السبت، 22 أغسطس 2026

12:42 م

«بعد مباحثات دامت عامين».. أين اختفت منظومة هواوي لوقف نزيف الكهرباء في مصر؟

السبت، 22 أغسطس 2026 11:41 ص

لقاء وزير الكهرباء ووفد شركة هواوي - أرشيفية

لقاء وزير الكهرباء ووفد شركة هواوي - أرشيفية

أمضت مصر العامين الماضيين في مناقشة التقنيات الرقمية، التي يمكن أن تساعد في تقليل فاقد الكهرباء، وكشف التلاعب في معدلات الاستهلاك، ومكافحة التوصيلات غير القانونية للكهرباء. 

ومع ذلك، ورغم الاجتماعات المتكررة مع شركات التكنولوجيا - وعلى رأسها شركة «هواوي»، لم تعلن الدولة علنًا عن تطبيق شامل على مستوى البلاد لنظام «هواوي»، القادر على منع سرقة الكهرباء بشكل آلي.

واكتسبت هذه القضية أهمية متزايدة في ظل سعي الحكومة لخفض الفاقد الفني والتجاري في شبكة التوزيع، إذ تُظهر تصريحات حديثة لوزارة الكهرباء أن الاستراتيجية المتبعة تعتمد بشكل متزايد على العدادات الذكية، والمراقبة الرقمية، وأنظمة التحكم الآلي، وتعزيز تكامل البيانات، بدلاً من الاكتفاء بعمليات التفتيش التقليدية.

«هواوي» ناقشت بالفعل مسألة الحد من الفاقد في عام 2024

وجرت واحدة من أبرز المناقشات في 2 نوفمبر 2024، حين التقى وزير الكهرباء، محمود عصمت، مع جيم ليو، الرئيس التنفيذي لشركة «هواوي مصر».

ووفقاً للشركة القابضة لكهرباء مصر، تناولت المحادثات توطين معدات الكهرباء وتقنيات الاتصالات، وربط العدادات لحساب استهلاك الكهرباء، وكشف التلاعب، واستخدام تكنولوجيا المعلومات لحساب معدلات الفاقد.

كما ناقشت الوزارة، تقييم مشروع تجريبي لشركة «هواوي»، ودراسة إمكانية توسيع نطاقه ليشمل إحدى شركات توزيع الكهرباء في مصر.

واكتسب هذا الأمر أهمية خاصة لأن المقترح تجاوز مجرد استبدال العدادات التقليدية، إذ كان الهدف هو إنشاء نظام مترابط قادر على مقارنة بيانات الاستهلاك وتحديد التناقضات التي قد تشير إلى وجود سرقة للكهرباء أو تلاعب في الاستهلاك.

شركة هواوي

توجه أوسع نحو التحكم الرقمي

جاءت مناقشات «هواوي»، بالتوازي مع محادثات أوسع نطاقاً مع شركات أخرى من القطاع الخاص.

ففي نوفمبر 2024، ناقشت الوزارة سبل التعاون مع مجموعة «مدكور»، بشأن الحد من الفاقد، وتطوير شبكات التوزيع، ومكافحة سرقة الكهرباء.

وفي فبراير 2025، ناقشت الوزارة أيضاً التعاون مع شركة «الجيزة للأنظمة»، في مجالات التحول الرقمي، وأنظمة التحكم الآلي، وتقليل فاقد الكهرباء، ومكافحة التوصيلات غير القانونية للكهرباء.

وتشير هذه الاجتماعات إلى أن مصر لم تكن تبحث عن حل تكنولوجي واحد؛ بل كانت تستكشف منظومة متكاملة تشمل العدادات الذكية، وشبكات الاتصالات، وأنظمة التحكم الآلي، وتحليل البيانات، والمراقبة الرقمية.

أبريل 2025: هواوي تقترح مشروعاً تجريبياً للشبكة الذكية

وعاد الملف إلى طاولة النقاش في 23 أبريل 2025، حين التقى «عصمت» بـ«تشارلز يانج»، رئيس شركة «هواوي للطاقة الرقمية».

ووفقاً للرواية الحكومية، عرضت شركة هواوي، مبادرات رقمية تهدف إلى خفض فاقد الكهرباء، ومنع الهدر، ومكافحة سرقة التيار الكهربائي.

كما كان من المتوقع أن تدرس الشركة إمكانية تطبيق تقنيتها للشبكات الذكية في محافظة مختارة كمشروع تجريبي، بهدف تحديث شبكات التوزيع والانتقال نحو نموذج الشبكة الذكية.

وهنا تبرز نقطة هامة: فالخطة المعلنة كانت تتعلق بمشروع تجريبي، وليس بتطبيق فوري وشامل على مستوى البلاد.

أكتوبر 2025: نتائج المشروع التجريبي في بورسعيد تدخل حيز النقاش

وشهد شهر أكتوبر 2025، التطور الأهم في هذا المسار، فخلال اجتماع آخر جمع بين «عصمت»، و«بنجامين هو»، الرئيس التنفيذي لشركة هواوي في مصر، استعرضت الوزارة مشاريع هواوي المتعلقة بخفض الفاقد ومنع الهدر وإدارة الكهرباء، فضلاً عن نتائج نموذج تجريبي تم تنفيذه في محافظة بورسعيد.

