الخميس، 24 سبتمبر 2026

02:30 م

قبل شروق الشمس.. فتيات السادات يتركن دفء البيوت بحثًا عن أحلامهن في محطات تصدير الفواكه

الخميس، 24 سبتمبر 2026 01:18 م

فتيات محطة تصدير الفواكه بالسادات مع محررة «إيجي إن»

فتيات محطة تصدير الفواكه بالسادات مع محررة «إيجي إن»

هدير جلال

لم تتجاوز الساعة الخامسة صباحًا، بينما لا تزال قرى مدينة السادات غارقة في هدوء الفجر، لكن في بيوت كثيرة هناك، يبدأ يوم مختلف تمامًا، فتيات صغيرات يستيقظن مبكرًا، يجهزن أنفسهن على عجل، ثم يخرجن من بيوتهن في طريقهن إلى العمل داخل إحدى محطات تصدير الخضراوات والفاكهة.

لم يكن الاستيقاظ في هذا الوقت المبكر مجرد عادة يومية، لكنه بالنسبة لهن بداية رحلة جديدة مع كل صباح، رحلة تحمل كل واحدة منهن خلالها سببًا مختلفًا جعلها تختار العمل، وتترك دفء البيت وساعات النوم المبكرة، لتشق طريقها بنفسها.

في ملامحهن شيء يصعب تجاهله وجوه صغيرة، بريئة، هادئة، لا تزال تحتفظ بملامح الطفولة، رغم أن تفاصيل الحياة دفعتها مبكرًا إلى تحمل مسؤوليات أكبر من أعمارهن.

هنا لا تبدأ الحكاية من داخل المحطة، وإنما تبدأ من البيوت، من فتاة تستيقظ لتوفر جزءًا من مصاريف دراستها، وأخرى تعمل حتى تساعد أسرتها في أعباء المنزل، وثالثة تحاول أن توفر لنفسها ما تحتاجه، بينما تحمل أخرى حلمًا بسيطًا بأن تجمع ما يكفي لتجهيز نفسها، بعدما أصبحت الظروف أكبر من قدرة والدها على تحمل كل شيء بمفرده، أو بعدما غاب الأب عن حياتها.

أحلام صغيرة لكنها بالنسبة لهن كبيرة، لا تبحث هؤلاء الفتيات عن حياة فارهة، ولا يرفعن سقف أحلامهن بعيدًا عن الواقع، وإنما لكل واحدة منهن أمنية بسيطة تريد الوصول إليها بيديها، واحدة تريد أن تكمل تعليمها، وأخرى تريد أن تساعد والدتها وأسرتها، وثالثة تحلم بأن يكون لها شيء خاص بها، صنعته من تعبها، ورابعة تحاول أن تساعد في تجهيز بيتها ومستقبلها.

وبين هذه الأحلام المختلفة، يجمعهن شيء واحد الرغبة في الاعتماد على النفس، ومحاولة صناعة طريق خاص بهن مهما كانت بدايته متعبة.

داخل محطة تصدير الخضراوات والفاكهة تتغير الصورة، تتحول الفتاة الصغيرة التي خرجت من بيتها في الساعات الأولى من الصباح إلى عاملة تعرف مهمتها جيدًا تستلم المحصول، تتعامل معه بعناية، وتشارك في عمليات التجهيز والتغليف، وتؤدي عملها وسط حركة مستمرة لا تتوقف.

أيادي صغيرة تتحرك بين الخضراوات والفاكهة، ترتب وتغلف وتستلم المحصول، وكأنها تعرف أن كل قطعة تعمل عليها تحمل جزءًا من يومها، ومن تعبها، ومن الحلم الذي خرجت من أجله في الصباح، ورغم مشقة العمل، تبقى ملامحهن لافتة.

وجوه في عمر الزهور، وابتسامات تظهر وسط ساعات العمل، وبراءة لم تستطع المسؤوليات أن تمحوها من ملامحهن، قد يبدو المشهد من بعيد عاديًا، فتيات يعملن داخل محطة لتجهيز وتصدير الخضراوات والفاكهة، لكن الاقتراب منهن يكشف حكايات مختلفة تمامًا.

