الجمعة، 20 مارس 2026

11:33 م

محمد فؤاد يكتب: حين تكشف الأرقام فجوة المنهج.. قراءة في قصة توقعات إنتاج الغاز

الجمعة، 20 مارس 2026 07:54 م

الدكتور محمد فؤاد

الدكتور محمد فؤاد

بقلم الدكتور محمد فؤاد

عندما قدّم حزب العدل ورقته البحثية التي رجّحت مستويات إنتاج غاز أقل بكثير من التقديرات الرسمية، لم يُستقبل الطرح بوصفه اجتهادًا تحليليًا، بل قوبل بتحفظٍ مشوبٍ بالريبة، وكأن قراءة الأرقام من زاوية علمية تُعد خروجًا على السردية السائدة لا محاولة لفهمها، بينما كانت الرواية المتفائلة تحظى بقبولٍ واسع، أقرب إلى التسليم منه إلى الحقيقة.

غير أن الأرقام، بطبيعتها الصلبة، لا تدخل في سجال، ولا تنحاز إلى رغبة أو خطاب، فمرّت الأشهر، وتكشّف الواقع على مهلٍ، لكن بوضوح لا يقبل التأويل أو الحجج، لتُعاد صياغة المشهد على نحو مغاير لما طرحته التوقعات الرسمية، فما اعتُبر يومًا طرحًا خلافيًا، بات اليوم توصيفًا أقرب إلى الدقة لمسارٍ كان يتشكل بعيدًا عن الضجيج.

أعلم أنه قد يُعزى المشهد، على عجل، إلى اضطرابات إقليمية أو ظروف خارجية، غير أن هذه القراءة تتجاهل جوهر المسألة، فحين نتحدث عن الإنتاج، لا عن الأسعار، فإن ما نراه ليس أثر صدمة طارئة، بل انكشاف مسارٍ قائم بالفعل، كان من الممكن تجنب سلبياته حال الاستعداد المبكر مع تقديرات حقيقية للوضع.

ففي إدارة الملفات الاقتصادية المعقدة، لا تكمن الأزمة الحقيقية في نقص البيانات، بل في كيفية قراءتها، وبناء السيناريوهات عليها، ثم ترجمتها إلى سياسات، وقصة توقعات إنتاج الغاز في مصر خلال عام 2025 تقدم نموذجًا واضحًا لفجوة منهجية بين “التقدير الواقعي” و”الطرح المتفائل غير المشروط”.

في فبراير 2025، ساد خطاب رسمي متفائل يشير إلى أن إنتاج الغاز الطبيعي سيتجاوز 5.5 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول صيف 2025، وهذا الرقم لم يكن مجرد تقدير فني، بل تحول إلى نقطة ارتكاز ضمنية في الخطاب العام حول توازن الطاقة، وتقليص الاعتماد على الواردات، واستقرار منظومة الكهرباء.

في المقابل، قدمت الورقة الصادرة عن مركز العدل لدراسات السياسات العامة قراءة مختلفة تمامًا، فقد انطلقت من تحليل اتجاهات الإنتاج الفعلية، ومعدلات التناقص الطبيعي للحقول، وسرعة تنفيذ برامج الحفر والتنمية، وعلى هذا الأساس، قدّرت أن الإنتاج سيتجه إلى نحو 3.75 مليار قدم مكعب يوميًا بنهاية 2025.

لم يكن الفارق بين الرقمين مجرد اختلاف تقديري، بل اختلاف في المنهج، بين من يفترض قفزة سريعة، ومن يقرأ الواقع كما هو، بقيوده وتعقيداته.

ومع دخول صيف 2025، بدأت المؤشرات الفعلية تكشف حدود السردية المتفائلة، إذ لم يتحقق مستوى 5.5، بل ظل الإنتاج دون هذا المستوى، واستمر هذا الاتجاه طوال النصف الثاني من العام، ومع صدور بيانات “قاعدة بيانات منظمات الطاقة المشتركة” المعنية بتعزيز شفافية بيانات الطاقة عالميًا، JODI لشهر ديسمبر 2025، استقر الرقم عند نحو 3.9 مليار قدم مكعب يوميًا.

إنتاج الغاز الفعلي في مصر

وهنا تكتسب المقارنة دلالتها الكاشفة، إذ اقترب التقدير البحثي الذي وضع الإنتاج عند نحو 3.75 مليار قدم مكعب يوميًا من الرقم الفعلي البالغ 3.9، بانحراف محدود لا يتجاوز 4%، وهو نطاق يُعد مهنيًا ومقبولًا في مثل هذه التقديرات المعقدة، في المقابل، اتسع الفارق بشكل لافت في التقدير الحكومي الذي راهن على مستوى 5.5 مليار قدم مكعب يوميًا، ليصطدم بواقع أقل بكثير، مع انحراف يقترب من 30%، بما يعكس خللًا جوهريًا في الفرضيات التي بُني عليها هذا السيناريو.

