الإثنين، 29 يونيو 2026

12:50 م

دول الخليج توسع استثماراتها اللوجستية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز

الإثنين، 29 يونيو 2026 11:00 ص

مضيق هرمز _ صورة أرشيفية

مضيق هرمز _ صورة أرشيفية

محمد ممدوح

فرضت حرب إيران على اقتصادات الخليج تحديات جيوسياسية جديدة، ورغم أن الصراع أثر على النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن دول مجلس التعاون الخليجي نجحت إلى حد كبير في تخفيف وطأة التأثير المباشر، من خلال الاستفادة من احتياطيات مالية ضخمة وتسريع وتيرة الخطط الرامية إلى تعزيز المرونة الاقتصادية على المدى الطويل.

وسلطت هذه التجربة الضوء على عدة عوامل ساعدت الاقتصادات الخليجية على تجاوز الصدمة الأولية، وقدمت لمحة عن كيفية استعداد الحكومات للمرحلة التي تلي الصراع، ومع ذلك، فإن تعافي المنطقة يعتمد إلى حد كبير على خفض دائم للتصعيد واستعادة حركة الشحن بالكامل عبر مضيق هرمز، بعد أشهر من الاضطرابات التي نجمت عن التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

النفط يبقي الملاذ الآمن 

وأكدت الأزمة مجددًا على دور  النفط في الاقتصادات الخليجية، فعلى سبيل المثال، استفادت المملكة العربية السعودية من قدرتها على مواصلة تصدير حصة كبيرة من نفطها الخام عبر خط أنابيب "الشرق-الغرب" إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزة بذلك مضيق هرمز، وفر ارتفاع أسعار النفط خلال ذروة الصراع دعم مالي إضافي للمملكة.

وأثبتت صناديق الثروة السيادية أهمية مماثلة، إذ اعتمدت دول مثل الإمارات وقطر والكويت على محافظها الاستثمارية الحكومية الضخمة لتحقيق الاستقرار في اقتصاداتها وطمأنة الأسواق المالية، وقدمت الكويت نموذج لافت بشكل خاص، فرغم تأثر قدرتها التصديرية بالاضطرابات البحرية، تمكنت الحكومة من الحفاظ على مستويات الإنفاق العام وصون تصنيفها الائتماني القوي بفضل الأصول الكبيرة التي يمتلكها صندوقها السيادي.

التعافي لا يزال رهنًا بقطاع الطاقة

يتوقع محللون الشرق بلومبرج،  أن يظل قطاع النفط المحرك الرئيسي لتعافي المنطقة، وتشير التوقعات إلى أن المنتجين الخليجيين قد يشهدون انتعاشاً قوياً في إنتاج النفط وصادراته مع عودة سلاسل التوريد إلى طبيعتها في ظل التفاهم المؤقت الذي تم التوصل إليه بين واشنطن وطهران.

وفي الوقت نفسه، كشف الصراع عن المخاطر التي تواجه الاقتصادات التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على إيرادات الهيدروكربونات، ففي حال تراجعت أسعار النفط إلى نطاق يتراوح بين 60 و70 دولارًا للبرميل بعد انحسار الأعمال العدائية، وتواجه الدول ذات الأوضاع المالية الأضعف ضغوطًا متزايدة، في حين يرجح أن تحتفظ دول الخليج الأكثر ثراءً، مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت- بمرونة أكبر لدعم النمو.

وأدت هذه الاضطرابات إلى تجدد الدعوات في الكويت لتسريع وتيرة التنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية، وذلك بهدف الحد من القابلية للتأثر بالصدمات الجيوسياسية المستقبلية.

الطلب المحلي يمنح المملكة العربية السعودية ميزة

ووضعت الأزمة الافتراضات  حول الهيكل الاقتصادي لدول الخليج موضع تساؤل، إذ ظهر التعداد السكاني الكبير للمملكة العربية السعودية -الذي كان يُنظر إليه غالبًا على أنه عبء مالي مقارنة بدول الخليج الأصغر مساحة والأكثر ثراءً- كمصدر مهم للمرونة والصمود، وساهم الاستهلاك المحلي القوي، إلى جانب السياحة الدينية والمحلية، في تخفيف حدة التراجع في أعداد الزوار الدوليين خلال ذروة الصراع.

وظلت مؤشرات القطاع المصرفي مستقرة نسبيًا، مما يشير إلى أن الطلب المحلي واصل دعم النشاط الاقتصادي غير النفطي، وفي المقابل، بدت دبي أكثر عرضة للتأثر بتقلبات معنويات المستهلكين والمستثمرين العالميين، نظراً لاعتمادها الكبير على السياحة الدولية وقطاعات الطيران والتجارة والاستثمار الأجنبي. 

وتعتمد هذه القطاعات  على الثقة العالمية في الإمارة كمركز آمن ومتاح لممارسة الأعمال التجارية، وتتوقع وكالة التصنيف الائتماني "إس آند بي جلوبال" (S&P Global) انكماش اقتصاد دبي بنحو 2.5% في عام 2026 في حال استمرار التوترات الإقليمية، محذرة من أن المخاطر الأمنية الممتدة قد تؤثر بشكل دائم على تدفقات السياحة.

الاستقرار المالي والاقتصادي 

يرى الاقتصاديون وفق للشرق بلومبرج، أن وتيرة التعافي ستعتمد إلى حد كبير على التطورات السياسية، ورغم أن التفاهم المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران خفف من المخاوف الفورية، إلا أن استمرار التبادلات العسكرية والتوترات التي تشمل حلفاء إيران الإقليميين لا يزال يولد حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين والشركات في جميع أنحاء الخليج.

وظلت المخاطر الجيوسياسية مرتفعة، فمن المتوقع أن تعكس الأسواق المالية ذلك في صورة علاوات مخاطر أعلى، مما يحد من سرعة العودة إلى الأوضاع الاقتصادية الطبيعية.

الاستعداد لاقتصاد ما بعد الصراع

على الرغم من استمرار حالة عدم اليقين، بدأت حكومات دول الخليج بالفعل في تعديل استراتيجياتها الاقتصادية طويلة الأمد، ووسعت المملكة العربية السعودية استثماراتها في قطاع الخدمات اللوجستية من خلال تطوير ممرات تجارية بديلة تربط موانئ البحر الأحمر بمنطقة الخليج الأوسع. 

وزادت المملكة من مخزونها الاستراتيجي من النفط الخام في الخارج، في حين تواصل شركة "أرامكو السعودية" تقييم خيارات إنشاء مرافق تخزين إضافية في أسواق دولية رئيسية لتعزيز أمن الإمدادات، وتتبنى دولة الإمارات جهوداً مماثلة من خلال توسيع البنية التحتية لخطوط الأنابيب لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، بينما تشير التقارير إلى أن العديد من الشركات الإماراتية تسارع في تنفيذ خطط التوسع الدولي لتنويع مصادر الإيرادات واقتناص فرص نمو جديدة.

ووفقًا لتحليل الشرق بلومبرج فأن الصراع في نهاية المطاف درس مهم لصناع السياسات في الخليج، وهو أن القوة المالية، والبنية التحتية الاستراتيجية، والتخطيط الاقتصادي المتنوع، أصبحت عناصر بالغة الأهمية -توازي في أهميتها موارد الطاقة- لضمان الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.

Short Url

search