خلف أزمة العبور.. لماذا تبقى سبتة العقدة الأصعب بين الرباط ومدريد؟
الجمعة، 31 يوليو 2026 02:40 م
الحدود بين سبتة والمغرب
محمد ممدوح
تجمع العلاقات المغربية الإسبانية بين مسار طويل من التداخل التاريخي والجغرافي وبين واقع سياسي معاصر يتسم بالتعاون والتنسيق في عدد من الملفات، إلى جانب استمرار تحديات مرتبطة بالهجرة والحدود ومدينة سبتة.
فبينما انتقلت العلاقات بين الرباط ومدريد خلال السنوات الأخيرة نحو شراكة استراتيجية شاملة، بقيت قضية الهجرة غير النظامية ومحاولات العبور نحو الأراضي الإسبانية أهم الملفات الحساسة التي عكست تعقيدات العلاقة بين البلدين.
أزمة الهجرة نحو سبتة.. عوامل جديدة وراء تصاعد محاولات العبور
وشهدت عمليات الهجرة نحو سبتة تطورات متسارعة نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، إذ استغلت شبكات التهريب ثغرات مرتبطة بحكم قضائي صادر عن المحكمة العليا الإسبانية في يوليو 2026، والذي منع الإعادة الفورية للمهاجرين القادمين بحرًا، وهو ما خلق مساحة جديدة أمام هذه الشبكات لتنظيم عمليات العبور.
وأدت الاتفاقيات الأمنية الأوروبية إلى تشديد الرقابة على جزر الكناري، وهو ما تسبب في تغير مسارات الهجرة وتحويل جزء من تدفقات المهاجرين نحو سبتة باعتبارها منفذًا بديلًا للوصول إلى الأراضي الأوروبية.

وفي الوقت نفسه، ساهم انتشار الشائعات الرقمية المنظمة عبر الإنترنت في زيادة أعداد محاولات العبور، بعدما انتشرت معلومات حول فتح الحدود، الأمر الذي دفع آلاف الشباب إلى التجمع ومحاولة العبور الجماعي بشكل مفاجئ.
وترتبط هذه الظاهرة أيضًا بالظروف الاقتصادية والاجتماعية، إذ يعاني الشباب المغربي من قلة فرص العمل، وارتفاع نسب الفقر، وغياب الأمان الاجتماعي، ما يجعل الهجرة بالنسبة للبعض محاولة للبحث عن فرص جديدة وحياة أكثر استقرارًا.
ارتفاع غير مسبوق في العبور واستخدام البحر كطريق بديل
وسجلت بيانات وزارة الداخلية الإسبانية لعام 2026 ارتفاعًا غير مسبوق في عمليات الدخول البري والبحري، إذ تجاوزت نسبة الزيادة 149%، وهو ما يعكس تصاعد الضغط على الحدود بين المغرب وإسبانيا.
ومع صعوبة تجاوز الجدران والأسلاك الشائكة البرية، تحولت السباحة من مناطق الفنيدق وبليونش إلى الخيار الأساسي لدى عدد من الراغبين في الوصول إلى سبتة، باعتبارها وسيلة لتجاوز الحواجز البرية.

يرتبط هدف المهاجرين بالبحث عن الكرامة والحماية القانونية، خصوصًا بالنسبة للقاصرين الذين يسعون إلى الوصول إلى بيئة توفر لهم التعليم والعمل وضمان حقوق الإنسان الأساسية.
العلاقات المغربية الإسبانية.. انتقال من التعاون التقليدي إلى الشراكة الاستراتيجية
وشهدت سنة 2024 تحولا في العلاقات بين المغربية الاسبانية، إذ انتقلت من مرحلة التعاون التقليدي إلى ما وصف بالشراكة الاستراتيجية الشاملة، القائمة على الثقة المتبادلة والوفاء للمواقف السياسية والاقتصادية والرياضية المشتركة.
على المستوى السياسي، جدد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز دعم أسبانبيا للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، ووضقهل بأنها الأساس الأكثر جدية وواقعية وصدقية لحل النزاع حول الصحراء المغربية، وأكد هذا الموقف الوارد في إعلان أبريل 2022 خلال زيارته في فبراير 2024.
وعلى الجانب الإقتصادي، عزز المغرب وأسبانيا علاقاتهما التجارية، إذ أصبحت إسبانيا الشريك التجاري الأول للمملكة المغربية، بعدما تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 21 مليار يورو، مع وجود أكثر من 17 ألف شركة إسبانية تعمل في تصدير المنتجات إلى السوق المغربية.

