السبت، 18 يوليو 2026

08:41 م

محمد فواد يكتب: الطائرة الورقية 2026.. إدارة أزمة وخلل مزمن

الجمعة، 03 أبريل 2026 12:13 م

 الدكتور محمد فؤاد

الدكتور محمد فؤاد

في عام 2024، حاولت في كتابي “اقتصاديات الطائرة الورقية” أن أقدم توصيفًا مختلفًا لطبيعة الاقتصاد المصري، ولم يكن العنوان وقتها مجرد استعارة بل إطار تحليليا لفهم هذا الاقتصاد، حيث يبدو قادرا على التحليق دون سقوط، لكن محركه الداخلي ضعيفا للغاية، يترك مساره رهينا لرياح الصدمات الخارجية، لا لإرادته.

ليس هذا فحسب، فحتى هذا المحرك الضعيف لا يفعل ذلك من موارد ذاتية، وإنما النسبة الأكبر من وقوده تعتمد على إمداد خارجي يتمثل في التدفقات الرأسمالية، والتحويلات، والدعم، بحيث ترتفع الطائرة حين يستقر التدفق، وتضطرب حينما يضعف، لتظل الإشكالية كما هي ليست في القدرة على الطيران، بل في الارتهان المستمر لمصدر وقود لم تنجح الجهود بعد في توفير بديل محلي مستدام له.

واليوم، في 2026، يقف هذا النموذج "طائرة ورقية" أمام اختبار جديد، ربما هو الاختبار الثالث الأكثر وضوحًا منذ 2016، مرورًا بمحطة 2024، وصولًا إلى اللحظة الراهنة، ففي كل مرة تختلف طبيعة الصدمة، لكن النتيجة تكاد تكون واحدة.

ففي 2016 كانت أزمة عملة حادة، أما في 2024 فبرزت المشكلة في تدفقات وخروج أموال ساخنة، أما اليوم فنحن أمام صدمة مركبة ترتبط بالطاقة والجغرافيا السياسية والتمويل الخارجي، ومع ذلك، يظل الأثر النهائي متقارب، من حيث الضغط على العملة، وموجات التضخم، والاحتياج المتجدد لإعادة ضبط الاقتصاد.

غير أن الفارق هذه المرة ليس طبيعة الأزمة، بل طريقة إدارتها، فمن الواضح أن هناك تطورًا حقيقيًا في الأداء، إذ لم يتم الدفاع عن سعر صرف غير قابل للاستمرار، ولم يتم استنزاف الاحتياطي بنفس النمط الذي شهدناه سابقًا، بل تم السماح للعملة بالتحرك وفق قيمتها، وتم تمرير جزء من الصدمة بسرعة إلى الاقتصاد، وهو ما يعكس بشكل لا يمكن انكاره إدارة أكثر انضباطًا ونضجًا، اللهم إلا في ملف الطاقة الذي مازال يعاني تخبطا مكلفا.

وهذه المقاربة كانت محل إشادة من بعض الدوائر الدولية، حيث اعتبر عدد من المحللين—ومنهم روبن بروكس، كبير الاقتصاديين السابق في معهد التمويل الدولي وكبير استراتيجيي العملات الأجنبية سابقًا في جولدمان ساكس— أن مصر هذه المرة تتبع المسار الصحيح، وأن ترك العملة تتحرك دون الدفاع عنها بالاحتياطي هو القرار السليم حتى وإن كان مكلفًا سياسيًا.

وهذا التقييم، من زاوية فنية، له وجاهته، وقد تناولت نفس الفكرة في مداخلتي مع الإعلامي شريف عامر، حيث أكدت أن تثبيت سعر صرف غير واقعي يؤدي حتمًا إلى أزمة أكبر لاحقًا، وأن المرونة حتى مع تكلفتها التضخمية تظل أقل ضررًا من تأجيل الانفجار.

لكن هذه القراءة، رغم دقتها، تظل ناقصة إذا لم نضعها في سياقها الاجتماعي، لأن هذا النوع من النقاش يُفهم داخل دوائر المتخصصين، لكنه لا يُترجم بنفس الشكل إلى المواطن، الذي لا يقرأ تحليلات الأسواق، ولا تعنيه إشادات المؤسسات الدولية، ولا يهتم إن كانت السياسة النقدية أصبحت أكثر احترافية، فما يراه ببساطة هو أن الأسعار ترتفع، وأن قدرته الشرائية تتآكل، وأن النشاط الاقتصادي حوله يبدو أبطأ وأكثر ضغطًا.

