الخميس، 10 سبتمبر 2026

05:36 م

لماذا تعيد البنوك المركزية حسابات تخزين الذهب من نيويورك إلى لندن؟

الخميس، 10 سبتمبر 2026 04:18 م

الذهب

الذهب

أعادت تحركات عدد من البنوك المركزية الأوروبية بشأن أماكن تخزين احتياطياتها من الذهب، فتح النقاش مجددًا حول مدى ثقة بعض الدول في الولايات المتحدة كمركز رئيسي لحفظ المعدن النفيس، بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية.

وبدأت دول أوروبية في إعادة توزيع أجزاء من احتياطياتها الذهبية بين مراكز التخزين المختلفة، فيما اختارت بعض الدول استعادة كميات من الذهب إلى أراضيها، بينما اتجهت أخرى إلى نقلها إلى لندن، باعتبارها أحد أبرز مراكز تداول الذهب عالميًا.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواصل فيه البنوك المركزية تعزيز حيازاتها من الذهب، بشكل يعادل ضعف متوسط مشترياتها خلال العقد السابق، في مؤشر على تنامي أهمية المعدن النفيس داخل الاحتياطيات الرسمية.

هولندا تعيد توزيع احتياطياتها الذهبية

وكانت هولندا من أحدث الدول التي أعادت النظر في أماكن تخزين جزء من احتياطياتها الذهبية، بعدما نقل بنكها المركزي نحو 86 طنًا متريًا من الذهب، تقدر قيمتها بنحو 12 مليار دولار، من مواقع التخزين في نيويورك وأوتاوا إلى لندن.

وبحسب البنك المركزي الهولندي، فإن الهدف من إعادة توزيع الذهب يتمثل في تعزيز الاستعداد لمواجهة الأزمات، من خلال توزيع الاحتياطيات بصورة أكثر توازنًا بين ولايات قضائية مختلفة، بدلًا من تركيزها في مكان واحد.

ويمتلك البنك المركزي الهولندي نحو 612 طنًا من الذهب، وشملت عملية إعادة التوزيع أكثر قليلًا من 78 طنًا من نيويورك، إلى جانب نحو 7 أطنان من أوتاوا في كندا.

إلا أن نقل الذهب إلى أوروبا لم يتم بصورة كاملة، إذ جرى نقل نحو 27 طنًا فعليًا من الولايات المتحدة وكندا إلى أوروبا، بينما باع البنك الكمية المتبقية في أمريكا، واشترى بدلًا منها سبائك ذهب جديدة في لندن.

ولا يعني اختيار لندن مجرد نقل الذهب من خزينة إلى أخرى، إذ تتمتع العاصمة البريطانية بمكانة بارزة في سوق الذهب الفعلي، وتتجاوز قيمة الذهب المتداول فيها 900 مليار دولار أسبوعيًا، وهو ما يجعل الذهب المخزن هناك أكثر سهولة في التداول عند الحاجة.

وأكد البنك المركزي الهولندي أن الذهب المخزن لدى بنك إنجلترا يتوافق مع معايير التجارة الدولية الحديثة، كما أن وجوده في لندن يتيح الوصول إليه بصورة أسرع عند الحاجة، مقارنة بتخزينه في قارة أخرى.

فرنسا سبقت هولندا في استعادة الذهب

ويعتبر التحرك الهولندي لم يكن الأول من نوعه في أوروبا، إذ سبقه تحرك فرنسي تمثل في نقل جميع احتياطيات الذهب الفرنسية المخزنة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، خلال الفترة بين يوليو 2025 ويناير 2026.

وجاءت هذه الخطوات في ظل دعوات أطلقها سياسيون أوروبيون وجماعات تمثل دافعي الضرائب لإعادة احتياطيات الذهب الموجودة في الولايات المتحدة إلى أوروبا، بالتزامن مع تصاعد التوترات بين الجانبين.

أما ألمانيا، فلا تزال تحتفظ بجزء كبير من احتياطياتها الذهبية في الولايات المتحدة، رغم قرار البنك المركزي الألماني عام 2013 بتخزين نصف احتياطيات الذهب داخل ألمانيا.

