الجمعة، 24 يوليو 2026

01:36 م

أزمة الكهرباء تضرب تونس وتمويل أوروبي لإنقاذها بمشروع شمسي ينتج 100 ميجاواط

الجمعة، 24 يوليو 2026 11:20 ص

أزمة الطاقة في تونس

أزمة الطاقة في تونس

مي المرسي

في وقت تواجه فيه تونس أزمة طاقة متفاقمة انعكست على قطاعات الصناعة، والزراعة، والتجارة، أطلقت مؤسسات تمويل أوروبية دولية حزمة استثمارية جديدة تستهدف دعم شبكة الكهرباء وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة العجز المتزايد في إمدادات الطاقة، عبر تمويل أولى محطات الطاقة الشمسية الكهروضوئية الكبرى في البلاد.

ويأتي المشروع في إطار جهود إعادة هيكلة قطاع الطاقة التونسي وتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي المستورد، في ظل تصاعد الضغوط على الشبكة الوطنية وارتفاع تكلفة الطاقة وتأثيرها المباشر على الاقتصاد.

أزمة الكهرباء تضغط على الاقتصاد التونسي

وتشهد تونس منذ 9 يوليو الجاري أزمة حادة في قطاع الكهرباء، تفاقمت مع الارتفاع القياسي في درجات الحرارة وزيادة الطلب على الطاقة خلال ساعات الذروة، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين حجم الاستهلاك والقدرة الإنتاجية المتاحة.

وتشير بيانات التشغيل، إلى أن الطلب على الكهرباء خلال فترة الذروة بين الساعة 1 ظهرًا و5 مساءً ارتفع إلى نحو 5 آلاف ميجاواط، في حين بلغت القدرة الإنتاجية المتاحة لدى الشركة التونسية للكهرباء والغاز STEG نحو 4630 ميغاواط، ما خلق فجوة هيكلية تقدر بنحو 400 ميغاواط، ولتغطية جزء من هذا العجز، اضطرت الدولة إلى اللجوء إلى القطع المبرمج للكهرباء بمعدل يصل إلى ساعتين يوميًا، مع تغطية نحو 250 ميغاواط فقط من الفجوة القائمة.

ولم تقتصر تداعيات أزمة الطاقة في تونس على الجانب التشغيلي لشبكة الكهرباء، بل امتدت إلى قطاعات اقتصادية حيوية، مسببة خسائر مباشرة للشركات والمزارعين والمنتجين.

توقف مؤسسات صناعية

في قطاع الصناعات الصغرى والمتوسطة، أعلن اتحاد الصناعات عن توقف عدد من المؤسسات نتيجة تعطل خطوط الإنتاج، وتلف المواد الأولية والمنتجات نصف المصنعة، إلى جانب خسارة ساعات عمل مدفوعة الأجر وتأخر تسليم الطلبيات في مواعيدها.

أما القطاع الزراعي وقطاع الدواجن، فقد تعرضا لضغوط كبيرة بسبب تعطل أجهزة التبريد خلال فترات انقطاع الكهرباء، حيث كشف الاتحاد المحلي للفلاحة في سوسة عن نفوق نحو 50% من الدواجن لدى عدد من المربين نتيجة تعطل أنظمة التهوية والتبريد.

وفي قطاع الصيد البحري، أدى نقص الثلج وارتفاع تكلفته بسبب اضطرابات الكهرباء والمياه إلى تعطيل جزء من رحلات الصيد، ما انعكس على حجم المعروض من الأسماك في الأسواق.

أزمة الطاقة تعمّق عجز الميزان التجاري

وساهم ارتفاع فاتورة الطاقة في زيادة الضغوط على الاقتصاد التونسي، إذ استحوذ قطاع الطاقة وحده على 54% من إجمالي العجز التجاري خلال النصف الأول من عام 2026، وبلغ عجز قطاع الطاقة نحو 6.779 مليار دينار تونسي، بما يعادل تقريبًا 2.2 مليار دولار، من إجمالي عجز تجاري بلغ 12.529 مليار دينار، أي نحو 4.2 مليار دولار.

