السبت، 18 يوليو 2026

02:47 م

أيمن سليمان يكتب: قراءة في فلسفة "الواقعية الحذرة" للبنك المركزي

الأحد، 10 مايو 2026 10:13 م

أيمن سليمان - كاتب اقتصادى وباحث دكتوراة

أيمن سليمان - كاتب اقتصادى وباحث دكتوراة

في خطوة وصفت بـ "الواقعية الحذرة"، قام البنك المركزي المصري بضبط "بوصلة التوقعات" للاقتصاد الوطني معلناً خفض تقديراته لنمو الناتج المحلي الإجمالي خلال العامين القادمين 2026/2027 .
لم يكن هذا الخفض مجرد تعديل لأرقام صماء بل حمل في طياته تشخيصاً دقيقاً لجملة من التحديات الجيوسياسية والهيكلية التي "تفرمل" انطلاقة الاقتصاد المصري وتلميساً لوقعها المباشر على حياة المواطن وقيمة الجنيه.


لماذا تراجعت الأرقام؟ فتش عن "صدمة الجوار" والقطاعات الحيوية.

أرجع التقرير الأحدث للسياسة النقدية هذا التراجع من مستويات طموحة (5% و5.5%) إلى أرقام أكثر توازناً (4.6% و4.8%) مستنداً إلى عدة مسببات رئيسية يمكن تلخيصها في أربع نقاط محورية:

صداع القطاعات الاستخراجية: واجه قطاع الاستخراجات غير البترولية (كالذهب والفوسفات والمعادن) والذي كان يُعول عليه كقاطرة للنمو تراجعاً ملحوظاً جراء تحديات تقنية في بعض المواقع وتباطؤ خطط التوسع فضلاً عن التأثير غير المباشر للانكماش العام في إنتاج الغاز الطبيعي.


حرب الأعصاب في "الخدمات": تأثر قطاع الخدمات المصدر الأساسي للعملة الصعبة بظلال التوترات الإقليمية. فاستمرار الاضطرابات في البحر الأحمر حول مسار السفن ملقياً بظلاله على عائدات قناة السويس ومساهمتها في الناتج المحلي. كما أدى "عدم اليقين" الإقليمي إلى جعل وتيرة نمو قطاع السياحة أبطأ مما كان مأمولاً.


الصدمات الخارجية الخانقة: شخص التقرير بوضوح أثر التوترات الجيوسياسية كالصراع بين إيران والولايات المتحدة التي رفعت تكاليف الشحن والتأمين وبالتالي تكلفة المواد الخام المستوردة وأبطأت عجلة التصنيع، كما دفعت هذه الصراعات المستثمرين الأجانب إلى "الانتظار والترقب"، ما قلص تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.


علاج "التشديد النقدى" المر: حافظ المركزي على أسعار فائدة مرتفعة للسيطرة على التضخم ما جعل تكلفة الاقتراض لتوسع الشركات والمصانع "مكلفة" وأدى طبيعياً لتباطؤ معدل النمو في مقابل كبح جماح الأسعار.

النقطة الجوهرية، "فرملة" مقصودة لكبح التضخم: يوضح تحليل المركزي أن الاقتصاد سيعمل "دون طاقته القصوى" لفترة أطول من المتوقع وهو "ضعف مقصود في الطلب" سيساعد لاحقاً على خفض التضخم للوصول للمستهدف (7%) بحلول 2028.


وبالانتقال للسؤال الأهم للمواطن والمستثمر: كيف ستتأثر الأسعار والجنيه؟
الأسعار (التضخم): العلاقة هنا تبدو "متناقضة"؛ فبينما يتباطأ النمو يتوقع المركزي تسارعاً مؤقتاً في التضخم خلال 2026، مدفوعاً بـ "ضغوط التكلفة" (ارتفاع الشحن والطاقة بسبب الصراعات الإقليمية، وحرب إيران) وإجراءات الضبط المالي (خفض الدعم عن المحروقات والكهرباء).

ولكن، هناك "بشرى في الأفق"؛ إذ يتوقع المركزي أن يبدأ التضخم في التراجع الحقيقي والعودة للمعدلات "الأحادية" (أقل من 10%) اعتباراً من الربع الأول لعام 2027.


قيمة الجنيه (سعر الصرف): يعمل الجنيه حالياً كـ “ممتص للصدمات”، وبفضل الاحتياطيات الأجنبية القياسية (تجاوزت 53 مليار دولار)، هناك قدرة أكبر على حماية العملة من الانهيارات.

وتشير أغلب التوقعات إلى أن الجنيه قد يشهد تراجعاً "طفيفاً وتدريجياً" أمام الدولار ليتحرك حول مستويات 52 - 54 جنيهاً بحلول نهاية العام المالي، وهو تراجع "محكوم" للحفاظ على تنافسية الصادرات، ويساعد على ذلك تحسن تدفقات السياحة (توقعات بـ 18 مليون سائح) واستقرار تحويلات المصريين بالخارج.


وفى النهاية، يمكن القول بأن مستقبل الاقتصاد يبقى مرهوناً بـ "نقطة المراقبة" الأساسية، قدرة الاقتصاد على "التقاط الأنفاس" تعتمد كلياً على عدم اتساع رقعة الصراعات الإقليمية، فإذا استقرت الأوضاع الجيوسياسية سنرى تحسناً أسرع من المتوقع في قيمة العملة وتوافر السلع بأسعار أفضل.

Short Url

search