السبت، 14 مارس 2026

12:13 م

الحرب ترفع أسعار النفط وتضغط على الذهب، لماذا خالف المعدن الأصفر التوقعات؟

السبت، 14 مارس 2026 10:21 ص

الذهب

الذهب

توقع العديد من الخبراء والمستثمرين، قفزة قوية في أسعار الذهب مع اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير 2026، وذلك باعتباره الملاذ الآمن الأول في ظل التوترات الجيوسياسية وارتفاع المخاطر واضطراب الأسواق، ولكن ما حدث كان عكس ذلك.

ظل الذهب مرتفعاً بنحو 18% منذ بداية العام، كما حافظ إلى حد كبير على التداول فوق مستوى 5 آلاف دولار للأونصة، إلا أنه لم ينجح في بناء موجة صعود جديدة مع اندلاع الحرب، بل تحرك ضمن نطاق ضيق نسبياً وتراجع في بعض الجلسات رغم المخاطر التي طالت الطاقة والتجارة والتضخم.

وحقق الذهب انخفاض للأسبوع الثاني على التوالي، وذلك لأول مرة منذ نوفمبر الماضي، حيث إن العوامل نفسها التي كان يُفترض أن تدعم الذهب، تحولت في جزء كبير منها إلى عناصر ضغط عليه، ولهذا بدا المعدن أقل بريقاً مما كان متوقعاً في لحظة يُفترض نظرياً أن تكون مثالية له، وفقاً لتقرير "بلومبيرج الشرق".

الذهب

سوق الطاقة وتأثيره على المعدن الأصفر

السبب الأول يبدأ من سوق الطاقة، فالحرب عطلت إنتاج النفط وعمليات التكرير في الشرق الأوسط، وأحدثت اضطرابات في الشحن عبر مضيق هرمز، ما دفع خام برنت إلى الارتفاع والبقاء قرب 100 دولار للبرميل بعد أسبوع من التقلبات الحادة في أسواق الطاقة.

وفي العادة، يُفترض أن يؤدي تصاعد الخطر الجيوسياسي إلى دعم الذهب مباشرة، لكن السوق لم تنظر إلى الحرب من زاوية الخوف وحده، بل من زاوية رفعها لأسعار الطاقة والتضخم، وبالتالي احتمال بقاء أسعار الفائدة متشددة لفترة أطول دون خفضها لكبح هذا التضخم.

أيضاً، ورغم أن التضخم الأساسي في الولايات المتحدة تباطأ خلال فبراير، إلا أن هذه القراءة لم تكن كافية لطمأنة المستثمرين، لأنها سبقت الحرب، بينما كان تركيز السوق منصباً على ما قد يحدث لاحقاً إذا استمرت أسعار الطاقة في الصعود.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية “فالنفط لم يدفع الذهب إلى الأعلى، بل ساهم في إضعافه عبر بوابة التضخم”، فكلما زادت أسعار النفط، ارتفعت توقعات التضخم، وكلما ارتفعت هذه التوقعات، تراجعت فرص خفض الفائدة، وهو ما يضغط على الذهب.

ويرى المتعاملون حالياً أنه لا توجد تقريباً أي فرصة لخفض الفائدة في اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع المقبل، مع تسعير الأسواق احتمالاً يقارب 80% لخفض واحد فقط هذا العام.

بالنسبة للذهب، تمثل هذه المعادلة تحدياً واضحاً، إذ إن تكاليف الاقتراض المرتفعة عادة ما تضغط على المعادن النفيسة التي لا تدر عائداً، ما يقلص جاذبيتها في المحافظ الاستثمارية.

الدولار يفوق الذهب ويستحوذ على دور الملاذ الأول

في أوقات الأزمات الكبرى، لا يكفي أن يكون الأصل آمناً، بل يجب أن يكون أيضاً شديد السيولة، وهو ما أدى لاستعادة الدولار أفضلية واضحة على الذهب، فصعود الدولار سحب جزءاً كبيراً من الطلب الدفاعي الذي كان يمكن أن يذهب إلى الذهب.

ولم يأتي الضغط من الدولار وحده، فمع صعود النفط وتزايد المخاوف التضخمية، تعرضت أسواق السندات لموجة بيع، ما دفع العوائد إلى الارتفاع. 

وتراجعت سندات الخزانة الأمريكية يوم الخميس، لترتفع عوائد السندات قصيرة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ أغسطس.

ويمثل ارتفاع العوائد عاملاً سلبياً مباشراً للذهب، لأنه أصل لا يدر عائداً، فكلما ارتفعت العوائد على السندات، ازدادت تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن، ما يحد من جاذبيته في المحافظ الاستثمارية.

