السبت، 18 يوليو 2026

05:51 م

النائبة فاطمة عادل تكتب: قوانين الأحوال الشخصية بين التحدي والفرصة

الإثنين، 13 أبريل 2026 12:26 م

النائبة فاطمة عادل

النائبة فاطمة عادل

في لحظة فارقة من إدارة النقاش العام، جاءت توجيهات رئيس الجمهورية بشأن الإسراع في إحالة مشروعات قوانين الأحوال الشخصية إلى مجلس النواب، لتضع هذا الملف في موقعه الطبيعي كأحد أكثر الملفات إلحاحًا وتأثيرًا في بنية المجتمع. 

هذه التوجيهات لا تُقرأ فقط باعتبارها دفعًا إجرائيًا لتسريع المسار التشريعي، بل تعكس إدراكًا عميقًا بأن الخلل لم يعد في النصوص فقط؛ بل في الفلسفة التي تحكمها، وفي قدرتها على مواكبة التحولات الاجتماعية التي شهدتها الدولة خلال العقود الأخيرة.

القراءة المتأنية لمسار قوانين الأحوال الشخصية في مصر تكشف عن إشكالية مركبة، فمن ناحية نحن أمام منظومة تشريعية متفرقة، تشكلت عبر عقود طويلة، بدءًا من قوانين عشرينيات القرن الماضي، مرورًا بتعديلات الثمانينيات، ثم قانون 2000 وما تلاه من تعديلات، دون أن تتوافر لحظة تأسيس حقيقية تعيد صياغة الإطار بالكامل، ومن ناحية أخرى فإن كثيرًا من هذه التعديلات جاء استجابة لضغوط اجتماعية أو سياقات محددة، وليس ضمن رؤية كلية متماسكة.

الأخطر من ذلك أن التجربة التشريعية ذاتها تكشف – عند مراجعة مضابط المناقشات – عن ميل متكرر نحو معالجة اختلالات جزئية، أحيانًا عبر ترجيح كفة طرف على حساب الآخر، بدلًا من بناء توازن مستدام داخل العلاقة الأسرية، وانعكس ذلك بوضوح في طبيعة الجدل المصاحب لكل تعديل، إذ تحولت القوانين في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع اجتماعي، بدلًا من كونها أداة لتنظيمه واحتوائه.  

من هنا يصبح التعامل مع هذا الملف اليوم مسؤولية مضاعفة، فالتحدي لم يعد فقط في “تعديل قانون”، بل في إعادة بناء منطق التشريع ذاته، أي الانتقال من فكرة النصوص المتفرقة إلى فكرة “الإطار المنظومي” الذي يحكم العلاقة الأسرية في مجملها، ويضع قواعد واضحة ومتوازنة لإدارة النزاع، بدلًا من تركه يتفاقم داخل المحاكم وخارجها.

يتبنى حزب العدل في هذا السياق مقاربة مختلفة؛ تنطلق من فهم أن الأحوال الشخصية ليست مجالًا قانونيًا صرفًا؛ بل هي تقاطع بين القانون والاجتماع والنفس، وبالتالي فإن أي معالجة تشريعية لا تأخذ هذه الأبعاد مجتمعة ستظل قاصرة بطبيعتها.

أول ملامح هذه المقاربة هو إعادة الاعتبار لفكرة “التوازن”، فالقانون لا يجب أن يكون أداة تعويض لطرف على حساب طرف، ولا وسيلة لتصحيح اختلال تاريخي عبر خلق اختلال جديد؛ بل يجب أن ينطلق من قاعدة أن العلاقة الأسرية بطبيعتها علاقة تشاركية، وأن أي خلل في توازنها سينعكس مباشرة على الطرف الأضعف فيها وهو الطفل.