كل وجه يحمل قصة، وكل يد تتحرك في العمل وراءها بيت ينتظر، وأسرة تحتاج، ومصاريف تتراكم، وحلم تريد صاحبته أن تصل إليه، في عمر يبدأ من 17 عامًا، تخوض هؤلاء الفتيات تجربة مبكرة مع العمل والمسؤولية.

وفي الوقت الذي قد تقضي فيه فتيات أخريات هذا العمر بين الدراسة والبيت والأصدقاء، تختار هؤلاء طريقًا مختلفًا، يجمع بين أحلامهن الصغيرة ومتطلبات الحياة.

ربما لا تعرف كل واحدة منهن إلى أين سيأخذها الطريق بعد سنوات، لكن المؤكد أنهن تعلمن مبكرًا معنى أن يكون للإنسان هدف يسعى إليه، فالعمل بالنسبة لهن ليس مجرد ساعات تقضيها داخل المحطة، وليس مجرد مبلغ تحصل عليه في نهاية اليوم، لكنه وسيلة لتحقيق شيء تحلم به كل واحدة بطريقتها، ومع حركة العمل، يظل هناك جانب آخر في المشهد لا يمكن تجاهله.. هؤلاء الفتيات ما زلن صغيرات.

ضحكاتهن، ملامحهن، أحلامهن البسيطة، وحتى طريقة حديثهن، كلها تذكر بأنهن ما زلن في بداية العمر، وأن وراء كل يد تعمل قصة فتاة كان من الممكن أن تقضي صباحها في سريرها، لكنها اختارت أن تستيقظ قبل شروق الشمس وتمضي إلى عملها.

في قرى مدينة السادات، تبدأ الحكاية كل يوم من جديد، ساعة مبكرة، أبواب تفتح، فتيات يستعددن للخروج، وطرق تقودهن إلى محطة تصدير الخضراوات والفاكهة، لا يعرف الناس الذين يمرون من أمامهن بالضرورة ماذا يدور داخل كل بيت تركته واحدة منهن خلفها، ولا يعرفون لماذا خرجت في هذا الوقت المبكر، ولا ماذا تريد أن تفعل بما تحصل عليه من عملها.

لكن الصور تستطيع أن تقول جزءًا من الحكاية، تستطيع أن تُظهر الأيدي التي تعمل، والوجوه التي تخفي خلف هدوئها الكثير من المسؤوليات، والابتسامة التي تظهر رغم التعب، وهنا تكمن الحكاية الحقيقية، أن وراء كل صندوق خضراوات أو فاكهة يتم تجهيزه وتغليفه، هناك أيدٍ بشرية عملت عليه، ووراء كل يد فتاة لها بيت وحكاية، ووراء كل فتاة حلم تحاول أن تدفع ثمنه من تعبها.

ربما تبدو أحلامهن بسيطة في نظر البعض، لكنها بالنسبة لهن ليست كذلك، فالدراسة حلم، ومساعدة الأسرة حلم، والاعتماد على النفس حلم، وتجهيز المستقبل حلم، والحصول على حياة أفضل حلم.

وفي النهاية، تبقى أجمل تفاصيل المشهد هي تلك الوجوه الصغيرة التي لم تفقد براءتها رغم المسؤولية، والأيدي التي تعمل بحب، والفتيات اللاتي بدأن يومهن قبل شروق الشمس، لا بحثًا عن طريق سهل، وإنما بحثًا عن طريق تستطيع كل واحدة منهن أن تقول في نهايته: "أنا عملت ده بنفسي".

هذه ليست مجرد صورة لفتيات داخل محطة تصدير، إنها صورة لجيل صغير يتعلم مبكرًا كيف يحمل أحلامه بيديه، ويضعها أمامه، ثم يمضي في الطريق خطوة وراء خطوة.

Short Url

search