وشهد صندوق (SPDR Gold Shares) استرداداً كبيراً في يوم واحد، في مثال واضح على هذه الديناميكية، فبعض المستثمرين لم يشتروا الذهب هرباً من المخاطر فقط، بل باعوه أيضاً لتوفير السيولة.

من الإشارات اللافتة أيضاً أن التقلب الضمني للذهب جاء أضعف من نظيره لمؤشر (S&P 500) منذ اندلاع الحرب، في تباين غير معتاد في مثل هذه الأزمات، فلو كان الذهب يتحرك كتحوط جيوسياسي مباشر، لكان من الطبيعي أن ترتفع تقلباته مع تصاعد الأخبار العسكرية.

لكن ما حدث كان مختلفاً. فقد تراجع مؤشر تقلب الذهب في بورصة شيكاغو عن مستوياته المرتفعة الأخيرة، فيما بقيت الأسعار الفورية تتحرك ضمن نطاق ضيق نسبياً منذ أواخر فبراير، رغم ارتفاع حدة الحرب والتقلبات الحادة في سوق النفط.

هذا السلوك يشير إلى أن الذهب لم يكون علاوة حرب واضحة كما يحدث عادة في الأزمات الجيوسياسية، بل بدا أقرب إلى أصل يخفف جزءاً من الصدمة داخل سوق مضطربة، بينما استقر التداول قرب 5200 دولار للأونصة.

تباطؤ مشتريات البنوك المركزية من الذهب

وبلغ صافي مشتريات البنوك المركزية 5 أطنان فقط في يناير، مقارنة بمتوسط شهري بلغ 27 طناً خلال عام 2025، وهو ما يعد تباطؤ واضح في واحدة من أهم ركائز الدعم الطويل الأجل للمعدن.

وتزداد أهمية هذه النقطة لأن مشتريات البنوك المركزية كانت خلال السنوات الماضية عاملاً رئيسياً في تثبيت السوق الصاعدة للذهب، وفي دعم الأسعار عند مستويات مرتفعة، لكن حين يبدأ هذا الزخم في التراجع، تصبح السوق أكثر حساسية لأي ضغوط أخرى، سواء من الدولار أو العوائد أو تخارج المستثمرين.


معادن استفادت من الحرب 

إذا كان الذهب قد تعثر بفعل العوامل المالية والنقدية، فإن بعض المعادن الصناعية استفادت من الحرب بطريقة أكثر مباشرة عبر تعطل الإمدادات.

فقد حافظ الألومنيوم على مستويات قريبة من أعلى مستوياته منذ 2022، بعدما أدت الحرب إلى تقليص الشحنات من الخليج العربي، الذي يمثل نحو 9% من الإمدادات العالمية من هذا المعدن. 

كما أوقف منتجان رئيسيان في قطر والبحرين عمليات التسليم، ما دفع المشترين في الولايات المتحدة إلى البحث عن مصادر بديلة.

أما النحاس، فيتحرك قرب مستوى دعم تشكل منذ يناير، مع ترقب عودة الطلب الصناعي، خصوصاً من الصين، في وقت تحاول فيه السوق التكيف مع الأسعار المرتفعة وضعف الطلب.

الذهب أقل من تقلبات سوق الأسهم

وتعد تقلبات الذهب أقل من تقلبات سوق الأسهم، ما يشير إلى أن المعدن يتحرك بوتيرة أكثر استقراراً مقارنة بالأصول الخطرة، ما يشير إلى أن المعدن يتحرك بوتيرة أكثر استقراراً مقارنة بالأصول الخطرة.

الذهب لم يفقد مكانته

ورغم كل هذه الضغوط، لا تزال النظرة الطويلة الأجل للذهب أقل تشاؤماً من أدائه القصير الأجل، فالمعدن لم يفقد صفته كملاذ آمن بالكامل، لكنه يمر بمرحلة إعادة تسعير فرضتها ظروف استثنائية، مثل: حرب رفعت النفط، والنفط رفع توقعات التضخم، وتوقعات التضخم دعمت الدولار والعوائد، والدولار والعوائد أضعفا الذهب.

من جانبه، كتب بنك "يو بي إس" في مذكرة: "ننظر إلى الذهب أقل باعتباره تحوطاً مباشراً من صراع الشرق الأوسط (فالنفط يُعدّ تحوطاً أفضل)، وأكثر كوسيلة حماية من الآثار النقدية والمالية التي قد تخلّفها الحروب، خصوصاً عندما تشمل تلك الآثار انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية، أو مخاوف تراجع قيمة العملات، أو ارتفاع مستويات الدين الحكومي".

Short Url

search