السبت، 18 يوليو 2026

05:11 م

محمد فؤاد يكتب: الدين الذي لا نراه، حين تتحول الضمانات إلى أزمة مؤجلة

الجمعة، 24 أبريل 2026 02:26 م

النائب محمد فؤاد

النائب محمد فؤاد

قبل عشر سنوات، لم تكن المسألة مجرد أرقام تُسجل في جداول الموازنة، بل كانت محاولة مبكرة لتغيير طريقة قراءة الدولة لالتزاماتها. في ذلك الوقت، كان الدين الخارجي يدور حول 67 مليار دولار. اليوم، نحن أمام واقع زاد فيه هذا الرقم بنحو 100 مليار دولار إضافية. الفارق لا يعكس فقط توسعًا في الاقتراض، بل يكشف عن مسار كامل من إدارة الدين دون أدوات كافية لاحتواء مخاطره.

في تلك اللحظة، تقدمتُ بمشروع قانون يستهدف إدخال أداة رقابية وتحليلية أساسية: تقرير دوري لاستدامة الدين. لم يكن الهدف مجرد الإفصاح، بل بناء قدرة مؤسسية على فهم الدين، تتبعه، وتقييم القدرة على تحمله. وافقت لجنة الخطة والموازنة برئاسة الدكتور حسين عيسى على المشروع، وهو ما كان يمثل خطوة متقدمة في مسار التشريع، لكن المشروع لم يصل إلى الجلسة العامة، وتوقف في منتصف الطريق. لم تُرفض الفكرة، لكنها لم تُستكمل. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون المشكلة في غياب القناعة، بل في تأجيل القرار.

مرت السنوات، وتغيرت ملامح المشهد المالي. الدولة تبنت قانون المالية العامة الموحد، وهو تطور مهم يعكس تحسنًا في الإطار التنظيمي، لكنه تزامن مع تحول أكثر تعقيدًا في طبيعة الدين نتيجة أكبر موجة توسع مالي شهدها الاقتصاد في العصر الحديث. لم تعد المسألة تدور فقط حول ما يظهر في الموازنة، بل حول ما يُدار خارجها. وهنا برزت الضمانات الحكومية كأحد أهم مصادر المخاطر الصامتة.

الضمان في جوهره ليس مجرد التزام احتمالي، بل دين مؤجل. لا يظهر فورًا في مؤشرات الدين، لكنه يظل قائمًا ينتظر لحظة التفعيل. ومع تضييق مساحة الاستدانة المباشرة، أصبحت الضمانات أداة بديلة تتيح للهيئات الاقتصادية الاستمرار في الاقتراض تحت مظلة الدولة. وهكذا تتراكم الالتزامات خارج الموازنة، بينما تبدو المؤشرات الرسمية أكثر انضباطًا مما هي عليه في الواقع. وبينما تستطيع وزارة المالية خفض الدين الموازني، تدير بعض الكيانات العامة وفي مقدمتها الهيئة العامة للبترول مديونيات تتجاوز 15% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعكس اتساع فجوة القياس بين الظاهر والحقيقي.

في هذا السياق، تحولت الضمانات تدريجيًا إلى طوق نجاة لعدد من الجهات، لكنها في الوقت نفسه أصبحت كرة ثلج تتدحرج بعيدًا عن الرصد الكامل. يتم الاقتراض بضمان وزارة المالية، وتتراكم الالتزامات، ثم يأتي السؤال لاحقًا: كيف زاد الدين؟ بينما الإجابة كانت تتشكل بهدوء في مساحات لا تخضع لنفس مستوى الرقابة والتحليل.

المفارقة التي نعيشها اليوم أن الدولة تسعى إلى خفض الدين الموازني، وهو هدف مشروع وضروري، لكن في المقابل يتزايد إجمالي التعرض السيادي عبر أدوات غير مباشرة. وهنا يفقد التحسن الظاهري جزءًا كبيرًا من معناه، لأن ما يتم تقليله في جانب قد يُعاد إنتاجه في جانب آخر بصورة أقل وضوحًا وأكثر خطورة.

من هذه الزاوية، يصبح من الضروري إعادة ضبط الإطار الحاكم للضمانات الحكومية. ليس بهدف تقييد الحركة، بل لضمان أن كل التزام تتحمله الدولة—سواء كان مباشرًا أو غير مباشر—يخضع لنفس معايير الانضباط والشفافية. وفي هذا السياق، يعمل حزب العدل على التقدم بمشروع قانون يعالج هذه الفجوة، في إطار تنفيذ جزء من برنامجه الاقتصادي، بما يستهدف إعادة إدماج الضمانات ضمن الصورة الكاملة للدين العام، ووضع ضوابط حاكمة لإصدارها وربطها بقدرة الدولة على التحمل.

ما نحتاجه اليوم ليس فقط تسجيل الضمانات، بل إدماجها في تحليل الدين، وربط إصدارها بتقييم حقيقي للمخاطر، ووضع حدود واضحة لحجمها، بما يتناسب مع الملاءة المالية للدولة. بهذه الطريقة، تتحول الضمانات من أداة سهلة الاستخدام إلى أداة مالية محسوبة التكلفة، تعكس قرارًا واعيًا وليس مجرد حل سريع.

في هذه اللحظة تحديدًا، يصبح من الضروري إطلاق صفارة إنذار واضحة. استمرار الاعتماد على الضمانات كبديل غير معلن للاستدانة سيقود إلى وضع يبدو فيه الدين تحت السيطرة، بينما تتراكم مخاطره في الخلفية. وعند نقطة معينة، لن يكون هناك فرق بين الدين المباشر وغير المباشر، لأن كليهما سيتحول إلى التزام على الخزانة العامة.

الدرس الذي تعلمناه من تجربة ما قبل عشر سنوات ليس أن الفكرة كانت خاطئة، بل أن توقيتها لم يُستكمل، ولم تجد من يستمع في ظل موجة تفاؤل مفرطة صاحبت توسعًا ماليًا انتهى إلى واقع تُستهلك فيه نحو 65% من استخدامات الدولة في خدمة الدين. واليوم، مع تعقيد أكبر في هيكل الالتزامات، تصبح تكلفة التأجيل أعلى بكثير.

لم تعد القضية كم نقترض، بل أين يختبئ الدين. وإذا لم يتم التعامل مع ملف الضمانات بنفس الجدية التي يتم بها التعامل مع الدين المباشر، فإننا لا نخفض الدين، بل نعيد تشكيله في صورة أكثر تعقيدًا… وأقل شفافية.

Short Url

search