الخميس، 02 يوليو 2026

03:52 م

خبايا التنقيب العشوائي.. إنتاج الدهابة يلامس 100 طن سنويًا ويتفوق على «السكري» بـ7 أضعاف

الخميس، 02 يوليو 2026 02:29 م

صورة عامل من إحدى المناطق التعدينية

صورة عامل من إحدى المناطق التعدينية

مقترح لإنشاء مدينة متخصصة للتعدين الأهلي على مساحة 10 آلاف فدان بطريق إدفو- مرسى علم

عروق المرو الحاملة للذهب تركيزات الذهب به تتجاوز 100 جرام للطن

"الدهابة" يمتلكون خبرات ميدانية واسعة اكتسبوها من التجوال في الصحراء

مقترح بقيام المعدنين باستخراج الذهب والمعادن المصاحبة وتسليمه للبنك المركزي

يعتقد البعض أن المنقبين العشوائيين يستخرجون كميات ضئيلة من الذهب والخامات التعدينية، إلا أن هذا ليس صحيحًا نسبيًا، إذ يقدر الإنتاج السنوي لهم عشرات الأطنان، الأمر الذي قد يؤدي بإنتاج هؤلاء والذي يطلق عليهم "الدهابة" إلى مضاهاة إنتاج بعض الدول.

يسلط «إيجي إن»، الضوء خلال التقرير التالي على "التنقيب العشوائي"، والأضرار التي يسببها سواء بيئية أو اقتصادية واستثمارية.

وأكد الدكتور حسن بخيت، وكيل وزارة البترول والثروة المعدنية الأسبق، أن ملف التعدين الأهلي عن الذهب أو ما يعرف بـ"الدهابة" يحتاج إلى التعامل معه من خلال معلومات دقيقة ورؤية فنية، مشيرًا إلى أن القضية تمس الدولة والمجتمع والباحثين، وتتطلب تنظيم النشاط بما يحقق الاستفادة الاقتصادية ويحافظ على الموارد الطبيعية.

وعن مصدر معلوماتهم بشأن أماكن الذهب، قال "بخيت" لـ«إيجي إن»، إن الخبرة الميدانية تمثل المصدر الأساسي للمعلومات التي يمتلكها الدهابة، موضحًا أن هذه الخبرات تراكمت عبر سنوات طويلة من الاحتكاك المباشر بالمناطق الحاملة للذهب، تمامًا كما اعتمد المصريون القدماء على الملاحظة والتجربة في اكتشاف مواقع التعدين قبل ظهور العلوم الجيولوجية الحديثة.

التمييز بين العروق الغنية والمتوسطة والفقيرة بالذهب

وأضاف أن العاملين في التعدين الأهلي اكتسبوا مع مرور الوقت قدرة عملية على التمييز بين العروق الغنية والمتوسطة والفقيرة بالذهب، نتيجة الممارسة المستمرة لأعمال التنقيب والطحن والاستخلاص، مؤكدًا أن هذه الخبرات لا تستند في الغالب إلى الدراسات الأكاديمية أو التقارير الجيولوجية الرسمية، وإنما إلى التجربة العملية المتوارثة.

وأوضح وكيل وزارة البترول الأسبق، أن هيئة الثروة المعدنية تمتلك بالفعل قاعدة بيانات وخرائط جيولوجية واسعة لمناطق تواجد الذهب في مصر، نتجت عن أعمال المساحة الجيولوجية المصرية والبعثات الاستكشافية التي بدأت منذ عام 1896، وتواصلت على مدار أكثر من 130 عامًا بواسطة خبراء مصريين وأجانب.

وأشار إلى أن الهيئة لديها خرائط تضم أكثر من 270 موقعًا معروفًا لتواجد الذهب، لافتًا إلى أن الدهابة بدأوا العمل في المواقع التاريخية المعروفة، ثم توسعوا تدريجيًا عبر تتبع امتدادات العروق المعدنية، ما أدى إلى اكتشاف مواقع جديدة أو امتدادات لمناطق سبق تسجيلها.

تحديث الخرائط الجيولوجية بصورة دورية

ودعا "بخيت"، هيئة الثروة المعدنية إلى تحديث الخرائط الجيولوجية بصورة دورية، والاستفادة من المعلومات الميدانية التي توصل إليها العاملون في التعدين الأهلي خلال السنوات الماضية، بما يسهم في تطوير قواعد البيانات الفنية ودعم متخذي القرار.

وفيما يتعلق بحجم إنتاج الذهب من التعدين الأهلي، أكد أنه لا يمكن تحديد رقم دقيق، موضحًا أن الكميات التي يتم توريدها إلى الجهات الرسمية يمكن رصدها، إلا أنه لا يمكن الجزم بأن جميع الكميات المنتجة تدخل القنوات الرسمية، وهو ما يجعل من الصعب تقدير إجمالي الإنتاج الفعلي.