ويمثل هذا الرقم ارتفاعًا مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، عندما بلغ عجز الطاقة نحو 5.214 مليار دينار، ما يعكس تصاعد تكلفة الاعتماد على واردات الطاقة وتأثيرها على التوازنات المالية الخارجية للبلاد.

حزمة أوروبية لتمويل محطة شمسية في سيدي بوزيد

وفي مواجهة هذه التحديات، أطلق فريق أوروبا (Team Europe)، بالشراكة بين البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، وبنك الاستثمار الأوروبي (EIB)، والاتحاد الأوروبي، مشروعًا استراتيجيًا لإنشاء محطة طاقة شمسية كهروضوئية بقدرة 100 ميغاواط في منطقة سيدي بوزيد.

ويتولى تنفيذ المشروع تحالف سكاتك خوبنا للطاقة الكهروضوئية، وهو تحالف يضم شركتي سكاتك وإيولوس، بهدف إضافة مصدر جديد للطاقة النظيفة إلى الشبكة الوطنية وتعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

61.3 مليون يورو قروض و5.5 مليون يورو منحة أوروبية

وتبلغ قيمة الحزمة التمويلية للمشروع نحو 66.8 مليون يورو، موزعة بين تمويلات وقروض ومنح أوروبية.

وتشمل الحزمة:

ـ 61.3 مليون يورو في صورة قرض مشترك من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD) وبنك الاستثمار الأوروبي (EIB).
ـ 5.5 مليون يورو منحة مباشرة مقدمة من الاتحاد الأوروبي لدعم البنية التحتية المرتبطة بالمشروع.
ضمانات مالية عبر الصندوق الأوروبي للتنمية المستدامة بلس (EFSD+) لتقوية الهيكل التمويلي للمشروع.
252 جيجاواط/ساعة سنويًا وخفض 107 آلاف طن من الانبعاثات

محطة سيدي بوزيد تعزيز قدرة الشبكة

ومن المتوقع أن تسهم محطة سيدي بوزيد في إنتاج نحو 252 جيجاواط/ساعة سنويًا من الكهرباء النظيفة، بما يعزز قدرة الشبكة التونسية على مواجهة الطلب المتزايد، كما ستساهم المحطة في خفض الانبعاثات الكربونية بمعدل 107 آلاف طن سنويًا، ودعم أهداف تونس في التحول نحو الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي المستورد.

ويمثل المشروع جزءًا من برنامج الطاقة المتجددة التونسي الذي يستهدف الوصول إلى قدرة إجمالية تبلغ 1.7 جيجاواط، ورفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 35% من مزيج الكهرباء بحلول عام 2030، ولا يقتصر المشروع على الجانب الإنتاجي، إذ يتضمن أيضًا برنامج تعاون فني يركز على بناء القدرات المحلية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الطاقة المتجددة في منطقتي سيدي بوزيد وقابس.

كما يشمل دعم مشاركة المرأة في قطاع الطاقة، عبر برامج تهدف إلى توسيع فرص العمل والتدريب داخل أحد القطاعات الحيوية للاقتصاد التونسي.

من أزمة الكهرباء إلى إعادة هيكلة قطاع الطاقة

وتعكس الحزمة الأوروبية محاولة لتحويل أزمة الكهرباء الحالية في تونس إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء منظومة الطاقة على أسس أكثر استدامة، في ظل ارتفاع تكلفة الوقود المستورد وتزايد الضغوط على الميزان التجاري.

ورغم أن إضافة 100 ميغاواط من الطاقة الشمسية لن تعالج كامل العجز الحالي البالغ 400 ميغاواط، فإن المشروع يمثل خطوة استراتيجية لتقوية الشبكة الوطنية، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، ودعم انتقال تونس تدريجيًا نحو اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على الطاقة المتجددة.

Short Url

search