الجمعة، 04 سبتمبر 2026

02:36 م

من النحاس إلى منتج عالمي.. «iLock» نموذج مصري لتوطين صناعة الكابلات والابتكار

الجمعة، 04 سبتمبر 2026 01:23 م

iLock

iLock

مي المرسي

في الوقت الذي تبحث فيه الصناعة المصرية عن فرص جديدة لتوطين مستلزمات الإنتاج وتقليل الاعتماد على الواردات، يقدم مصنع «iLock» نموذجًا لتجربة بدأت من تصنيع الكابلات، ثم توسعت إلى تطوير مكونات ومنتجات كهربائية محليًا، وصولًا إلى ابتكارات تحمل حقوق ملكية فكرية مصرية وتجد طريقها إلى الأسواق العالمية.

وتكشف جولة داخل المصنع، عرضها برنامج «الجدعان»، عن منظومة إنتاج تبدأ من خام النحاس ولا تنتهي عند تصنيع الكابل، وإنما تمتد إلى مراحل التقطيع والتجميع والاختبار والجودة، فضلًا عن تصنيع الفيش والمكونات المستخدمة في المنتجات الكهربائية.

من النحاس إلى الكابل.. صناعة تبدأ من الخامة

تبدأ العملية الإنتاجية داخل مصنع الكابلات من الخامة، حيث يتم سحب النحاس وتبريده ثم لفه على بكرات كبيرة، قبل انتقاله إلى مراحل أخرى لتقطيع الكابلات وفق المقاسات والكميات المطلوبة في أوامر التشغيل.

ولا يقتصر دور المصنع على تلبية احتياجات «iLock»، إذ يعمل مصنع الكابلات باعتباره موردًا مستقلًا للشركة، بما يعكس فلسفة التكامل الرأسي داخل منظومة الإنتاج، بدلًا من الاعتماد على موردين خارجيين لاستيراد الكابلات والمكونات.

وبحسب القائمين على المصنع، جاءت فكرة إنشاء مصنع الكابلات بعد الاطلاع على التجربة الصينية، مع طرح سؤال أساسي: لماذا يتم تحويل الأموال إلى مورد أجنبي والانتظار لأشهر حتى تصل الطلبات، طالما أن المنتج يمكن تصنيعه محليًا؟

التوطين بدلًا من الاستيراد

تعتمد التجربة على استخدام موردين محليين للخامات، في إطار توجه نحو زيادة المكون المحلي داخل المنتج النهائي.

ولا يتوقف مفهوم التوطين هنا عند استبدال منتج مستورد بمنتج مصري، وإنما يمتد إلى بناء سلسلة إنتاج متكاملة تضم الخامات والتصنيع والاختبار والتجميع، وهو ما يتيح للشركة قدرًا أكبر من التحكم في الجودة والوقت وتكلفة الإنتاج.

ويضم المصنع عمالة مصرية، بينها أشخاص بدأوا العمل دون خبرات سابقة في المجال، قبل أن يحصلوا على الخبرة اللازمة للعمل في خطوط الإنتاج والإشراف عليها.

«نحن نصنع الأمان».. الجودة جزء من عملية الإنتاج

تحتل الجودة موقعًا أساسيًا في مراحل التصنيع، إذ تخضع الكابلات والمنتجات لاختبارات متعددة للتأكد من مطابقتها للمواصفات المطلوبة.

وتشمل الاختبارات قياس المقاومة والتأكد من سلامة التوصيلات، إلى جانب اختبار المنتجات قطعة بقطعة قبل انتقالها إلى مراحل التجميع النهائية.

وتقوم فلسفة المصنع، وفق القائمين عليه، على التعامل مع الكابل باعتباره عنصر أمان، وليس مجرد مكون كهربائي، لذلك تأتي اختبارات الجودة باعتبارها جزءًا أساسيًا من عملية التصنيع منذ بدايتها وحتى خروج المنتج النهائي.

من الاستيراد إلى تصنيع الفيش محليًا

إحدى أبرز الأفكار التي يكشف عنها المصنع هي تصنيع الفيش والمكونات التي كانت تُستورد سابقًا من الخارج.

وتشير التجربة إلى أن بعض هذه المكونات لا تحتاج إلى تكنولوجيا معقدة بقدر حاجتها إلى الإرادة والاستثمار في التصنيع، وهو ما دفع المصنع إلى تطوير عمليات إنتاجها محليًا، بل وتصنيع بعض المعدات المستخدمة في العملية الإنتاجية.

وتعكس هذه الخطوة مفهومًا أوسع للتوطين، يتمثل في عدم الاكتفاء بتجميع المنتجات، وإنما محاولة تصنيع أكبر قدر ممكن من مكوناتها داخل مصر.

الابتكار هو قلب التجربة

لا تتوقف تجربة «iLock» عند التصنيع المحلي، إذ يركز المصنع على الابتكار وتطوير المنتجات.