وعلى الصعيد الأمني، تم تفعيل تعاون قضائي وأمني بين البلدين لمواجهة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، بينما شكل اختيار المغرب وإسبانيا والبرتغال رسميًا لتنظيم كأس العالم 2030 محطة كبيرة في التعاون المشترك بين الدول الثلاث.
وظهر البعد الإنساني في العلاقات الثنائية من خلال التعبئة النموذجية للجالية المغربية في إسبانيا عقب فيضانات منطقة فالنسيا، إلى جانب الدعم اللوجستي الذي قدمه المغرب للمناطق المتضررة تنفيذاً للتعليمات الملكية.
سبتة.. من حصار المولى إسماعيل إلى رمز في الجغرافيا السياسية المعاصرة
تمثل سبتة نقطة التماس التاريخي بين المغرب وإسبانيا، إذ ارتبط اسمها بمحاولة استعادتها خلال عهد السلطان المولى إسماعيل في الفترة الممتدة بين 1694 و1727، في واحد من أطول الحصارات العسكرية المسجلة تاريخيًا لاستعادة الثغور المحتلة.
جاء حصار سبتة نتيجة دوافع سياسية ودينية، إذ تعرض السلطان لضغط من العلماء والفقهاء، ومن أبرزهم العلامة عبد السلام جسوس الذي حثه شعريًا على استرداد المدينة بعد نجاحه في فتح طنجة والعرائش.
وخلال فترة الحصار الطويلة، تغير الطابع السكاني والثقافي للمدينة، حيث اختفى تدريجياً الطابع البرتغالي الذي ظل سائداً منذ عام 1415، ليحل مكانه الطابع الإسباني من حيث اللغة والعمل والسكان.
بدأ الحصار الأول في 23 أكتوبر 1694، إذ انطلقت العمليات العسكرية والقصف المتكرر لأسوار المدينة، وفي عام 1704 أدى سقوط جبل طارق واحتلال الإنجليز له إلى تغير معادلات الإمداد، إذ أصبح لاحقًا مصدرًا لإمداد القوات المغربية المحاصرة للمدينة.

وفي عام 1720 وصل ماركيز ليد على رأس 16 ألف جندي إسباني لتعزيز دفاعات سبتة، وهو ما دفع القوات المغربية إلى الانسحاب مؤقتاً نحو تطوان، ثم تجددت العمليات خلال الفترة بين 1721 و1727 حتى وفاة السلطان المولى إسماعيل واندلاع النزاع على العرش.
ورغم طول فترة الحصار، لم ينجح المشروع المغربي في استعادة المدينة بسبب مجموعة من العوامل العسكرية والسياسية، أبرزها العجز التقني في مجال الحرب البحرية وعدم امتلاك أسطول قادر على عزل المدينة، وهو ما عبر عنه السفير عبد الله بن عائشة بقوله: والله لو أن العرب يساعدوننا على ركوب البحر، لما تركنا أحداً من الإنجليز يمر بالبوغاز، في إشارة إلى ضعف الخبرة في حرب السفن، وفق كتاب مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب.
وساهم عدم حماس الجيش الريفي للقتال بعيداً عن مناطقه، والخيانات الداخلية، وانشغال السلطان بإخماد الثورات القبلية وثورات أبنائه، في تعقيد مهمة استرداد سبتة.
اقرأ أيضًا:-
باب المندب تحت الحماية الدولية.. وجيبوتي محور عمليات تأمين الملاحة
«سبتة» لغز هروب المغاربة لإسبانيا بحرا.. ومطالبات بخروجها من منطقة الشنجن
Short Url
سوق العمل الأمريكي يحافظ على توازنه دون إشعال موجة تضخم جديدة
31 يوليو 2026 05:10 م
«أدنوك» تعلن تحديث آلية تسعير خامات نفط أبوظبي
31 يوليو 2026 04:35 م
إيطاليا تتصدر واردات الغاز المسال مع تباطؤ المشتريات في دول أوروبية
31 يوليو 2026 03:25 م
أكثر الكلمات انتشاراً