة والصناعة والصحة والاستقرار.  

وفي المنطقة العربية، أصبحت إدارة المياه ملفًا أمنيًا تم ادارته بجدارة.

- مصر العظيمه: النيل والدلتا… قلب الأمن المائي والغذائي

تمثل مصر نموذجًا فريدًا لدولة تجمع بين الأهمية الاستراتيجية للمياه، وحجم التحديات المناخية، والقدرة على الابتكار.

فالنيل يوفر الجزء الأكبر من الموارد المائية العذبة في مصر، والدلتا تمثل واحدًا من أهم المناطق الزراعية والسكانية في البلاد. لكن الدلتا تواجه في الوقت نفسه تحديات مناخية حقيقية: تملح التربة، وتراجع الأراضي الزراعية، وتسرب مياه البحر، وارتفاع منسوب البحر.

وهنا تظهر عبقريه مصر في :  

- حماية النيل والدلتا والإنسان المصري.

لم تكن مصر  مجرد دولة تتلقى التحديات، بل دولة عظيمه تتحرك باستراتيجيه واعيه ظهرت في :

-  تطوير أنظمة الري الحديثة وتقليل الفاقد.

-  إعادة استخدام المياه المعالجة.

-  التوسع في الزراعة الذكية والبذور المقاومة.

- حماية السواحل والدلتا.

- تعزيز التعاون الإقليمي في إدارة الموارد المشتركة.

ولهذا فإن دور مصر لا يقتصر على حماية أمنها القومي، بل يمتد إلى المساهمة في استقرار المنطقة العربية؛ فأمن النيل ليس أمنآ لمصر فقط، بل هو جزء من أمن مائي وغذائي عربي.

وهناك  أيضاً نجاحات سطرتها دول عربية مثل:

الأردن:  يقدم نموذجًا في إدارة الندرة المائية وتطوير حلول مبتكرة في إعادة استخدام المياه والتحلية.  

وكذلك المغرب : يواجه تحديات الجفاف والتصحر، مع تركيز متزايد على حماية الخزانات الجوفية وإدارة الموارد بشكل مستدام.  

والسعودية: تمثل نموذجًا في تحويل الندرة المائية إلى فرصة عبر الابتكار في التحلية والطاقة المتجددة والزراعة الذكية.

ثالثًا: حلقات مترابطة في الأمن المناخي العربي

الغذاء: المنطقة العربية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على استيراد الغذاء، مما جعلها أكثر عرضة للصدمات العالمية: من تقلب الأسعار، إلى اضطراب سلاسل الإمداد، إلى ارتفاع تكاليف النقل والطاقة.

أما الطاقة، فهي الحلقة الخفية التي تربط الماء بالغذاء والاقتصاد. فالتحلية تحتاج طاقة، والري يحتاج طاقة، وتخزين الغذاء يحتاج تبريدًا، والمدن والمستشفيات والمدارس تحتاج كهرباء مستقرة.

 ومن هنا تنشأ فرصة استراتيجية كبيرة للمنطقة العربية: التحول إلى الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر، وتحويل الشمس العربية من مصدر حرارة وضغط مناخي إلى مصدر قوة اقتصادية وأمنية.

رابعًا: الهجرة المناخية

لا يمكن فصل المناخ عن الإنسان. فحين يجف بئر، أو تتراجع أرض زراعية، أو يفقد مزارع دخله، فإن الأثر لا يتوقف عند الحقل، بل يمتد إلى الأسرة والمدينة والاستقرار الإجتماعي في الدول.

والهجرة المناخية غالبًا ما تبدأ كهجرة داخلية في الدول من الريف إلى المدينة.

ولهذا فإن حماية الإنسان من  الهجرة القسرية التي يتعرض لها بسبب المناخ وتغيره لا تبدأ عند الحدود، بل تبدأ في الحقل والمزرعة والبئر والمدرسة والمستشفى والمدينة داخل الدول.

خامسًا: التعاون العربي والاقليمي

إذا كانت ازمة المناخ عابرة للحدود في العالم بأسره، فإن الحل يجب أن يكون عابرًا للحدود أيضًا. فالأنهار والخزانات الجوفية لا تعترف بالخرائط السياسية، وأسعار الغذاء والطاقة تنتقل عبر الأسواق بسرعة.

ولهذا فإن التعاون الإقليمي العربي لم يعد ترفًا دبلوماسيًا، بل أصبح شرط بقاء واستقرار وتنمية.

ومن أبرز نماذج التعاون الإقليمي، مبادرة شح المياه التي أطلقتها منظمة الأغذية والزراعة وجامعة الدول العربية، والتي تهدف إلى تعزيز التنسيق بين سياسات المياه والزراعة وبناء قدرات الدول العربية.

سادسًا: الشباب والابتكار: الثروة الحقيقية التي تمتلك الشعوب.

أهم ثروة في المنطقة العربية ليست النفط ولا الغاز ولا حتى الماء، بل العقل العربي الشاب.

فالشباب يمثلون الطاقة القادرة على تحويل التحدي المناخي إلى فرص عمل وحلول وتقنيات ومشاريع. 

 إن التغير المناخي ليس قدرًا مكتوبًا، بل هو اختبار حقيقي لقدرتنا على التعاون والابتكار .

وبناء منظومة أمن مناخي عربي قائمة على البيانات   والتمويل والابتكار والتنفيذ.

ومصر، بموقعها الاستراتيجي وتاريخها العريق وقدرتها على المبادرة، تظل قلبًا نابضًا في هذه المعادلة.

إن الماء والغذاء والطاقة ليست ثروات تُستهلك فقط، بل خطوط دفاع استراتيجيه تحمي الدول العربيه؛ لأن مستقبل العرب لا يُبنى بالخوف من المناخ، بل بالعلم والتعاون.

إن المستقبل الآمن لا يُنتظر… بل يُصنع بالعلم والتعاون المشترك بين الدول.

Short Url

search