وشدد على أن تقنين أوضاع التعدين الأهلي من شأنه توفير منظومة رقابية وإحصائية دقيقة، تمكن الدولة من حصر الإنتاج الحقيقي وتعظيم الاستفادة منه، مع الحد من الممارسات غير الرسمية.

عمال المناجم... أو كتائب الموتى الأحياء | اندبندنت عربية

وأوضح أن طبيعة المناطق الجبلية تجعل فرض الرقابة الأمنية الكاملة أمرًا معقدًا، وهو ما يستلزم وضع خطط مستمرة لتنظيم التعدين الصغير بدلاً من الاعتماد على الحلول الأمنية وحدها، مشيرًا إلى أن نجاح منظومة التقنين يرتبط بوجود علاقة متوازنة بين الدولة والمعدنين، إذ تكون الرسوم والالتزامات المالية مناسبة وتحقق مصلحة الطرفين، بما يشجع العاملين على الانضمام إلى المنظومة الرسمية بدلاً من اللجوء إلى العمل خارجها.

إطار قانوني لتنظيم التعدين الأهلي يجب أن يحقق هدفين رئيسيين

وأكد “بخيت”، أن أي إطار قانوني لتنظيم التعدين الأهلي يجب أن يحقق هدفين رئيسيين، أولهما الحفاظ على حقوق الدولة وتعظيم الاستفادة من الثروات المعدنية، وثانيهما حماية البيئة من الآثار السلبية لعمليات التعدين، ومن بينها منع تجريف الطرق الصحراوية، وضمان التخلص الآمن من المواد الكيميائية المستخدمة في الاستخلاص، وحماية المياه الجوفية والتربة والقرى المحيطة من أي تلوث.

كتب الملياردير المصري نجيب ساويرس، عبر صفحته على منصة إكس: «العديد من شركات التعدين العاملة في مصر تعاني من ممارسات غير قانونية تصل في بعض الأحيان إلى التهديد بالسلاح، مشيرًا إلى أن بعض المتورطين في هذه الأنشطة ليسوا من المصريين».

أستاذ جيولوجيا يدعو للاستفادة من خبرات "الدهابة" بدلاً من ملاحقتهم

فيما دعا الدكتور إبراهيم هاشم زيدان، أستاذ الجيوكيمياء بهيئة المواد النووية واستشاري الجيولوجيا والتعدين، إلى تبني رؤية مختلفة للتعامل مع نشاط التعدين الأهلي عن الذهب في مصر، تقوم على التقنين والاستفادة من خبرات العاملين في هذا المجال، بدلاً من الاقتصار على ملاحقتهم أو مصادرة معداتهم.

وقال "زيدان" لـ«إيجي إن»، إن فرض سيادة الدولة وهيبتها أمر ضروري، إلا أن ذلك لا يتعارض مع تنظيم نشاط التعدين الأهلي والاستفادة من الخبرات والمعدات التي يمتلكها العاملون فيه، والتي تقدر بمليارات الجنيهات، بما يسهم في زيادة إنتاج الذهب وتوفير فرص عمل ودعم الاقتصاد الوطني.

وأوضح أنه تقدم منذ عام 2018 إلى عدد من الجهات الحكومية بمقترح لإنشاء مدينة متخصصة للتعدين الأهلي على مساحة 10 آلاف فدان بطريق إدفو- مرسى علم، تضم معدات وأجهزة العاملين في النشاط، إلى جانب مركز علمي للتعدين يضم خبراء في الجيولوجيا والتعدين، مع تخصيص مناطق تعدين محددة وقريبة من الطريق، من بينها البرامية وعتود وحنجلية وأم عود، بحيث تخضع جميعها لإشراف فني وعلمي كامل.

جسور بوست » مصرع 27 عاملًا جراء اندلاع حريق ضخم بمنجم للذهب في البيرو

قيام المعدنين باستخراج الذهب والمعادن المصاحبة

وأضاف أن المقترح يتضمن قيام المعدنين باستخراج الذهب والمعادن المصاحبة مثل الفضة والبلاتين، على أن يتم تسليم كامل الإنتاج إلى البنك المركزي، ويحصل العاملون على 60% من قيمة الإنتاج بالجنيه المصري، بينما تحصل الدولة على 40% من صافي الأرباح، بما يحقق عائدًا اقتصاديًا كبيرًا للدولة.

وأشار “زيدان”، إلى أن التعدين الأهلي يعد نشاطًا معترفًا به في عدد من دول العالم، لافتًا إلى وجود تجارب دولية في هذا المجال مثل جنوب أفريقيا وكندا والسودان، معتبرًا أن تنظيم النشاط في مصر قد يحقق استفادة اقتصادية كبيرة.