وفي إطار ذلك القرار، نقلت ألمانيا 674 طنًا من الذهب من باريس ونيويورك إلى فرانكفورت. .

وتكشف التحركات الأوروبية مجتمعة عن إعادة تقييم لأماكن الاحتفاظ بالذهب، سواء من خلال استعادته إلى الدولة المالكة، أو توزيعه على أكثر من مركز، أو اختيار أسواق عالمية رئيسية مثل لندن.

الذهب يتحرك شرقًا بعد العقوبات على روسيا

وفي اتجاه مختلف، شهدت حركة الذهب الروسي تحولًا واضحًا نحو الشرق، إذ نقلت روسيا قرابة 100 طن من الذهب عبر هونغ كونغ خلال 7 أشهر، بما يعادل نحو ثلاثة أضعاف الكمية المسجلة في العام الماضي.

ومنذ فرض العقوبات الغربية، تحولت تدفقات الذهب الروسي من الأسواق الغربية باتجاه هونغ كونغ والصين، فيما اشترت جهات في هونغ كونغ منذ عام 2022 ذهبًا روسيًا بنحو 35 مليار دولار، ذهب معظمه إلى الصين.

وبذلك لم تؤد العقوبات إلى وقف تدفقات الذهب الروسي، وإنما غيرت اتجاهها من الأسواق الغربية إلى الأسواق الشرقية.

الذهب يتحول من أصل تقليدي إلى أداة استراتيجية

ولا تقتصر أهمية الذهب بالنسبة للبنوك المركزية على عمليات الشراء أو إعادة توزيع أماكن التخزين، إذ تشير نتائج استطلاع للبنوك المركزية إلى ارتفاع واضح في أهمية المعدن النفيس كجزء من استراتيجية إدارة الاحتياطيات.

وأفاد 90% من البنوك المركزية التي شملها الاستطلاع بأن الذهب يؤدي دوره بكفاءة خلال الأزمات، وهي أعلى نسبة في تاريخ الاستطلاع.

كما رأى 84% من المشاركين أن الذهب يمثل مخزنًا للقيمة، بينما يعتمد نحو 83% عليه لتنويع الاحتياطيات، وفي المقابل، تراجع اعتبار الذهب جزءًا من «الإرث التاريخي» إلى 46%، مقابل 62% في السابق.

وتعكس هذه النتائج تحول النظرة إلى الذهب داخل الاحتياطيات الرسمية، إذ لم يعد الاحتفاظ به مرتبطًا بالدرجة نفسها بعوامل تاريخية أو تقليدية، وإنما أصبح مرتبطًا بصورة أكبر باعتبارات استراتيجية، وعلى رأسها مواجهة الأزمات وتنويع الاحتياطيات.

الذهب كتحوط أمام تراجع القوة الشرائية للعملات

وفي هذا السياق، يرى ماثيو جونز، المؤسس المشارك والمحلل في شركة «Britannia Bullion» البريطانية، أن وصول سعر الذهب إلى 15 ألف دولار للأوقية لا يعني بالضرورة حدوث ارتفاع هائل في القيمة الجوهرية للمعدن النفيس، وإنما قد يعكس بدرجة أكبر انخفاضًا كبيرًا في القوة الشرائية للعملات.

ويربط جونز إمكانية الوصول إلى هذا السيناريو باستمرار الاتجاهات الحالية المتعلقة بارتفاع الديون، واستمرار التضخم، إلى جانب توجه البنوك المركزية نحو تنويع احتياطياتها بعيدًا عن العملات التقليدية.

تحركات البنوك المركزية تحمل أبعادًا سياسية

ومن جانبه، قال المهندس هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية، إن تحركات بعض البنوك المركزية المتعلقة بنقل احتياطيات الذهب من خزائن إلى أخرى، إلى جانب استعادة بعض البنوك للذهب الخاص بها، قد تكون مرتبطة بعوامل سياسية.

وأوضح خلال تصريحات خاصة لموقع “إيجي إن”، أن هذه التحركات تأتي في ظل ما وصفه بقوة الحرب الأمريكية الأوروبية، مشيرًا إلى أن أحد الاحتمالات المطروحة يتمثل في تفكير بعض الدول في الانفصال اقتصاديًا عن الولايات المتحدة.

