الأحد، 27 سبتمبر 2026

06:25 م

مواقع التواصل الاجتماعي تعيد تشكيل سوق الساعات الفاخرة من المزاد إلى المنشور الرقمي

الأحد، 27 سبتمبر 2026 04:15 م

 سوق الساعات الفاخرة

سوق الساعات الفاخرة

مي المرسي

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد مساحة لعرض الصور ومتابعة المشاهير، لكنها تحولت إلى أحد العوامل المؤثرة في سوق الساعات الفاخرة، بعدما أصبحت منصات مثل إنستجرام وإكس وتيك توك وسيلة لاكتشاف الساعات النادرة، ومتابعة تجار الساعات، والتعرف على الإصدارات القديمة، بل واتخاذ قرار الشراء.

ويكشف تطور سوق الساعات الفاخرة عن تغير واضح في الطريقة التي يصل بها المشترون إلى القطع النادرة، بعدما انتقلت المعرفة التي كانت حكرًا على المتخصصين وتجار المزادات والمتاجر الفاخرة إلى منصات التواصل الاجتماعي، إذ يستطيع صاحب متجر صغير أو جامع للساعات الوصول إلى مئات الآلاف من المهتمين حول العالم.

الساعات الفاخرة تنتقل من المتاجر إلى منصات التواصل

تقدم قصة ساعة «سانتوس» من كارتييه مثالًا واضحًا على العلاقة بين تاريخ الساعات الفاخرة والتحولات الجديدة في طريقة اكتشافها وبيعها، وتعود قصة الساعة إلى عام 1900، عندما كان الطيار البرازيلي ألبرتو سانتوس دومون يواجه مشكلة عملية في معرفة الوقت أثناء قيادة منطاده، بعدما كانت الساعات في ذلك الوقت تعتمد بصورة أساسية على ساعة الجيب.

وبحسب الرواية الواردة في التقرير، اقترح عليه صديقه لويس كارتييه، من عائلة كارتييه المعروفة في صناعة المجوهرات، تثبيت الساعة على معصمه بدلًا من وضعها داخل جيبه، لتصبح أكثر عملية أثناء الطيران.

وأطلقت كارتييه ساعة «سانتوس» ذات الوجه المربع عام 1911، واستمرت العلامة التجارية في إنتاج نسخ مختلفة منها على مدار أكثر من قرن، لتتحول الساعة من حل عملي لمشكلة طيار إلى واحدة من القطع المعروفة في عالم الساعات الفاخرة.

ساعة كارتييه النادرة تصل إلى 48 ألف دولار

لم تعد قيمة الساعات الفاخرة مرتبطة بسعرها عند طرحها فقط، وإنما أصبحت ندرة الإصدار، وتاريخ التصميم، وحالة الساعة، والمواد المستخدمة فيها، وعوامل أخرى تحدد قيمتها في سوق التجميع والمزادات.

ويشير التقرير إلى أن إصدارًا فاخرًا من ساعة «سانتوس» بمناسبة الذكرى التسعين، مصنوعًا من البلاتين وبميناء بلون السلمون وعقارب بريغيه باللون النيلي، بيع في مزاد لدى كريستيز خلال العام الماضي مقابل ما يقارب 48 ألف دولار.

ويقول توم كولينز، مالك متجر الساعات القديمة «Wrist Watcher Ltd.»، إن كارتييه تعد من أكبر العلامات التجارية من حيث القيمة التجميعية، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى صعوبة تحديد القطع التي تحظى بأهمية أكبر لدى هواة جمع الساعات، بسبب تعدد الإصدارات والنماذج.

وهنا تظهر أهمية وسائل التواصل الاجتماعي، التي أتاحت للمتخصصين تقديم هذه التفاصيل للجمهور بشكل مستمر، وتحويل الساعة من مجرد منتج فاخر إلى قصة لها تاريخ وتصميم وخصائص يمكن متابعتها وفهمها.

260 ألف متابع وراء سوق جديد للساعات

أحد أبرز الأمثلة التي يقدمها التقرير هو توم كولينز، الذي يستخدم حسابه على منصة إكس، للتعريف بالساعات القديمة والنادرة، ويصل عدد متابعيه إلى نحو 260 ألف شخص من عشاق الساعات.