ولهذا فإن وضع المصلحة الفضلى للطفل كمعيار حاكم لا يجب أن يكون مجرد نص إنشائي؛ بل إطارًا عمليًا يوجه كل القرارات، من الحضانة، إلى الرؤية، إلى النفقة، إلى الولاية التعليمية، فالتجارب السابقة أثبتت أن تغييب هذا المعيار، أو استخدامه بشكل انتقائي، كان أحد أسباب تفاقم النزاعات بدلًا من حلها.

وثانيًا: يتطلب الإصلاح الحقيقي الاعتراف بأن جزءًا كبيرًا من الأزمة الحالية لا يرتبط فقط بمحتوى الأحكام؛ بل بآليات تطبيقها، فبطء التقاضي، وضعف آليات التنفيذ، وغياب أدوات التسوية المبكرة، كلها عوامل تجعل من النزاع الأسري مسارًا ممتدًا ومكلفًا نفسيًا واجتماعيًا، ومن ثم فإن أي قانون جديد يجب أن يعالج “رحلة النزاع” بالكامل، وليس فقط نتيجتها النهائية.

وهنا تبرز أهمية إدماج أدوات بديلة، مثل مكاتب تسوية المنازعات الأسرية، وإشراك متخصصين في علم النفس والاجتماع، ليس كإضافة شكلية؛ بل كجزء أصيل من المنظومة، بما يسمح بتحويل جزء من النزاعات من مسار التقاضي إلى مسار الاحتواء المبكر. وقد أثبتت الخبرات المقارنة أن هذا النوع من التدخلات يقلل من حدة الصراع، ويحد من آثاره طويلة المدى على الأطفال.  

ثالثًا: من الضروري إعادة النظر في بعض المفاهيم التي لم تعد تعكس الواقع. فمثلًا، نظام “الرؤية” بصورته الحالية أثبت محدوديته في بناء علاقة حقيقية بين الطفل والطرف غير الحاضن، وهو ما يدفع نحو التفكير في نماذج أكثر مرونة وتنظيمًا، تسمح بمشاركة فعلية في الرعاية، دون الإخلال باستقرار الطفل أو تحويله إلى أداة صراع.

كما أن قضايا مثل الولاية التعليمية، والنفقة، وتنفيذ الأحكام، تحتاج إلى مقاربة أكثر وضوحًا وانضباطًا، تضع قواعد محددة تقلل من مساحة الاجتهاد المتضارب، وتضمن قدرًا أعلى من العدالة والاستقرار.

وفي قلب هذا كله تبقى مسألة “فلسفة القانون”، فالتشريع الجيد لا يُقاس فقط بنصوصه؛ بل بقدرته على خلق حالة من التوازن والاستقرار داخل المجتمع، بما يتطلب الابتعاد عن منطق الاستجابة اللحظية للضغوط، والاقتراب من منطق البناء طويل المدى.

إن توجيهات رئيس الجمهورية في هذا التوقيت تخلق فرصة نادرة لإعادة فتح الملف من زاوية مختلفة، فبدلًا من الاكتفاء بمشروع واحد يُطرح للنقاش، نحن أمام إمكانية حقيقية لوجود أكثر من تصور تشريعي داخل البرلمان، وهو ما يعزز من جودة النقاش، ويدفع نحو مقارنة البدائل، واختيار الأنسب.

وفي النهاية فإن الرهان الحقيقي ليس على سرعة إصدار القانون؛ بل على قدرته على الصمود أمام اختبار الواقع. فالقانون الذي لا ينجح في تقليل النزاعات، أو الذي يخلق اختلالات جديدة، سيعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف.

ما نحتاجه اليوم ليس فقط قانونًا جديدًا؛ بل عقدًا اجتماعيًا جديدًا داخل الأسرة، يعيد تعريف الحقوق والواجبات، ويضع الطفل في قلب المعادلة، ويمنح المجتمع إطارًا أكثر عدالة واستقرارًا.

هذا هو التحدي… وهذه هي الفرصة.

Short Url

search