وأكد ميلاد في الوقت نفسه أنه لا يمكن الجزم بأن هذا هو السبب الفعلي وراء تحركات البنوك المركزية بشأن احتياطيات الذهب، موضحًا أن الحرب والتطورات المرتبطة بها قد تكون بالفعل أحد العوامل التي دفعت بعض البنوك المركزية إلى نقل احتياطياتها بين الخزائن أو استعادتها.

تراجع الثقة يدفع بعض الدول لإعادة النظر في التخزين الخارجي

وقال أمير رزق، خبير أسواق الذهب، إن عددًا من الدول بدأ بالفعل في إعادة النظر في أماكن تخزين احتياطياته من الذهب، خاصة الكميات الموجودة في الولايات المتحدة.

وأوضح "رزق" خلال تصريحات خاصة لموقع «إيجي إن»، أن هناك دولًا أصبحت ترغب في استعادة الذهب الذي كانت تخزنه لدى الولايات المتحدة، نتيجة تراجع الثقة لديها في الاحتفاظ باحتياطياتها خارج أراضيها.

وأشار إلى أن الأمر يرتبط بما حدث تاريخيًا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما جرى تخزين كميات من الذهب لدى الولايات المتحدة، موضحًا أن بعض الدول تفضل في الوقت الحالي الاحتفاظ بالذهب في أماكن تراها أكثر أمانًا بالنسبة لها.

وأضاف أن هناك دولًا ترغب في استعادة الذهب والاحتفاظ به داخل أراضيها بدلًا من إبقائه في الخارج، وهو ما يفسر جانبًا من التحركات الأخيرة المتعلقة بإعادة توزيع الاحتياطيات الذهبية.

فرنسا نموذج لاستعادة الاحتياطيات من الخارج

وأوضح رزق أن فرنسا كانت من الدول التي طلبت استعادة الذهب الخاص بها من الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن الذهب الذي كانت تحتفظ به هناك جرى استرداده وتخزينه في مكان آخر.

ولفت إلى أن بعض الدول بدأت بالفعل في نقل أجزاء من احتياطياتها الذهبية من الولايات المتحدة إلى مراكز تخزين أخرى، معتبرًا أن هذا الاتجاه يعكس تغيرًا في نظرة بعض البنوك المركزية إلى الاحتفاظ بالذهب خارج حدود الدولة المالكة له.

لندن تظل وجهة رئيسية للذهب المنقول

وبحسب رزق، تعد لندن من أبرز الأماكن التي يتم فيها تخزين الذهب، إلى جانب نيويورك، مشيرًا إلى أن لندن تعد من الأماكن المضمونة لتخزين المعدن النفيس، موضحًا أنه في حال امتلاك دولة لذهب مخزن في لندن ورغبتها في بيعه، يمكن تنفيذ عملية البيع من خلال السوق هناك، وتحصل الدولة على قيمة الذهب مقابل عملية البيع.

وأضاف أن الذهب يمكن بيعه بالسعر الحالي عند إتمام عملية البيع، مؤكدًا أن الأمر يتعلق بالذهب المخزن نفسه، وليس بالضرورة بإعادة شراء الذهب مرة أخرى.

الذهب يعزز تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار

ويرى رزق أن الاتجاه المتزايد لدى الدول لرفع حيازاتها من الذهب أو استعادة الكميات الموجودة في الخارج يعكس أهمية المعدن النفيس كجزء من الاحتياطيات الرسمية، خاصة مع رغبة بعض الدول في تقليل اعتمادها على الدولار.

وأوضح أن زيادة حيازات الذهب تمنح الدول عنصرًا إضافيًا من القوة في إدارة احتياطياتها، لافتًا إلى أن الصين تعمل تحديدًا على زيادة احتياطياتها من الذهب بصورة مستمرة.

اقرأ أيضًا:

الذهب يهبط بأكثر من 1% بعد قرار المركزي الأوروبي برفع الفائدة

آي صاغة: بيانات التضخم الأمريكية المرتقبة تحدد اتجاهات الذهب قبل «الفيدرالي»

تراجع أسعار الذهب اليوم الخميس 10-9-2026 وسط ترقب بيانات أمريكية هامة

Short Url

search