إنتاج الذهب السنوي الناتج عن التعدين الأهلي

ووفقاً لتقديراته، فإن إنتاج الذهب السنوي الناتج عن التعدين الأهلي بلغ خلال العامين الماضيين نحو 100 طن، وهو رقم يفوق إنتاج منجم السكري الذي يقدر بنحو 14 طنًا سنويًا، مؤكدًا أن هذه الأرقام تستند إلى تقديراته الشخصية.

وأوضح أن نشاط التعدين الأهلي في جنوب صعيد مصر بدأ في أعقاب ثورة يناير، عندما نقل بعض السودانيين خبراتهم إلى أقارب لهم من المصريين في محافظة أسوان، قبل أن ينتشر النشاط تدريجياً مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع النشاط السياحي في تلك الفترة.

«تركيزات ذهب تتجاوز 100 جرام للطن»

وأكد استشاري الجيولوجيا والتعدين، أن الجدوى الاقتصادية لاستخراج الذهب تتحقق عادة عند تركيز يبلغ جرامًا واحدًا من الذهب في الطن من الصخور، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المواقع التي يعمل بها الدهابة تتجاوز فيها التركيزات 5 جرامات للطن، وقد تصل في عروق المرو الحاملة للذهب إلى أكثر من 20 جراماً للطن، بل وتتجاوز 100 جرام للطن في بعض المواقع.

ولفت إلى أن بعض القرى التابعة لمركز إدفو تضم، بحسب تقديراته، كميات ضخمة من المخلفات الصخرية الناتجة عن عمليات استخراج الذهب القديمة، تصل إلى أكثر من مليار طن، ويمكن إعادة تقييمها والاستفادة منها اقتصاديًا.

وأشار إلى أن "الدهابة" يمتلكون خبرات ميدانية واسعة اكتسبوها من التجوال في الصحراء لأغراض الرعي والصيد، ما مكنهم من معرفة مواقع العديد من المناجم الفرعونية القديمة، ومن بينها منطقة الفواخير، التي ارتبطت بأقدم خريطة تعدين معروفة في العالم، والمحفوظة حاليًا في متحف تورينو بإيطاليا.

دراسة حديثة تؤكد عمال مناجم الذهب يواجهون خطر الموت أكثر من غيرهم – جهود

خبير تعدين يرصد خمس مراحل لـ"التعدين العشوائي" في مصر

قال المهندس مجدي عبدالله، رئيس شركة عرب نوبيا، إن ظاهرة "التعدين العشوائي" ليست جديدة على العالم، إذ شهدتها العديد من الدول منذ منتصف القرن التاسع عشر، عندما انتشرت فكرة الثراء السريع عبر البحث عن الذهب، لتتحول إلى موجات من التنقيب شملت البرازيل وأستراليا وكندا وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة، قبل أن تتطور لاحقًا إلى صناعات تعدين منظمة أصبحت ركيزة اقتصادية في عدد من هذه الدول.

وأوضح لـ«إيجي إن» أن تجربة التعدين الأهلي في مصر مرت بعدة مراحل متتالية، بدأت باكتشاف المواطنين لحبيبات الذهب في المجاري المائية القديمة والحديثة، أو بانتقال الخبرات من السودان إلى جنوب مصر، حيث اعتمد المنقبون في البداية على أدوات بسيطة مثل أجهزة كشف المعادن، وكانت الجهود فردية بالكامل دون وجود تنظيم أو هياكل مؤسسية، فيما لعب عامل الحظ دورًا في تحقيق بعض المنقبين لثروات شجعت آخرين على دخول النشاط.

وأضاف أن هذه المرحلة لم تمثل مخاطر بيئية أو أمنية كبيرة، لكنها كانت محدودة زمنيًا نتيجة سرعة استنزاف الذهب السطحي الموجود في الوديان، الأمر الذي دفع المنقبين إلى الانتقال لمرحلة أكثر تعقيدًا.

جسور بوست » «فايننشال تايمز»: عمال مناجم الذهب في جنوب إفريقيا ضحايا  انتهاكات العصابات

عمليات التنقيب داخل الصحراء

وأشار رئيس شركة عرب نوبيا، إلى أن المرحلة الثانية شهدت توسع عمليات التنقيب داخل الصحراء، وظهور ممولين وتجار ذهب وأصحاب معدات وفروا الدعم المالي واللوجستي للمجموعات العاملة مقابل نسبة من الإنتاج، كما بدأ استخدام اللوادر والمعدات الثقيلة وأجهزة البحث الأكثر تطورًا للوصول إلى أعماق أكبر، وهو ما أدى إلى ظهور آثار بيئية تمثلت في تجريف الوديان وتغيير طبيعتها، إلى جانب وقوع حوادث متفرقة مرتبطة بظروف العمل في الصحراء.

