الأحد، 04 أكتوبر 2026

06:49 م

من النفط الخام إلى أزمة الديزل.. لماذا أصبحت المصافي مفتاح أمن الطاقة العالمي؟

الأحد، 04 أكتوبر 2026 04:30 م

مصافي النفط

مصافي النفط

إيمان البصيلي

عندما دخل ديف سانيال، قطاع النفط في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، كان جدار برلين لا يزال قائمًا، و"نينتندو" أطلقت لتوّها جهاز "غيم بوي"، فيما لم يكن سعر خام برنت يتجاوز نحو 15 دولارًا للبرميل.

منذ ذلك الحين، بقي تكرير النفط وإنتاج الوقود في أحسن الأحوال أمرًا ثانويًا لدى صناع السياسات في أوروبا الذين سمحوا بإغلاق المصافي والاعتماد على الخارج لتأمين إمدادات وقود مثل الديزل والبنزين. وحتى في الولايات المتحدة، أكبر منتج للنفط في العالم حاليًا، أُغلقت منشآت للتكرير، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الوقود في بعض مناطق البلاد أكثر من مناطق أخرى.

النفط

أزمة الوقود تعيد المصافي إلى الواجهة

لكن تقلص طاقة التكرير يصطدم اليوم باضطرابات جيوسياسية حادة، واقتربت العقود الآجلة للديزل في أوروبا من 200 دولار للبرميل، فيما تجاوزت أسعار التجزئة في الولايات المتحدة مستوى قياسيًا بلغ 6.50 دولار للجالون، بينما يحوم سعر خام برنت فوق 100 دولار للبرميل، وفقًا لتقرير نشرته “الشرق بلومبرج”.

وقال ديف سانيال الذي يدير شركة "فارو بريم" (VaroPreem) الأوروبية لإنتاج الوقود، في مقابلة بلندن، إن قفزات الأسعار التي أشعلتها حرب إيران وفاقمتها الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية، دفعت الحكومات أخيرًا إلى إدراك أهمية إنتاج الوقود.

وأضاف سانيال الذي توفر شركته 10% من وقود النقل في أوروبا إنه لطالما اعتُبرت خطوط الأنابيب بنية تحتية حيوية، بينما لم تحظَ المصافي بالنظرة نفسها، لكن ذلك بدأ يتغير الآن.

تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا بحظر الصادرات، رغم تحذيرات قادة القطاع وحتى بعض أعضاء إدارته من الخطوة التي قد تلحق أضرارًا بحلفاء الولايات المتحدة من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا، هو ما جعل إنتاج الوقود عالميًا يحظي بهذا القدر من الأهمية السياسية والاقتصادية.

في الوقت نفسه، تخشى البنوك المركزية أن تؤدي القفزة في أسعار الديزل إلى استمرار الضغوط التضخمية، ما قد يستدعي مزيدًا من رفع أسعار الفائدة، نظرًا إلى الدور الحيوي للوقود في قطاعات تمتد من النقل وإنتاج الغذاء إلى السفر، كما ساهم ارتفاع أسعار الطاقة في موجة بيع واسعة في أسواق السندات العالمية.

النفط

المصافي تؤجل الصيانة لزيادة الإنتاج

من جانبها، تعمل شركات التكرير بأقصى طاقتها لزيادة الإنتاج، خصوصًا من الديزل وقالت "توتال إنرجيز" (TotalEnergies)، أكبر شركة لتكرير النفط في أوروبا، إنها أرجأت أعمال صيانة في إحدى منشآتها كان من المقرر أن تبدأ خلال أيام، حتى تتمكن من مواصلة إمداد الأسواق بالوقود.

ويتكرر المشهد من إسبانيا إلى بولندا واليونان، حيث أرجأت شركات التكرير أعمال صيانة كانت مقررة، في وقت ترتفع أسعار الوقود بوتيرة تفوق بكثير مكاسب النفط الخام.

وفي الولايات المتحدة، أرجأت أكبر مصفاة في البلاد، وهي منشأة ضخمة في تكساس مملوكة لـ"أرامكو السعودية" وقادرة على معالجة أكثر من 640 ألف برميل من النفط يوميًا، أعمال صيانة كانت مقررة هذا الخريف إلى العام المقبل.

تحولت الأسعار الحالية إلى فرصة استثنائية للمصافي التي تحول النفط الخام إلى وقود محركات مثل البنزين والديزل، ووفق أحد المؤشرات التقريبية المتداولة في القطاع، يمكن أن تتجاوز أرباح التكرير 60 دولارًا للبرميل، فيما حققت أكبر ثلاث شركات تكرير أمريكية أرباحًا فاقت 10 مليارات دولار في الربع الثاني وحده.

وبات ما يُعرف بـ"هامش التكرير"، أي الفارق الذي تحققه المصافي من تحويل الخام إلى منتجات نفطية قابلة للاستهلاك، حاضرًا حتى في أحاديث محافظي البنوك المركزية.

وقال لويس كابرا، نائب الرئيس التنفيذي لشركة التكرير الإسبانية "ريبسول" (Repsol): "من جهة، نؤجل أعمال الصيانة الاختيارية والمرنة قدر الإمكان، حتى نتمكن من مواصلة تزويد أسواقنا بالإمدادات، وفي الوقت نفسه، فإن هوامش الربح جيدة جدًا".

