د. ريهام عمران تكتب.. الخزف اليدوي في مواجهة الصناعة فهل يتغير ميزان المنافسة؟
السبت، 01 أغسطس 2026 06:36 م
د. ريهام عمران أمين عام نقابة الفنانين التشكيليين
شهدت صناعة الخزف اليدوي خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملفتًا، فلم تعد تقتصر على إنتاج بعض القطع التقليدية أو المنتجات الحرفية البسيطة، بل أصبحت صناعة إبداعية متكاملة تجمع بين الفن والتكنولوجيا والخبرة الأكاديمية، حتى نجحت في أن تفرض وجودها بقوة داخل الأسواق، وأن تجد لنفسها مكانًا في الكافيهات والمطاعم والفنادق والمنازل، بعد أن كانت هذه المساحة، تكاد تقتصر على منتجات الخزف الصناعي.
واعتمدت الفنادق والمطاعم لسنوات طويلة، على أدوات المائدة المنتجة صناعيًا، وخاصة البورسلين المخصص للاستخدام الشاق، والذي اشتهر بين المتخصصين باسم "خزف الفنادق".
وكانت هذه المنتجات، تتميز بالمتانة وإمكانية إنتاجها بكميات كبيرة، مع الحفاظ على التماثل الكامل بين جميع القطع، بينما اقتصر التميز البصري غالبًا على إضافة شعار الفندق أو المطعم، أو بعض الزخارف المحدودة المنفذة بتقنية الديكال.
وكان إنتاج أدوات المائدة الخزفية اليدوية محدودًا نسبيًا، ويعتمد في أغلب الأحيان على الطينات الأرضية، مثل الطين الأسواني، والحريق في درجات حرارة منخفضة، لينتج بعض الطواجن الفخارية والأكواب ذات التصميمات البسيطة والطلاءات الزجاجية التقليدية، مع نطاق تسويقي محدود مقارنة بالإنتاج الصناعي.
وتغير هذا الواقع بصورة كبيرة، إذ أسهم العديد من خريجي أقسام الخزف في كليات الفنون في إنشاء مشروعات صغيرة ومتخصصة، اعتمدت على الدراسة العلمية والتجريب والخبرة الفنية، لتقديم أدوات مائدة خزفية، تجمع بين الوظيفة والقيمة الجمالية، مع استخدام خامات أكثر تطورًا.
كما اعتمدت على طلاءات زجاجية وتقنيات فنية متنوعة، منها البريق المعدني وحريق الحفرة والرسم اليدوي والتأثيرات اللونية والملمسية التي تمنح كل قطعة شخصية مستقلة لا تتكرر.
ولم يعد المستهلك يبحث فقط عن منتج يؤدي وظيفته، بل أصبح يبحث أيضًا عن تجربة بصرية وهوية فنية تضيف قيمة إلى المكان، وهو ما ساعد الخزف اليدوي على الانتشار، ليس داخل المعارض الفنية فحسب، وإنما أيضًا في العديد من الكافيهات والمطاعم والفنادق والمنازل التي رأت في هذه المنتجات عنصرًا من عناصر التميز.
وكان من الطبيعي مع هذا النجاح، أن تتجه أنظار الصناعة إلى هذا السوق الواعد، فبفضل التطور التكنولوجي الذي شهدته صناعة الخزف، بدأت بعض المصانع، داخل مصر وخارجها، في إنتاج أدوات مائدةٍ تحاكي بدرجة كبيرة الطابع اليدوي، سواءً من خلال الحواف والأشكال غير المنتظمة، أو الملامس الطبيعية، أو الطلاءات الزجاجية ذات التأثيرات الخاصة.
وأصبحت بالرغم من ذلك بعض خطوط الإنتاج قادرة على تقليد مظهر تقنيات اشتهر بها الخزف اليدوي، لتنتج قطعًا توحي بأنها صُنعت داخل ورشة خزف، بينما هي في الواقع نتاج عمليات صناعية عالية الدقة.
ويفرض هنا الواقع سؤالًا يستحق التوقف أمامه، هل استطاعت التكنولوجيا أن تنافس الخزف اليدوي بالفعل؟ ، أم أنها نجحت فقط في محاكاة مظهره؟ ، وهل ستكون الأفضلية في النهاية للمنتج الأقل سعرًا، أم للأعلى جودة، أم للأطول عمرًا، أم للأكثر تميزًا من الناحية الفنية؟
وهل تتضمن الأسئلة كذلك، إمكانية أصلًا أن يكون هناك فائز واحد في هذه المنافسة، أم أن لكل من الخزف اليدوي والخزف الصناعي فلسفته وسوقه ومبررات اختياره؟
ولا يمكن للإجابة عن هذه التساؤلات أن تُبنى على الانطباعات، وإنما على قراءة موضوعية تجمع بين الخبرة الفنية والاعتبارات الصناعية ومتطلبات السوق ورؤية المستهلك، وهو ما يستحق التوقف عنده وتحليله بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
وسنواصل في المقالات القادمة استعراض هذه القضية من زوايا متعددة، في محاولة للوصول إلى رؤية متوازنة، تجيب عن السؤال الأهم، وهو هل نحن أمام منافسة حقيقية بين الخزف اليدوي والخزف الصناعي، أم أن لكل منهما مكانته التي لا يستطيع الآخر أن يحل محلها؟
Short Url
نجلاء أحمد تكتب: العمل عن بُعد وتقليص أيام العمل.. بين ثقافة الاجازات وتحديات الانجازات
01 أغسطس 2026 12:56 م
د. على الدكروري يكتب: الساحل الشمالي الجديد.. حين تصبح جودة العمران قوة اقتصادية لمصر
30 يوليو 2026 02:57 م
أكثر الكلمات انتشاراً