من هذه الزاوية، يبدو الخطاب الاقتصادي بكل ما يحمله من مصطلحات مثل “مرونة سعر الصرف” و”امتصاص الصدمات” بعيدًا عن الواقع، بل وقد يُفهم أحيانًا باعتباره نوعًا من التبرير أكثر منه تفسيرًا، والحقيقة أن هذا الشعور مفهوم إلى حد كبير، لأن ما حدث فعليًا هو تحسن في طريقة إدارة الأزمة، وليس في طبيعة الأزمة نفسها، بمعنى أن الإدارة أصبح أفضل في توزيع الصدمة داخل الاقتصاد، لكنها لم تقلل من حجمها، ولا من تكرارها، ولا من أثرها النهائي على المواطن.

وهذا التناقض بين ما يُحتفى به في التقارير وما يُعاش على الأرض ليس مسألة إدراك فقط، بل هو انعكاس مباشر لاختلال أعمق، وهو ما يعززه تقرير صندوق النقد الدولي الأخير، إذ يشير بوضوح إلى أن التحسن في المؤشرات الكلية لا يعكس تحولًا هيكليًا حقيقيًا، بل يأتي في إطار استقرار هش مدفوع بإجراءات مؤقتة، مع استمرار نفس الاختلالات الجوهرية، كما يقر التقرير بأن الاقتصاد لا يزال معرضًا للصدمات بشكل متكرر، وأن مساحة التصحيح أصبحت أكثر ضيقًا في ظل الضغوط القائمة.

عند النظر إلى التفاصيل، تتضح الصورة أكثر، فخدمة الدين تستهلك 83٪؜ من الإيرادات، ما يحد من قدرة الدولة على المناورة المالية، ويجعل أي صدمة خارجية تنعكس سريعًا على الداخل، وفي الوقت نفسه، لا يزال دور القطاع الخاص محدودًا نسبيًا، مع استمرار مزاحمة الدولة في النشاط الاقتصادي، وهو ما يضعف القدرة على خلق مصادر مستدامة للعملة الأجنبية، أما في قطاع الطاقة، فقد أصبح الاعتماد على الاستيراد وضعف إدارة الملف برمته عامل ضغط دائم، وليس ظرفًا مؤقتًا، وهو ما يزيد من هشاشة الميزان الخارجي.

هذه العوامل مجتمعة تعيدنا إلى نفس الفكرة التي انطلق منها كتاب “اقتصاديات الطائرة الورقية”، حيث المشكلة ليست في إدارة الصدمة، بل في تكرارها، فطالما ظل الاقتصاد يعتمد على مصادر خارجية متقلبة، ولم ينجح في بناء قاعدة إنتاجية قوية، سيظل عرضة لنفس الدورة: تحسن مؤقت، يعقبه ضغط، ثم إعادة ضبط، ثم تحسن جديد… وهكذا. فتصبح الأزمة القادمة دائما مسألة وقت.

المفارقة أن ما تحقق في السنوات الأخيرة هو تحسن حقيقي في كفاءة الإدارة، خاصة على مستوى السياسة النقدية التي كانت تُدار في فترات سابقة بقدر كبير من الجمود والتأخر، لكن هذا التحسن، رغم أهميته، لم يغير من طبيعة النموذج، وبالتالي، فإن كل أزمة جديدة لا تُفاجئ الاقتصاد بقدر ما تكشفه.

في النهاية، لا يمكن إنكار أن هناك تقدمًا في طريقة التعامل مع الأزمات، لكن لا يمكن أيضًا تجاهل أن المواطن لا يقيس الأمور بهذه الطريقة، فبالنسبة له، الأثر المعيشي في الحالتين قائم، إذ يظل التضخم حاضرًا، وكذا الضغوط مستمرة، والفارق بين “إدارة جيدة” و”إدارة سيئة” لا يظهر بنفس الوضوح الذي يراه الاقتصاديون.

لهذا، يظل التحدي الحقيقي أكبر من مجرد تحسين الأدوات، والمطلوب هو تغيير النموذج نفسه، بحيث يصبح الاقتصاد أكثر قوة في مواجهة الصدمات، وليس فقط أكثر قدرة على إدارتها، اما بدون ذلك، سيظل أي استقرار مؤقتًا، وسيظل كل نجاح في إدارة أزمة مقدمة لاختبار جديد، مع صدمات لا تنتهي.

لقد أصبحنا أكثر قدرة على الإمساك بالخيط حتى لا تفلت زمام الأمور، لكن محرك الطائرة لم يتحسن بعد، لتبقى رغم كل شيء "ورقية"، تحلّق لكن وجهتها تظل رهينة، وقدرتها على مواجهة الصدمات محدودة.

Short Url

search