لكن الأهم من الأرقام هو ما وراءها، فالتقدير البحثي لم يكن “متشائمًا”، بل كان تحفظيًا مبنيًا على مؤشرات تشغيلية، منها تباطؤ الاستثمارات، وانخفاض عدد الحفارات، ونضوب الحقول الرئيسية، وتأثير تأخر مستحقات الشركاء على وتيرة التطوير، وفي المقابل، استند الخطاب الرسمي إلى سيناريو متفائل غير مشروط، جرى تسويقه بكثافة، دون عرض كافٍ للمخاطر أو بدائل التحوط.

وهنا لا نتحدث فقط عن فجوة في التوقع، بل عن فجوة في إدارة الملف، فبناء توقعات مرتفعة للإنتاج يؤدي ضمنيًا إلى تأجيل قرارات الاستيراد أو التحوط والتقليل من حجم الفجوة المتوقعة في الطاقة، وتبني تقديرات مالية أقل تحفظًا لتكلفة الوقود

وحين لا تتحقق هذه التوقعات، ننتقل من التخطيط الاستباقي إلى إدارة أزمة، وهو ما تم بالحرف في واقعنا خلال السنة المالية السابقة والحالية، بما رتب أزمات كان من الممكن تلافيها وتكاليف مالية باهظة لم تكن في الحسبان.

والمفارقة الآن أنه بينما نحن منغمسون في تداعيات الحرب، ونُرجع الأزمة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار العالمية، يتم—بشكل متكرر—إزاحة جوهر المشكلة.

فالأزمة لم تبدأ من الخارج، بل من الداخل، جراء تراجع في الإنتاج، وحالة الهشاشة في الوعود،  ضعف في كفاءة الإدارة التشغيلية، والمنهج المستمر في تجميل الصورة بدلًا من مواجهتها.

لقد جاءت صدمة الواقع لتكشف ما تم تجاهله طويلًا، فما اقتلعته رياح السوق لم يكن مجرد أرقام، بل سردية كاملة بُنيت على التفاؤل غير المشروط، والأخطر أن تفسير الأزمة بعوامل خارجية فقط يعيد إنتاج نفس الحلقة، من تأجيل الاعتراف، ثم تضخم التكلفة، ثم إدارة متأخرة لأزمة كان يمكن احتواؤها مبكرًا.

في هذا السياق، تبرز إشكالية أعمق في إدارة النقاش العام، فغالبًا ما يُنظر إلى الطرح النقدي باعتباره “تشكيكًا”، بينما يُكافأ الطرح المتفائل—حتى إن كان غير دقيق—باعتباره “دعمًا”، لكن التجربة العملية خاصة في الاقتصاد تثبت العكس، فالسياسات لا تُقاس بالنوايا، بل بدقة التقدير.

كما أنه ليس كل من ينتقد مخربًا، وليس كل من يُهلل وطنيًا، والوطنية هنا تعني القدرة على رؤية الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون أو كما صدره المسؤول.

والأهم أن الخطأ في التقدير ليس المشكلة الأساسية، بل الإصرار على تجاهله، فكل نظام اقتصادي معرض للخطأ، لكن الفارق الحقيقي يكمن في سرعة التصحيح وتقبل النقد والتقويم.

وفي حالة الغاز، لم تكن المشكلة في غياب الرؤية، بل في تفضيل رواية على حساب أخرى، رغم أن البيانات كانت متاحة للجميع، والنتيجة أننا انتقلنا من مرحلة “التوقعات المتفائلة” إلى “إدارة التداعيات”، دون المرور بمحطة المراجعة الجادة.

الخلاصة أن ما حدث ليس مجرد انحراف رقمي، بل اختبار حقيقي لمنهج إدارة السياسات، وبينما يمكن تعويض فجوة الإنتاج عبر الاستيراد أو إعادة التوازن، فإن فجوة التقدير—إن استمرت—تظل أكثر كلفة على المدى الطويل.

لأن الاقتصاد، في النهاية، لا يعاقب من يخطئ، بل من يكرر الخطأ نفسه، وهو يظن أنه لم يحدث، أو في تعبير آخر من يلدغ من الجحر مرتين!.

Short Url

search