وأوضح المهندس مجدي عبدالله، أن هذه المرحلة جذبت أعدادًا متزايدة من الباحثين عن الذهب، وظهرت تنظيمات صغيرة تعمل خارج الأطر القانونية، دون دراسات جدوى اقتصادية أو بيئية أو صحية، الأمر الذي لفت انتباه الدولة إلى ضرورة تنظيم النشاط والاستفادة من الثروات المعدنية بصورة أفضل.

ولفت إلى أن المرحلة الثالثة مثلت نقطة تحول مع انتقال المنقبين من البحث عن الذهب الرسوبي إلى تتبع المصدر الأصلي للذهب داخل الصخور، خاصة عروق المرو الحاملة للذهب، سواء في المناجم الفرعونية القديمة أو المواقع المكتشفة حديثًا، حيث بدأ استخدام طواحين الصخور ووسائل الفصل الفيزيائي والكيميائي لاستخلاص الذهب.

زاما زاماس.. آلاف الفقراء ينبشون أعماق جنوب إفريقيا من أجل ذهب المناجم |  القاهرة الاخبارية

تضاعف أعداد العاملين وظهور مجتمعات كاملة

وأضاف أن هذه المرحلة شهدت تضاعف أعداد العاملين وظهور مجتمعات كاملة حول مناطق التعدين، تضم مقدمي خدمات وتجارًا وورشًا لاستخلاص الذهب، إلى جانب اكتساب المنقبين خبرات عملية مكنتهم من التعرف على البيئات الجيولوجية المناسبة للبحث عن الذهب، مع الاستعانة في بعض الحالات بجيولوجيين ومتخصصين بصورة فردية.

وأوضح أن المرحلة الرابعة اتسمت بظهور استثمارات أكبر وتحالفات بين العاملين، وإنشاء كيانات قانونية محدودة، مع انتشار مطاحن الصخور واستخدام بعض المواد الكيميائية في عمليات الاستخلاص، فضلًا عن دخول شركات ومقاولي معدات إلى النشاط، إلا أن كثيرًا من هذه التجارب افتقدت الأسس العلمية، ما أدى إلى تعثر العديد منها اقتصاديًا وفنيًا.

وأشار مجدي عبد الله، إلى أن هذه المرحلة شهدت أيضًا زيادة في المخاطر البيئية والصحية والأمنية نتيجة الاستخدام غير المنظم للمعدات الثقيلة، وما ترتب عليه من تدمير بعض الشواهد الجيولوجية والطرق الصحراوية وارتكاب أخطاء فنية تسببت في خسائر مادية وبشرية، معتبرًا أنها أخطر مراحل تطور التعدين الأهلي لأنها تجاوزت بساطة البدايات، دون أن تصل إلى مستوى التعدين المنظم.

تعدين الذهب غير القانوني

وضع إطار قانوني وفني واضح لتنظيم التعدين الأهلي

ويرى "عبد الله"، أن المرحلة الخامسة يجب أن تقوم على وضع إطار قانوني وفني واضح لتنظيم التعدين الأهلي، على غرار ما طبقته دول مثل أستراليا وكندا والولايات المتحدة وجنوب أفريقيا، والتي نجحت في تحويل "حمى الذهب" إلى صناعة تعدين متطورة، بينما اختارت دول أخرى مثل السودان وتنزانيا نموذجًا يسمح بالتعدين الأهلي جنبًا إلى جنب مع التعدين المنظم.

وأكد أن مصر لا تمتلك حتى الآن، منظومة تشريعية أو قواعد فنية متكاملة لتنظيم التعدين الأهلي، وهو ما يجعل الاجتهادات الفردية هي السائدة، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى ترسيخ كيانات غير منظمة يصعب دمجها لاحقًا في المنظومة الرسمية.

كما حذر من تنامي دور الوسطاء والسماسرة، وظهور كيانات تفتقر إلى الخبرات الفنية، معتبرًا أن غياب الشفافية وتراجع المستوى الفني للعاملين يمثلان من أبرز التحديات أمام تطوير قطاع التعدين الأهلي، داعيًا إلى وضع معايير مهنية ملزمة، وتأهيل الكوادر الفنية، وتقديم الدعم العلمي للشركات الصغيرة والمنقبين، بما يحقق التوازن بين تعظيم الاستفادة الاقتصادية والحفاظ على البيئة وضمان سلامة العاملين.

اقرأ أيضًا:

من تصدير الخام إلى القيمة المضافة.. هضبة أبو طرطور تقود ثورة التعدين الجديدة فى مصر

Short Url

search