كما ناقش الاجتماع مشاريع هواوي لتحديث الشبكات وحلولها المعتمدة على التقنيات الذكية والذكاء الاصطناعي، وذلك في إطار عملية انتقال مصر من شبكة الكهرباء التقليدية إلى الشبكة الذكية.

ويشير هذا إلى أن التكنولوجيا لم تقتصر على مرحلة المقترحات فحسب، بل تم بالفعل تنفيذ نموذج تجريبي وجرت مناقشة نتائجه.

ومع ذلك، لا تؤكد البيانات الحكومية المتاحة للعامة أن مصر قد وافقت لاحقاً على تطبيق حلول هواوي على مستوى البلاد خصيصاً لمنع سرقة الكهرباء.

أبريل 2026: استمرار المناقشات

في 20 أبريل 2026، التقى عصمت مجدداً بوفد من شركة «هواوي مصر»، برئاسة الرئيس التنفيذي بنيامين هو، ورئيس قطاع الطاقة الرقمية توني بو.

تمحورت المناقشات حول التحول الرقمي، وتحديث الشبكة، والكفاءة التشغيلية، والمرونة، والحد من الفقد الفني للطاقة. كما نوقشت تقنيات هواوي المتقدمة - بما في ذلك أنظمة التوزيع الذكية - فيما يتعلق بإدارة تأثير توليد الطاقة الشمسية الموزعة وأنظمة التخزين على الشبكة.

ومرة أخرى، كان نطاق التركيز أوسع من مجرد قضية سرقة الكهرباء؛ إذ شمل استقرار الشبكة، ودمج الطاقة المتجددة، وأنظمة التخزين، والإدارة الرقمية.

 لماذا لم تتحول هذه التقنية إلى نظام وطني شامل لمكافحة السرقة؟

وووفقا للخسائر المليارية التي اعلنت عنها وزارة الكهرباء  مؤخرا والتي بلغت 20 مليار جنيه، فبذلك يمكن القول بأن هواوي «فشلت في توفير» تقنيتها.

التكنولوجيا قادرة على كشف السرقة - لكنها لا تستطيع القضاء عليها

وأكدت الدكتور غادة عامر أستاذ هندسة الأنظمة الكهربائية، أن سرقة الكهرباء ليست مجرد مشكلة فنية بحتة، موضحة أن أن الخسائر التجارية الناجمة عن الاستخدام غير المصرح به للكهرباء تتجاوز الحالات الفردية المعزولة؛ إذ قد تشمل منشآت ومصانع تحصل على الكهرباء دون عقود رسمية أو عبر طرق غير قانونية. 

كما أشارت إلى أنه لا توجد تقنية قادرة بمفردها على منع سرقة الكهرباء تماماً، فالتكنولوجيا يمكنها رصد معدلات الاستهلاك غير الطبيعية، ومراقبة العدادات، وكشف التلاعب، ومساعدة شركات الكهرباء على الاستجابة بشكل أسرع، إلا أن منع السرقة يتطلب في نهاية المطاف تضافر عدة عناصر التكنولوجيا، وعمليات التفتيش، وإنفاذ القانون، ودقة القياس، والمراقبة الدورية.

شركه هواوي

وتابعت: «لا تقتصر تقنية هواوي على جهاز واحد يمنع سرقة الكهرباء فعلياً؛ فالعدادات الذكية، وأنظمة الاتصالات، ومنصات البيانات، والذكاء الاصطناعي يمكنها رصد أنماط الاستهلاك غير المعتادة، وفصل الخدمة عن المشتركين عن بُعد في بعض الأنظمة، وتزويد شركات الكهرباء بمعلومات أدق. ومع ذلك، فإن عملية التوصيل غير القانوني بحد ذاتها لا تزال تتطلب إجراءات ميدانية تشمل الفحص، والفصل، وإنفاذ القانون».

وأضافت: «تتميز شبكة الكهرباء في مصر بضخامتها، إذ تضم ملايين المشتركين وتستخدم أجيالاً متنوعة من العدادات وبنية تحتية متفاوتة في أنظمة التوزيع،  لذا، فإن دمج الأنظمة الرقمية الجديدة مع الشبكات القائمة يتطلب استثمارات، وبنية تحتية للاتصالات، وتدابير للأمن السيبراني، وعدادات متوافقة، وأنظمة بيانات موحدة».

مشكلة مصر أكبر من قضية «هواوي»

وتُظهر الأرقام الصادرة عن الحكومة نفسها حجم التحدي القائم، ففي فبراير 2025، أعلنت وزارة الكهرباء أن برنامجها للحد من الفقد في الطاقة قد أثمر عن تركيب 4.6 مليون عداد "مُكوّد" (عدادات مسبقة الدفع أو ذات طابع خاص لتنظيم الاستهلاك) وتحرير 1.9 مليون محضر لسرقة الكهرباء؛ حيث شملت هذه الحالات كميات مقدرة بـ 879 مليون كيلوواط/ساعة من الكهرباء، ومطالبات مالية تناهز 4.2 مليار جنيه مصري.

Short Url

search