ويكشف التقرير أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على سوق الساعات الفاخرة لا يتوقف عند التعريف بالمنتجات، وإنما يمكن أن يدفع المتابع إلى زيارة متجر فعلي وشراء ساعة.

ويحكي التقرير تجربة أحد المهتمين بالساعات، الذي شاهد أثناء رحلة جوية ليلية من أديس أبابا إلى هيثرو منشورًا لكولينز يعرض فيه ساعة «كارتييه سانتوس كاريه» ويصفها بأنها من أنظف النسخ الموجودة في السوق.

وكانت النتيجة أن تحولت مشاهدة المنشور على الهاتف إلى خطوة عملية، بعدما أضاف صاحب التجربة زيارة متجر «Wrist Watcher» في لندن إلى خططه بهدف اقتناء الساعة، هذه الواقعة توضح أحد أهم التحولات التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي في سوق الساعات الفاخرة: المحتوى أصبح جزءًا من رحلة الشراء نفسها.

لماذا يهتم هواة جمع الساعات بالتفاصيل؟

في سوق الساعات الفاخرة، لا يكفي أن تحمل الساعة اسم علامة تجارية عالمية، إذ يهتم هواة الجمع بتفاصيل دقيقة يمكن أن تؤثر في قيمة القطعة ومكانتها بين الإصدارات المختلفة.

ويشير التقرير إلى أن خبراء الساعات يبحثون عن علامات محددة، من بينها كمية الذهب المحفورة على ظهر بعض الساعات، إلى جانب تفاصيل التصميم والمواد وآلية التشغيل وتاريخ الإصدار، ومن بين النماذج التي تناولها التقرير ساعة «سانتوس كاريه» ثنائية اللون التي اقتناها كولينز مؤخرًا لمتجره في منطقة مايفير الراقية في لندن.

وظهر هذا الطراز عام 1978، ويمثل مرحلة مهمة في تطور تصميم وميكانيكا ساعات كارتييه، بعدما أعادت الدار تصميم «سانتوس» بشكل أكثر رياضية، وجعلت الميناء مربعًا، مع كشف البراغي وإضافة سوار يجمع بين الفولاذ المقاوم للصدأ والذهب عيار 18 قيراطًا، إلى جانب الاعتماد على حركة أوتوماتيكية.

وسائل التواصل الاجتماعي تعيد تعريف قيمة الساعة

في الماضي، كان الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالساعات القديمة والنادرة يعتمد بدرجة كبيرة على المتاجر المتخصصة، والمزادات، والكتالوجات، والعلاقات داخل مجتمع هواة جمع الساعات، أما اليوم، فأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي قناة مباشرة بين صانع المحتوى والمتخصص والجامع والمشتري.

وتسمح هذه المنصات بعرض الساعة من زوايا متعددة، وتقديم معلومات حول تاريخها، ومقارنة الإصدارات، ومناقشة حالتها، إلى جانب إتاحة فرصة للجمهور لمتابعة قطع قد لا تظهر بسهولة في المتاجر التقليدية.

كما أن طبيعة المحتوى البصري لمنصات مثل إنستجرام تجعل الساعات الفاخرة مناسبة بشكل خاص لهذا النوع من التسويق، فالساعة ليست منتجًا يعتمد على الوظيفة فقط، وإنما ترتبط أيضًا بالتصميم والتفاصيل والحرفية والصورة الاجتماعية للمنتج.

من المحتوى إلى قرار الشراء

التغير الأبرز الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي في سوق الساعات الفاخرة يتمثل في اختصار المسافة بين الاكتشاف والشراء، فالمستخدم قد يبدأ يومه بمشاهدة صورة لساعة قديمة على حساب متخصص، ثم يتعرف على تاريخها، ويقارنها بإصدارات أخرى، ويتابع آراء هواة الجمع، وبعد ذلك يبحث عن المتجر الذي يعرضها، وبذلك أصبحت منصات التواصل جزءًا من منظومة التجارة، حتى عندما لا تتم عملية الدفع داخل المنصة نفسها.

