الجمعة، 16 أكتوبر 2026

08:17 م

د.نجلاء صقر تكتب: من ضفاف النيل لآفاق الطبيعة.. استراتيجية مصر لحماية التنوع البيولوجي

الجمعة، 16 أكتوبر 2026 06:17 م

دكتورة  نجلاء صقر - باحث في الدراسات السياسية والاستراتيجية

دكتورة نجلاء صقر - باحث في الدراسات السياسية والاستراتيجية

بقلم دكتورة نجلاء صقر - باحث في الدراسات السياسية والاستراتيجية

لم يكن نهر النيل عبر تاريخ مصر الطويل، مجرد مجرًى مائي ينساب في جسد الوادي، بل كان دائمًا وسيظل مهد الحضارة، والمحدد الأساسي للهوية الوطنية، وضابط الإيقاع الطبيعي للأمن القومي المصري بآفاقه السياسية والغذائية والعسكرية.

ومنذ أن كتب المصري القديم أول معاهدة لحماية البيئة وأقسم بأنه "لم يلوث مياه النيل ولم يحرم أرضًا من خضرتها"، ظلت حماية الطبيعة جزءًا أصيلًا من عقيدته وعقيدة الدولة المصرية العظيمة.

واليوم، مع تعاظم التحديات المناخية والجيوسياسية المتسارعة، تخوض مصر معركة لا تقل أهمية عن معارك السيادة الوطنية؛ إنها معركة "العبور الأخضر الثاني"؛ عبور يستند إلى رؤية الدولة المصرية، للتحول من ضفاف النيل التقليدية، إلى آفاق صون الطبيعة الشاملة، معتبرةً حماية التنوع البيولوجي، حائط الصد الأول لحماية الأرض والموارد، وضمان استدامة الحياة للأجيال القادمة.

المفاهيم المحورية.. التنوع البيولوجي والاستدامة كركائز للأمن القومي

لكي ندرك أبعاد الاستراتيجية المصرية، يجدر بنا تسليط الضوء على مفهومين رئيسيين يشكلان صلب فلسفة الدولة الحديثة:

1. التنوع البيولوجي (Biodiversity)

لا يقتصر التنوع البيولوجي على الكائنات الحية والمحميات الطبيعية فحسب، بل هو "شبكة الأمان البيئية والزراعية" التي تضمن التوازن البيئي، وتوفر التنوع الجيني للنباتات والحيوانات، ما يمنح القطاع الزراعي والغذائي القدرة على الصمود بوجه الآفات وتغيرات المناخ، كما أن تدهور هذا التنوع، يعني مباشرة تهديدًا للإنتاج الزراعي والحيواني، وبالتالي انكشاف الأمن الغذائي.


2. الاستدامة (Sustainability)

هي الممارسة الاستراتيجية التي تكفل استغلال الموارد الطبيعية (المياه، التربة، الطاقة) بكفاءة عالية لتلبية متطلبات التنمية الشاملة والحاضرة، دون المساس بحق الأجيال القادمة في نصيبها من الثروات والموارد الحيوية، فيما تعد الاستدامة في الفكر المصري المعاصر، معيار الكفاءة الاقتصادية والسياسية للدولة.

  • البُعد الجيوسياسي والعسكري

يعد التنوع البيولوجي ركيزة أمن قومي من منظور أمني وعسكري، إذ إن حماية النظام البيئي والتنوع الحيوي تعد عماد السيادة الوطنية، فالتغيرات البيئية والتدهور الأراضي لا ينتج عنهما خسائر اقتصادية فحسب، بل يمتدان لتهديد الاستقرار الاجتماعي والسياسي ومضاعفة المخاطر الحدودية.

  • الأمن المائي والغذائي

يمثل نهر النيل، المورد الرئيسي للشرائح الزراعية والمائية، كما أن حماية التنوع الحيوي للضفاف والبحيرات الشمالية والدلتا، تحمي التربة من التملح والتآكل، وتوفر مخزونًا استراتيجيًا من الأسماك والأراضي الصالحة للزراعة، ما يعزز القدرة على المواجهة في أوقات الأزمات العالمية وسلاسل الإمداد.

  • السيادة على الأرض والهوية

ليست إدارة المحميات الطبيعية التي تشكل أكثر من 15% من مساحة مصر (مثل محميات سيناء، البحر الأحمر، والصحراء الغربية) مجرد نشاطٍ بيئي، بل هي تثبيت للوجود الرقمي والأمني والتنموي على حدود الدولة، وصون للثروات الجغرافية ضد التدهور والإهمال.
 

إنجازات مصر.. من الصعيد الداخلي إلى الريادة الإقليمية والدولية

تحولت مصر خلال السنوات الأخيرة، من مرحلة "التكيف البيئي" إلى مرحلة "القيادة الرائدة وصياغة السياسات" عبر إنجازات عظيمة ملموسة:-

أولاً: على المستوى الداخلي (مشروعات العبور التنموي)

  • مشروع الدلتا الجديدة وإعادة إحياء البحيرات

ويتم ذلك من خلال استصلاح ملايين الأفدنة وإعادة التوازن البيئي لبحيرات (منزلة، برلس، مريوط) بعد عقود من التلوث، إذ أدى ذلك إلى استعاد المئات من الأنواع البحرية والطيور المهاجرة.

  • المشروع القومي لتبطين الترع

وأدى ذلك المشروع إلى حماية الموارد المائية من الضياع والتلوث، ورفع كفاءة الري الزراعي وتوزيع المياه للأنظمة البيئية.

  • شبكة المحميات الطبيعية

تطوير المحميات حولها إلى مراكز للاقتصاد والسياحة البيئية المستدامة (مثل رأس محمد، نبق، ووادي الحيتان).

 

ثانيًا: على المستوى الإقليمي والدولي (الريادة الدبلوماسية)

  • قيادة الأجندة الدولية للتنوع البيولوجي

ترأست مصر مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (COP14) في شرم الشيخ، واستطاعت ربط اتفاقيات تغير المناخ والتنوع البيولوجي وتدهور الأراضي في إطار عالمي واحد.

  • قمة المناخ (COP27) وبناء المبادرات

كرست مصر ريادتها في شرم الشيخ، عبر إطلاق مبادرات حماية البيئة البحرية للشعاب المرجانية في البحر الأحمر، والتحالف مع الدول الإفريقية، للحد من الآثار البيئية وصون الموارد المشتركة.
 

الرؤية المستقبلية.. العبور المستمر نحو الاقتصاد الأخضر

إن استراتيجية مصر لحماية التنوع البيولوجي ليست جهدًا وقتيًا، بل هي مسار استراتيجي متواصل، ترتكز فيه الرؤية المستقبلية على دمج رأس المال الطبيعي في الحسابات القومية للاقتصاد المصري، والتوسع في الاستثمار الأخضر والسندات البيئية، وتأهيل القوى البشرية؛ لمواكبة متطلبات الزراعة الذكية والمناخية.

إن التعبير عن مصر من ضفاف النيل إلى آفاق الطبيعة، هو تجسيد حقيقي لإرادة وطن يدرك أن حماية أراضيه وتنوعه البيولوجي، هو جوهر وجوده الحضاري، وشرط أساسي لاستمرارية أمنه القومي واستدامته الاقتصادية.

أسست مصر العظيمة نموذجًا إقليميًا ودوليًا، يثبت أن التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعة، خطان متوازيان يصنعان معًا قوة الدولة وسيادتها الناعمة والصلبة في آن واحد.

Short Url

search