ويضم المصنع قطاعًا للبحث والتطوير يعمل فيه شباب متخصصون لتطوير منتجات جديدة، فيما يبلغ عدد المنتجات المبتكرة التي تمتلك الشركة حقوقها نحو 300 منتج، وفق ما ورد خلال الجولة.

وتبرز أهمية هذه النقطة في الانتقال من نموذج «نصنع ما يتم استيراده» إلى نموذج أكثر تطورًا يقوم على «نبتكر ونصنع ونصدر».

فالفكرة، وفق فلسفة المصنع، ليست تقليد المنتجات الموجودة في الأسواق العالمية، وإنما القدرة على تطوير تصميمات ومنتجات مصرية يمكن أن تنافس عالميًا.

العمالة المصرية.. من خطوط الإنتاج إلى الابتكار

يعمل داخل المصنع نحو 650 فنيًا ومهندسًا وعاملًا، مع وجود خطة للتوسع في العمالة والوصول إلى نحو 3 آلاف عامل بحلول عام 2030.

وتكشف التجربة عن محاولة ربط الصناعة بالكوادر المصرية، من خلال تدريب العمالة وإكسابها الخبرات الفنية اللازمة، إلى جانب إتاحة المجال أمام الشباب للعمل في مجالات البحث والتطوير والتصميم والتصنيع.

وهنا تتحول الصناعة من مجرد توفير وظائف إلى بناء خبرات يمكن أن تشكل قاعدة لتوسعات صناعية جديدة في المستقبل.

المنطقة الاستثمارية ودعم الصناعة

ويرى القائمون على المصنع أن وجوده داخل المنطقة الاستثمارية ساهم في تسهيل التعامل مع عدد من التحديات التي تواجه المستثمرين، من خلال وجود جهة يمكنها التدخل لحل المشكلات المرتبطة بالجهات الحكومية المختلفة، مثل الجمارك والضرائب والتموين وغيرها.

وتبرز أهمية هذه التجربة في أن نجاح المصنع لا يرتبط بالماكينات وخطوط الإنتاج وحدها، وإنما أيضًا بالبيئة الاستثمارية وقدرتها على مساندة النشاط الصناعي وتسريع حل المشكلات.

24 ساعة عمل.. والسوق المحلي لم يصل بعد إلى حد التشبع

رغم تشغيل المصنع على مدار 24 ساعة يوميًا، طوال أيام الأسبوع، فإن الطاقة الإنتاجية الحالية لا تكفي لتغطية احتياجات السوق المحلية بالكامل، بحسب القائمين عليه.

وتحتاج الشركة، وفق ما تم عرضه خلال الجولة، إلى مضاعفة الطاقة الإنتاجية الحالية نحو ثلاث مرات لتلبية احتياجات السوق المحلية فقط، قبل احتساب احتياجات التصدير.

ويكشف ذلك عن حجم الطلب على المنتجات الكهربائية ومستلزمات الإنتاج، كما يوضح أن زيادة الطاقة الإنتاجية قد تمثل فرصة للتوسع في السوق المحلية وتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة.

من السوق المصري إلى الأسواق العالمية

لا تقتصر طموحات المصنع على السوق المحلية، إذ تستهدف الشركة زيادة صادراتها والتوسع عالميًا.

واللافت أن بعض ابتكارات الشركة يتم تصنيعها في دول أخرى بموجب اتفاقات تسمح باستخدام حقوق الملكية الفكرية الخاصة بها، مقابل الحصول على عوائد أو رسوم حماية وحقوق استخدام.

وبذلك تصبح الملكية الفكرية نفسها مصدرًا للقيمة الاقتصادية، إلى جانب العائد الناتج عن تصنيع المنتج وبيعه.

تجربة تتجاوز صناعة الكابل

تقدم تجربة «iLock» صورة مختلفة عن مفهوم التصنيع المحلي؛ فالمصنع لا يعمل فقط على إنتاج كابلات أو مكونات كهربائية، وإنما يحاول بناء منظومة تبدأ من الخامة، مرورًا بالتصنيع والاختبار والجودة، وصولًا إلى البحث والتطوير والابتكار وامتلاك حقوق الملكية الفكرية والتصدير.

وتكمن أهمية التجربة في أنها تطرح نموذجًا يمكن البناء عليه في قطاعات صناعية أخرى: توطين الخامة، تصنيع المكون، تدريب العمالة، الاستثمار في البحث والتطوير، ثم تحويل الابتكار المصري إلى منتج قادر على المنافسة والتصدير عالميًا.

وفي ظل الحاجة إلى زيادة الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد، يصبح التحدي الحقيقي ليس فقط في تصنيع المنتج داخل مصر، وإنما في امتلاك التكنولوجيا والتصميم والابتكار والقدرة على المنافسة خارج الحدود.

Short Url

search