وتكشف تجربة ساعة «سانتوس كاريه» عن هذا التحول بوضوح، فالمشترِي لم يكن يبحث بالضرورة عن الساعة داخل متجر في ذلك الوقت، وإنما وصل إليها من خلال منشور ظهر أمامه أثناء استخدام هاتفه، ثم تحول الاهتمام الرقمي إلى زيارة فعلية للمتجر.

إنستجرام والساعات الفاخرة.. الصورة أصبحت أداة بيع

تستفيد الساعات الفاخرة بصورة خاصة من قوة المحتوى المرئي، لأن التفاصيل الصغيرة التي تميز كل إصدار يمكن عرضها في الصور ومقاطع الفيديو، وتسمح منصات التواصل للمتخصصين بإظهار الميناء، والعقارب، والسوار، والعلبة، والخامات، وحتى التفاصيل التي قد لا يلاحظها الشخص غير المتخصص.

الساعات القديمة تتحول إلى محتوى قابل للانتشار

تمنح وسائل التواصل الاجتماعي الساعات القديمة فرصة جديدة للظهور أمام جمهور لم يكن يعرفها من قبل، فالساعة التي ربما كانت موجودة داخل متجر متخصص أو ضمن مجموعة خاصة يمكن أن تتحول، بمجرد تصويرها وعرض تفاصيلها، إلى موضوع للنقاش بين آلاف المهتمين.

ويزداد هذا التأثير عندما تكون الساعة مرتبطة بقصة تاريخية أو شخصية مشهورة أو تصميم مختلف، لأن القصة تمنح المنتج قيمة إضافية تتجاوز مواصفاته الفنية، وتوضح قصة «سانتوس» كيف يمكن لساعة بدأت فكرتها بسبب احتياج عملي لدى طيار في بداية القرن العشرين أن تستمر حتى اليوم كمنتج فاخر يحظى باهتمام هواة الجمع.

هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي سوقًا للساعات الفاخرة؟

تشير تجربة «Wrist Watcher» التي يعرضها التقرير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت بالفعل جزءًا مؤثرًا من سوق الساعات الفاخرة، خصوصًا في مرحلة اكتشاف المنتج والتعرف عليه والتواصل مع المتاجر والمتخصصين، ولا يعني ذلك أن المتاجر والمزادات التقليدية فقدت دورها، لكنها أصبحت تعمل داخل منظومة أوسع، يمكن أن تبدأ فيها رحلة المشتري من شاشة الهاتف قبل أن تنتهي داخل متجر أو مزاد.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت في توسيع جمهور الساعات القديمة، من خلال جعل المعلومات المتعلقة بالتصميم والإصدارات والحالة والقيمة التجميعية أكثر سهولة في الوصول إليها.

من ساعة الجيب إلى الهاتف الذكي

المفارقة أن قصة ساعة «سانتوس» بدأت أصلًا بسبب مشكلة مرتبطة بطريقة معرفة الوقت أثناء استخدام وسيلة نقل جديدة، عندما احتاج الطيار إلى وسيلة أكثر عملية من ساعة الجيب، وبعد أكثر من قرن، أصبحت التكنولوجيا مرة أخرى عاملًا في تغيير سوق الساعات، ولكن هذه المرة من خلال الهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي، فالساعة نفسها لم تعد مجرد أداة لمعرفة الوقت، بينما أصبح اكتشافها والتعرف على قيمتها ومتابعة سوقها يتم في كثير من الأحيان عبر شاشة الهاتف.

ومن هنا، يمكن فهم التحول الذي تشهده سوق الساعات الفاخرة باعتباره انتقالًا من سوق يعتمد على الوصول إلى المتخصصين والمتاجر والمزادات، إلى سوق يستطيع فيه المحتوى الرقمي أن يصنع نقطة الاتصال الأولى بين الساعة والمشتري، وبينما احتاجت «سانتوس» في بدايتها إلى فكرة بسيطة لتنتقل من جيب الطيار إلى معصمه، تحتاج الساعات الفاخرة اليوم إلى حضور رقمي قوي حتى تنتقل من واجهة المتجر إلى شاشة الهاتف، ومنها إلى دائرة اهتمام هواة الجمع والمشترين حول العالم.

اقرا أيضًا:

مناجم الذهب في مصر.. 7.3 مليون أونصة احتياطي وخريطة لأبرز مواقع الإنتاج والاستكشاف

Short Url

search