السبت، 01 أغسطس 2026

04:08 م

حرائق الغابات تهدد صناعة التخييم الفرنسية.. قطاع بمليارات اليوروهات يواجه اختبار المناخ

السبت، 01 أغسطس 2026 01:43 م

التخييم الفرنسي _ أرشيفية

التخييم الفرنسي _ أرشيفية

محمد ممدوح

ارتبطَ التخييم لعقود طويلة بالثقافة الصيفية في فرنسا، باعتباره خياراً يجمع بين الإجازات العائلية والسفر منخفض التكلفة والاقتراب من الطبيعة، لكنه واجه في السنوات الأخيرة ضغوطاً متزايدة بفعل حرائق الغابات وتغير المناخ.

تلقّى مدير موقع دومين دو لا ريف قرب بلدة بيسكاروس، هادريان فوليّو، مساء الجمعة عند الساعة الثامنة والنصف تقريباً، أمراً بإخلاء الموقع بعد اقتراب النيران منه، واضطر إلى إجلاء نحو 1200 مصطاف خلال وقت قصير. وقال فوليّو إن العائلات غادرت المكان أثناء تناول العشاء، إذ ترك كثير من الزبائن وجباتهم على الطاولات قبل الرحيل السريع.

حجم التهديد يطال أنماط العطلات 

جسّدَ هذا الإخلاء حجم التهديد الذي بات يطال أحد أكثر أنماط العطلات انتشاراً في فرنسا، حيث أصبحت مواقع التخييم الواقعة بين الغابات والسواحل والأنهار أكثر عرضة لمخاطر الحرائق.

نشأَ التخييم الفرنسي الحديث قبل نحو 90 عاماً مع الإصلاحات الاجتماعية التي أقرت نظام الإجازات المدفوعة، ما جعله وسيلة للترفيه متاحة لمختلف الفئات الاجتماعية، ورمزاً للسفر الصيفي والحرية. وتضم فرنسا اليوم نحو 7400 موقع تخييم، تمثل بالنسبة لكثير من العائلات أماكن مرتبطة بذكريات الطفولة والتجمعات السنوية.

تأسيسه تحديات جديدة بسبب ارتفاع درجات الحرارة

واجهَ القطاع مع اقترابه من مرور قرن على تأسيسه تحديات جديدة بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط المناخ، وفي ذات السياق وقال نيكولا دايو، رئيس الاتحاد الوطني الفرنسي للإقامة في الهواء الطلق، إن مواقع التخييم تتأثر مباشرة بحرائق الغابات لأنها توجد غالباً داخل المناطق الطبيعية أو بالقرب منها، مؤكداً الحاجة إلى حلول تناسب القرن الحادي والعشرين.

انتهاء الخطر ليجدوه سليمًا 

عادَ فوليّو وفريقه إلى موقع دومين دو لا ريف بعد انتهاء الخطر ليجدوه سليماً، لكن آثار الإخلاء المفاجئ بقيت واضحة، من دمية فلامنغو مطاطية فقدت هواءها تدريجياً إلى زجاجة نبيذ مفتوحة تُركت في المكان. وكان من المقرر عودة النزلاء خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينما قدّر فوليّو خسائر الموقع بنحو مليوني يورو (2.3 مليون دولار)، أي ما يعادل 15% من إيراداته السنوية.

أوضحتْ الحرائق التي ضربت منطقتي جيروند ولاند في نوفيل أكيتين، مركز صناعة التخييم في فرنسا، حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع. وأكد دايو إخلاء 62 موقع تخييم في المناطق المتضررة، مع تدمير موقع واحد بالكامل وتعرض ثلاثة مواقع لأضرار محدودة. وفي موقع قرب ليج كاب فيريه، توقفت النيران على بعد مترين فقط من خيام غادرها المصطافون على عجل.

 موجة إلغاءات للحجوزات

تسببتْ الحرائق أيضاً في موجة إلغاءات للحجوزات خلال أواخر يوليو وأغسطس، وهو الشهر الذي يمثل عادة 40% من الإيرادات السنوية لمواقع التخييم. ورغم قدرة القطاع عموماً على امتصاص الخسائر، بقيت الشركات العائلية الصغيرة الأكثر عرضة للتأثر.

 تقييم تصميم مواقع التخييم

دعاَ دايو إلى إعادة تقييم تصميم مواقع التخييم، واختيار مواقع أكثر أماناً، وتحسين مصادر المياه المستخدمة في مكافحة الحرائق، إلى جانب مراجعة أساليب زراعة الأشجار وإدارة المناطق المحيطة. وقال فوليّو إن حرائق هذا العام شكلت «جرس إنذار»، مشيراً إلى ضرورة إعادة التكيف مع العيش قرب الغابات في ظل الظروف المناخية الحالية.
شرحَ عالم الاجتماع أوليفييه سيروست، المتخصص في دراسة ثقافة التخييم، أن فكرة العطلات في الطبيعة ظهرت أولاً في بريطانيا أواخر القرن التاسع عشر، ثم انتقلت إلى فرنسا، حيث ارتبط انتشارها بالإجازات المدفوعة التي أطلقتها حكومة الجبهة الشعبية بقيادة ليون بلوم عام 1936.

 مواقع التخييم خلال ستينيات

ازدهرتْ مواقع التخييم خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مع انتشار السيارات والمنازل المتنقلة، ما منح العائلات محدودة الدخل فرصة للسفر داخل فرنسا بتكاليف منخفضة. وبدأ القطاع يتحول إلى صناعة أكثر احترافية منذ ثمانينيات القرن الماضي، بعدما كانت نحو نصف المواقع مملوكة للبلديات، بينما أصبحت أكثر من 80% منها اليوم مملوكة للقطاع الخاص، مع امتلاك بعض صناديق الاستثمار لشركات تدير ما يصل إلى 250 موقعاً.

متوسط تكلفة الليلة الواحدة 

بلغَ متوسط تكلفة الليلة الواحدة في موقع تخييم نحو 22 يورو، مقارنة بنحو 116 يورو للإقامة في فندق، بحسب دايو. وفي المقابل، تحولت بعض المواقع إلى منشآت فاخرة مع تغير توقعات الزبائن، إذ قد تصل تكلفة الإقامة في المواقع المصنفة خمس نجوم إلى 2000 يورو أسبوعياً.

انتقدَ المخرج فابيان أونتونيانت، مخرج ثلاثية أفلام «Camping» الشهيرة، تحول بعض مواقع التخييم إلى أماكن تضم أجهزة تلفزيون ومكيفات هواء وأحواض سباحة ضخمة، مع تراجع الجانب البيئي الذي ارتبط تاريخياً بهذا النوع من العطلات. وأشار إلى أن موقع فلو بلو، الذي صوّر فيه أفلامه بجنوب غرب فرنسا، تعرض لدمار واسع بسبب حرائق الغابات عام 2022.

أكدَ أونتونيانت أن مواقع التخييم بقيت مساحة تعكس تطور الهوية الفرنسية الحديثة، لكنها تحتاج إلى التكيف مع مستقبل أكثر حرارة ومواجهة ظروف مناخية مختلفة عن الماضي.

اقرأ أيضًا:

النفط الروسي وغرب إفريقيا في صدارة البدائل بعد تراجع إمدادات الشرق الأوسط للهند

مكاسب التكنولوجيا تحسم أداء البورصة الأمريكية في الأسبوع الأخير من يوليو

Short Url

search