مصافي النفط

حظر الصادرات يهدد بتوسيع أزمة الوقود

يرى عدد من كبار تجار السلع مؤشرات على أن المصافي في أوروبا والولايات المتحدة تعمل بأقصى طاقتها لتلبية الطلب. ويساعد تأجيل أعمال الصيانة على إبقاء إنتاج الوقود مرتفعًا في الأسواق التي تحتاج إليه، لكنه يزيد في المقابل مخاطر الأعطال أو حدوث اضطرابات أكبر في المصافي خلال العام المقبل.

وفي الولايات المتحدة التي تضم واحدة من أكبر صناعات التكرير في العالم، تعالج المصافي حاليًا نحو 17 مليون برميل من النفط الخام يوميًا، وهو مستوى قياسي لهذا الوقت من العام.

كلّ ذلك يعني أنه لا يوجد حل سريع لأزمة نقص الوقود المكرر، فحرب إيران والصراع بين روسيا وأوكرانيا تسببت في تعطيل طاقة تكرير وشحنات نفطية بملايين البراميل يوميًا، وحتى إذا عادت تدفقات الخام إلى مستوياتها السابقة، لا توجد حاليًا مصافٍ عاملة كافية حول العالم لتحويله إلى المنتجات النفطية التي يحتاج إليها المستهلكون يوميًا.

ومع تزايد الأهمية السياسية لقطاع التكرير، تبحث الحكومات عن سبل لزيادة الإنتاج والحد من ارتفاع الأسعار. فقد طلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من الاتحاد الأوروبي النظر في تخفيف مواصفات الوقود، فيما دعت الحكومة الإيطالية شركات التكرير في البلاد إلى محادثات.

لكن المصافي الأوروبية لا تستطيع تأجيل أعمال الصيانة إلى ما لا نهاية. وقالت شركة التكرير البولندية "أورلن" (Orlen)إن تأجيل الصيانة قد يؤدي إلى ما يتجاوز الحدود المبررة فنيًا إلى زيادة مخاطر حدوث مشكلات في التشغيل أو توقفات غير مخطط لها.

النفط

في الولايات المتحدة أيضًا، يلجأ صناع القرار إلى إجراءات محلية لخفض الأسعار، من بينها إلغاء الضريبة الفيدرالية على الديزل فعليًا، والبالغة نحو 24 سنتًا، عبر توسيع استخدام الديزل المخصص للمركبات والآليات التي تعمل خارج الطرق، والمعروف بالديزل الأحمر.

كما دعا بعض المشرعين الجمهوريين إلى حظر الصادرات، في خطوة يقول خبراء إنها قد تخفض الأسعار محليًا لفترة وجيزة، قبل أن ترفع تكلفة مختلف أنواع الوقود، بما فيها البنزين.

وقال نيتين جيندال، رئيس السلع العالمية في "غولدمان ساكس"، على هامش مؤتمر للسلع نظمه البنك في باريسإنه من المرجح أن يؤدي فرض حظر شامل على الصادرات إلى سباق عالمي حاد لتأمين إمدادات بديلة من الديزل، ما سيزيد التقلبات وحالة عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية.

انتقد وزير الطاقة الأميركي كريس رايت هذا الأسبوع الدول الأوروبية لعدم ضخ مزيد من الديزل من مخزونات الطوارئ، ضمن عمليات السحب التي نسقتها وكالة الطاقة الدولية في وقت سابق من هذا العام.

لكن مع تسابق دول العالم لوضع يدها على كل برميل متاح، يبرز خطر آخر، إذ قد يتحول ارتفاع الأسعار في الدول الغربية إلى أزمات أشد وطأة في الدول الأكثر فقرًا. ففي نيجيريا، على سبيل المثال، تراجع الطلب على البنزين الأسبوع الماضي بنحو 15% مقارنة بالعام السابق.

النفط

مصافي آسيا قد تخفف أزمة الوقود

قال ديفيد بيرد، الرئيس التنفيذي لشركة "دانغوتي بتروليوم ريفاينري آند بتروكيميكالز" (Dangote Petroleum Refinery and Petrochemicals FZE)، التي تدير أكبر مصفاة نفط في أفريقيا: "بصفتي مسؤولًا عن مصفاة، لا أريد أن يبدو الأمر وكأننا نحتفل بهذه الهوامش المرتفعة. لكن إذا وصلت الدول المتقدمة إلى مرحلة تآكل الطلب بسبب الأسعار، فتخيلوا حجم تأثيرها في الدول الأقل تقدمًا".

في المقابل، وبينما قلص الغرب قدراته على إنتاج الوقود، تبدو المصافي الآسيوية أقل تأثرًا بالأزمة التي تضرب أوروبا، وقد توفر بعض الإمدادات التي تساعد على تخفيف حدتها.

تمكنت المصافي في أنحاء آسيا من تأمين جانب كبير من احتياجاتها من النفط الخام للأشهر المقبلة، ما يسمح لها بمواصلة إنتاج الوقود رغم استمرار اضطرابات الشحن في الخليج العربي، وأكدت الهند عزمها الوفاء بعقود تصدير الديزل، فيما خففت الصين، وهي عادة من كبار المصدرين، القيود التي فرضتها على الصادرات في وقت سابق من الصراع. وقد تشهد صادرات اليابان انتعاشًا أيضًا.

اقرأ أيضًا:

أوبك+ تثبت أهداف إنتاج النفط في نوفمبر مع تداعيات حرب إيران

مصفاة «دانجوتي» تطلق أكبر عملية طرح أسهم في تاريخ القارة الإفريقية لتوفير 1.6 مليار دولار

Short Url

search